مدونات

من دفاتر الدكتاتوريّة العربيّة .. حمار المُعارِض ودجاجاته تحت الرّقابة

بقلم: سليمة كراك

 

بقطع النظر عن التقييمات والمآلات المختلفة حدّ التناقض، إلى جانب قصر الفترة التاريخيّة المتاحة لتقييم عميق للتجارب، فإنّ الثورات العربيّة قد وضعت حدّا لسطوة النظام الرسمي العربي بعد الحرب العالميّة الثانية بأشكال مختلفة، فانتهى بعض الفاشيين هاربا ومنهم من إنتهى مقتولا وآخرون يراوحون بين قتل شعوبهم عقابا لها على رغبتها في الإلتحاق بركب الحضارة، وبين إستعبادها أو السماح لها بالحد الأدنى من الحريات خوفا من وصول رياح الثورات إلى أسوارها.

 

النظم العربيّة كانت بحكم إنغلاقها وفاشيّتها من أكثر النظم التي إشتغلت على ترويج صورتها لدى الخارج بكل أنواع المساحيق وبشتى الطرق والوسائل، وليس أقلّها شراء الصحفيين والكتّاب وتشكيل اللوبيات وغيرها، وبقيت دفاترها السوداء مخفيّة بعيدا عن الأعين حتّى أطلس 17 ديسمبر الذي إنطلقت شرارته من تونس ليكسر “البطاقة البريديّة” ويفضح جوانب أخرى ومجالات واسعة ظلّت خلف الكاميرا وعلى هامش السياسات بشكل ممنهج.

 

يطول الحديث عن”دفاتر” الدكتاتوريّة العربيّة، ولكنّ بعض الشهادات والوثائق التي كشفت بعد الثورات العربيّة مهمّة في إعادة تصحيح التاريخ أولا، وخاصّة في فهم وتفكيك طبيعة النظام الدكتاتوري وحتّى طبيعة الدكتاتور العربي نفسه، من ذلك ما ورد من شهادات أمام هيئة الحقيقة والكرامة ضمن مسار العدالة الإنتقاليّة في تونس، أو ما تم توثيقه من شهادات بشأن ما حدث في سجن العقرب في مصر، أو ما كشفه الهاربون من سجن “صدنايا” في سوريا وغيرها، دفاتر أخرى لا تقف عند حدود فضح ساديّة الدكتاتور العربي ولكنّها تضع الإنسانيّة برمّتها أمام التعاطي مع “هوس التألّه في الأرض” الذي يمارسه بشر على رأس السلطة.

 

جلسة استماع علنية لضحايا النظام السابق في تونس

 

“شوهد يمتطي حماره الأشهب (بنّي) ويتوجّه إلى السّوق”، “شوهد جالسا في المقهى يحتسي قهوة أشطار (قهوة بالحليب)”، “إشترى دجاجتين، ذبح واحدة بعد وصوله إلى منزله وترك الأخرى”…، هذه مجموعة من “الإبلاغات” عن معارضين سياسيين في تونس وردت ضمن تقارير بعضها تمّ العثور عليه في أحداث الثورة والبعض الآخر تمّ تسريبه بشكل من الأشكال أو رواه الضحايا أنفسهم بعد أن إطّلعوا على التقارير التي كتبتها أعين “لا تنام” تراقبهم على مدار الساعة.

 

قد تبدو هذه “الإبلاغات” في ظاهرها موضوع تندّر أو هي أقرب إلى النكات، لكنّها في الواقع حقيقة تفضح حجم الرعب والخوف الذي كان يشعر به الدكتاتور في تونس ونظامه من معارضيه الذين حوّلهم إلى خصوم مستباحين في كلّ شيء، أي أنّنا أمام حالة من “الخوف المرضي” ومردّه بالأساس هوس أمني بمعرفة وإستباق حركة ممكنة للمعارضين في أي لحظة وبأي شكل من الأشكال قد تهدّد عرش الدكتاتور أو إستقرار نظامه المتداعي إلى السقوط منذ أن أصبحت “إبلاغات” أعوانه عن ضحايا بهذا الشكل.

 

من ناحية علم النفس، يسمّى الخوف المرضي “فوبيا” أو “رهاب”، وهو حالة تشير إلى الخوف المفرط وغير المناسب تجاه موضوع أو شيء أو موقف معيّن يشعر فيه الشّخص بأنّه فاقد للسّيطرة، وهو في حالة الدكتاتور العربي “خوفان”، خوف من الفناء أي الموت أو الإنتهاء، ناتج عن تشبّث بالبقاء بشكل غير طبيعي وخوف من “المساس بالأنا” المتضخّمة من الشّعورِ بالإهانة، أو عدم التّقدير، أو من التعرّض للذلّ، أو مساس بالمنصب والمصالح والأبّهة والسلطة.

 

يمكن القول أن الثورة التونسيّة لم تنه فقط دكتاتورا من أشد الدكتاتوريات العربية قمعا لشعبه، ولكنّها كشفت الوجه الآخر المتناقض تماما مع صورة “الزعيم العربي” الذي يظهر في الصورة الدعاية كقويّ ويستعمل التخويف والترويع أدوات للبطش ولتكريس صورة “القويّ” و”المتجبّر” في أذهان الناس لدفعهم نحو “القابليّة بالخضوع لسلطانه”، أمّا في واقع الأمر، فهو مجرّد مهووس مريض يفتقد مقوّمات القوّة الحقيقيّة التي تعطيه الجاه والسلطة والشعبيّة، فيعوّضها بالبطش عبر أذرع كثيرة بعضها يصفّق له والبعض يساند خيارات يدرك أنها خاطئة لعدم جرأته على المعارضة والنقد والبعض الآخر ينفّذ الأوامر والتعليمات.

 

 سليمة كراك

كاتبة ومدونة من تونس

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد