الرئيسي

عهد التميمي..قبضة في وجه المستعمر وقبضتان في وجه الأمّة

رأي التحرير


“وين أخدتوا أخوي.. يا جاسوس بعرف انك بتحكي عربي.. بكفي إني فلسطينية وأقوى منك”، جملة على لسان فتاة فلسطينيّة تبدوفي مقطع الفيديو في عمر الزهور لا تزال طفلة في العاشرة من العمر ردّدتها وهي تقارع جنديّا محتلاّ قام بإعتقال شقيقها، ضمن شريط الأحداث ترد صورتها باستمرار في كلّ مرّة شهدت فيها الأراضي الفلسطينية المحتلّة مواجهات مع العدوّ.


شقراء بعيون عسليّة تراوح في جمالها ما بين فاتنة عربيّة وغاضبة من الإنكسارات العربيّة، سلاحها الذي أرعب المحتلّ قبضة تواجه بها الرصاص ولا تسدّد اللكمة بل تزأر لتذبّ المعتدي عن أرضها لتخلّدها الكاميرا واحدة من أكثر الصور تأريخا للنضال الفلسطيني وعلى وجه الخصوص من أكثرها تعبيرا عن الواقع العربي، فقبضة الطفلة الفلسطينيّة تنوب غضبة عربيّة على الأرجح أنّها تختمر في قلوب وأذهان الشعوب ولا تدور بخلد النظام الرسمي العربي المنكسر بين ضعف وفشل وإستقواء على الضعفاء وتطبيع مع الكيان المحتل.


في قرية “النبيّ صالح” بالضفة الغربيّة، رضعت فتاة “القبضة” عهد التميمي حليب الذود عن شرف الأرض والحق الفلسطيني المغتصبين، خالها شهيد وعمّها كذلك ولا تقف القائمة عند هذا الحدّ، فمن إرتقوا في المواجهات مع المستعمر من عائلتها كثيرون كفيلة قائمتهم بإشعال نار في جسدها الطفولي الضعيف، إعتقل المحتلّ والدها ووالدتها أكثر من مرّة وقدمت الفرق المدجّجة بالسلاح لمنزلهم تقلّب ما بداخله مرّات ومرّات ولم تتوقّف أو تتراجع، بل لعلّ الحقّ الفلسطيني يكبر ويصبح أكثر إشعاعا بكبر الفتاة الصغيرة.

 


بمقاطع الفيديو الكثيرة والصور المنتشرة لها أصبحت عهد التميمي أيقونة للنضال الفلسطيني في كلّ أرجاء الأرض وأصبحت قبضتها موقفا يتجاوزها في حد ذاته إلى موقف عربي مغيّب بسبب إنهيار قبضة الأمّة العربيّة بصراعاتها البينيّة وحروبها المتخيّلة والهامشيّة وإستقواء الأنظمة على “الجبهة الداخليّة” بقمع الشعوب، مقابل التطبيع على “الجبهة الخارجيّة” تقرّبا من داعمي الكيان وأصدقائه في تجاهل واضح لـ”الأشقّاء” الذي سقطوا من حسابات النظام الرسمي العربي.

 


قد لا تمثّل قوّة القبضة التي ترفعها عهد التميمي في وجه الجندي المحتلّ المدجّج بالسلاح شيئا بالمعنى المادّي، ولكن في ظلّ “حرب الصورة” تصبح قوّة القبضة الرمزيّة أكبر من قوّة السلاح، وهذا ما جعلها على رأس قائمة “الأعداء” لدى الكيان نفسه الذي قرّر في آخر خطواته منتشيا بالقرار الأمريكي الأخير بشأن القدس إستبعادها، كأنّما من أصدر القرار رسّام بقلم رصاص متى لم يعجبه الخط أو لم يكن مستويا، سحب من محفظة أدواته ممحاة وفسخه، في إشارة واضحة إلى حجم الإرباك الذي تمثّله له فتاة بوجه ملائكي.


في تقرير وصفتها فيه بـ”البطلة الفلسطينيّة” كتبت “روث إغلاش” محرّرة صحيفة الواشنطن بوست الأمريكيّة تقول ان جنود الإحتلال يطلقون على عهد التميمي إسم “شيرلي تيمبر” وهي الممثلة والديبلوماسية الأمريكيّة السابقة التي كانت تسمّى “الفتاة المعجزة” لدخولها عالم السينما قبل سن الأربع سنوات ومغادرته في سن الـ22 ملتحقة بالديبلوماسية الأمريكيّة، وذكرت المحرّرة المختصّة في شؤون الشرق الأوسط انّ عائلة التميمي في قرية “النبي صالح” معروفة بعدائها للكيان وبمقارعتها الدائمة لجنوده.


في سنة 2012، حصلت عهد على “جائزة حنظلة للشجاعة”، وتسلّمتها من قبل بلدية “باشاك شهير” في مدينة إسطنبول، كأنّها أرادت أن تدير “حنظلة” ليراها تقارع جيوش المحتل.. ولكن حنظلة أدارها معه لأمّة تركته وتركتها تحارب دون غضب.


عهد التميمي بدون أدنى شك أيقونة من أيقونات النضال الفلسطيني ضد الإحتلال، ولكنّها بكل المقاييس قبضة مشهدها في الصورة يوجّه صفعة للعدوّ المحتلّ، أمّا في الواقع، فيوجّه صفعتين ثانيها لوجه النظام الرسمي العربي الملطّخ بالتطبيع والصمت والتخلّي عن الشعب الفلسطيني وأرضه العربيّة المحتلّة منذ عقود من الزمن.

مقالات ذات صلة

اترك رد