مجتمع

“القدس تعرف نفسها” هذا ما تقوله ماجداتُ فلسطين

#عربيات_ضد_التطبيع

هديل عطا الله- مجلة ميم

هو ليس ألما من النوع المتداول الذي تعرفه حرائر العرب؛ بعد كل ما حدث وما يحدث في مدينة القدس لن يكون منصفاً أن نطلق على ما ينخر في قلوب الفلسطينيات “الحزن العميق”؛ إنه شعورٌ يتجاوز “احتراق الروح” ذلك الذي يؤجج نار النساء الشامخات وهن يشاهدن عنجهية الظلم تتعَالى في الأرض المباركة؛ ويُثخن جراحهن تحالفُ الأخ القريب مع ألدّ عدو!

 

المؤرخة المقدسية بيان الحوت: “عَبر التاريخ لم أسمع أو أقرأ مِثل هذا التطبيع”

حدثٌ جلل كهذا يتصل بإعلانٍ مشؤوم قال صاحبه فيه أن القدس عاصمة لــ (إسرائيل)؛ يستدعي حضور مؤرخة بــقامة “بيان نويهض الحوت” ابنة مدينة القدس؛ الأستاذة الجامعية والباحثة الأكاديمية، فأبوها مناضل صاحب تاريخ عريق، وكذلك الحال بالنسبة لزوجها الراحل شفيق الحوت؛ ولها عشرات المؤلفات والأبحاث حول القضية الفلسطينية.

د. بيان الحوت من مواليد عام 1937، لن تنسى أبداً حين كانت صغيرة تركض في باحات المسجد الأقصى، وعندئذٍ وبخّتها امرأة رأتها: “أتركضين وأنت في بيت الله.. سيرميكِ في النار”؛  لكن رجلاً كبيراً في السن كان يقف بالباب هدّأ من روعها حين قال: “لا تخافي هنا بيت الله؛ هنا بيت الحرية”.

تستهل حديثها لــ”ميم” بتنهيدة لا تنطفئ، تُتبعها بالقول: “لو استعرضنا مراحل التاريخ شرقاً وغرباً لما وجدنا حالة تشابه حالنا اليوم مع (إسرائيل)، متى شاهدنا دولة محتلة تفعل ما تفعله ضد الشعب الفلسطيني يومياً؟، فتعتقل الأطفال والأحداث، وتطلق النار على من تشاء بحجة أنه مشتبه به بأنه كان ينوي أن يطعن جندياً محتلاً، ومتى كانت تقفل أبواب المسجد الأقصى ويُمنع المصلون من الوصول وفقاً لرغبة نتنياهو في أية لحظة؛ وكيف ترتفع الأصوات من أنحاء العالم مستنكرةً، بينما ينادي بعض القادة العرب بالتطبيع مع العدو؛ لم أسمع ولم أقرأ مثل هذا عبر التاريخ”. وتضيف: “أنا لا أوافق على تعبير – التطبيع بين إسرائيل والعرب -، ليس من منطلق عروبي فقط، بل من المنطلق العام، فمن قال بأن التطبيع هو مع العرب، كل العرب؟ لم لا نُسمي الأمور بأسمائها، والرجال بأسمائهم، وخصوصاً بأن المهرولين نحو التطبيع لا يخجلون من هرولتهم، بل يتباهون بها”.

وتتابع حديثها بغضبٍ جَليّ: “لن أتوقف عند زيدٍ أو عمرو من رئيس أو ملكٍ أو أميرٍ أو زعيم، إذ ليس من داعٍ لذلك، لكنني أدعو إلى ضرورة معرفة الأهداف الصهيونية على حقيقتها، فهي لن تكتفي بفلسطين حتى لو احتلتها كاملة، وإن كانت اليوم تحتلها واقعياً؛ (إسرائيل) بعد فلسطين تبدأ بتحقيق غاياتها التوسعية ـ علناً ـ  خارج فلسطين، أي في البلاد العربية، وعلى أكثر من صعيد، وإن يكن ظاهرها الصعيد الاقتصادي، غير أن ما يخفى من غاياتها فهو أعظم، وهو ما يعرفه كل هؤلاء المهرولين، لكنهم يتجاهلونه، كما يتجاهلون أن المساعي الصهيونية للغلبة على الأمة العربية قد ابتدأت من زمن طويل”.

 

حول موقفها من خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن القدس، قالت الحوت: “هذا التصريح الذي فجّر القنبلة الصوتية لمهزلة التطبيع على مسرح السياسة العربية، فمن غير الممكن حمله على محمل الجد ومناقشته، فأين المنطق في تصريحٍ كهذا وهو يخالف جميع القرارات الصادرة ليس فقط عن الأمم المتحدة، بل عن جميع الإدارات الأميركية السابقة دون استثناء”.

وبشجاعة المقدسيات المعهودة، تابعت الحديث: “نعم.. نعلم أنه يتباهى بأنه يغني خارج سرب الرؤساء الأميركيين ويتحداهم قبل سواهم، غير أن هذه المباهاة لا تضعه في مصافّ الرؤساء، وهل ينسى أحد مشهده وهو يحمل توقيعه ويظهره للملأ، وهو معجب بنفسه كل الإعجاب؟”.

وترى المؤرخة التي تقيم حالياً في لبنان؛ أن العالم كله يمر بمرحلة صعبة جداً، فيها انعدام وزن شديد، وتغير مستمر للقيم العليا ولموازين القوى الدولية، مستدركة: “غير أن هذا كله ليس مبرراً للقبول بما لا يجوز القبول به لا شرعاً ولا قانوناً، والشوارع العربية تشهد، وشوارع العواصم في الدنيا تشهد، وما زالت ترن في أجوائها صدى الهتافات ضد كل ما يجري من ظلم وعدوان”.

وتختم الحوت حديثها لــ”ميم”: “العودة إلى وطني فلسطين حلم رافقني وأبناء جيلي طوال العمر، لكنه اليوم لم يعد حلماً وحسب، بل طريقا واضحاً هو طريق الثورة ضد الظلم والطغيان”.

 

المُخرجة روان الضامن: “الهبّة الشعبية لا تكفي.. علينا أن نقدم شيئاً مختلفاً!” 

صانعة الأفلام والمستشارة الإعلامية؛ روان الضامن؛ شعرت للوهلة الأولى بالصدمة بعد سماعها خطاب ترامب، مع أنها كانت تدرك أن الأمور تذهب بهذا الاتجاه؛ تقول لــ “ميم”: “أعلم تماماً أن اللوبي الصهيوني يعمل في أمريكا (على مستوى الرئاسة) منذ أواخر القرن التاسع عشر، وأن الحركة الصهيونية نقلت الثقل السياسي رسمياً من بريطانيا إلى أمريكا عام 1942 إلى اليوم، لكني لم أتوقع أن يصل الأمر إلى يوم أسمع فيه تصرفا أرعن بهذه الطريقة، يضع مدينة السلام (القدس) رهينة “رسمية” بيد الإرهاب الصهيوني”.

روان الضامن

“بعد استيعاب الصدمة الأولى.. أي تفكيرٍ راودكِ؟”.. في إجابة المخرجة المرموقة – التي تقيم في الأردن –  “وضوحُ رؤيةٍ” لافت: “بعد متابعتي لرد الفعل الرسمي والشعبي المتضامن ضد قرار ترامب، شعرت أن على كل من حمّل نفسه عبء العمل من أجل فلسطين، أن يعظم من دوره، وأن يفكر ليس فقط في مساحة الدور أو كمه، لكن في نوعه، يتوجب أن نقدم شيئا مختلفاً بعيداً عن التقليدية، رداً على هذه الهجمة الجديدة ضدنا؛ أنا أعمل على أكثر من مشروع من أجل فلسطين، ومن المؤكد أن ما حصل سيصيغ بشكل مختلف المدخلات والمخرجات”.

لم يكن غريباً على مَن حصدت في سلسلتها الوثائقية عن “النكبة” عدة جوائز عربية ودولية، السلسلة التي تُرجمت إلى سبع لغات؛ أن توجه رسالةً تنضح بالوعي للشعوب العربية؛ فحواها: “الهبّة الشعبية بالمظاهرات والاعتصامات تعبيراً عن الغضب أمر هام، لكنه ليس كافيا، فالمهم هو دعم جهود المقاطعة، وجهود التحرير، وكلاهما وجهان لعملة واحدة؛ علينا الإيمان فردياً وجماعياً أن فلسطين قضية حق وعدل، وأن العودة والتحرير سيكون واقعاً آجلاً أم عاجلاً، لكن من أجل الوصول إلى هذا اليوم، علينا التشبيك مع بعضنا، وليس العمل فرادى، لأن العمل الفردي مع أهميته لا يكفي في هذه المرحلة للرد على مستوى جديد من الحراك الصهيوني والتطبيع العربي الرسمي معه، وهذا يعني أن نتجه نحو التشبيك مع الدول العربية المختلفة، وكذلك المتضامنون مع فلسطين من غير العرب”.

 

الكاتبة زهرة خدرج: “على يد أحرار الأرض سيأتي ذلك اليوم”

خيّمت الكآبة على جوارح الكاتبة د. زهرة خدرج منذ اللحظة الأولى لسماعها أنباء عن عزم ترامب نقل سفارته للقدس، تقول: “كنت واثقةً أن ما يريده الاحتلال سيتم إنجازه، ليس لقوتهم، وإنما لضعفنا على المستوى العربي الرسمي؛ كنت موقنة أن ترامب سيفعلها، ليظهر مدى إخلاصه لليهود بإعلانه ذاك”.

زهرة خدرج

هي واحدة من نساء مدينة قلقيلية الشجاعات؛ ولكن خبرا أليما كهذا أشعرها بالهزيمة تطبق على روحها، وحين أفاقت من الصدمة استعادت رباطة جأشها؛ كلماتها بدت شفافةً وهي تنساب من بين شفتيها: “جدّد خطاب الرئيس الأمريكي إيماني بأن الوعد الإلهي “وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، وليتبّروْا ما علَوْا تتبيرا” سيتحقق قريباً، وأن أهل القدس سَيُقاوَمون مقاومة شديدة تهلك اليهود، ومع ذلك فقد انفجرت ببكاء مرير، ولم أستطع النوم ليلتها وشعرت بحاجةٍ ماسة للعزلة عن هذا العالم المارق، فقررت عدم الخروج للعمل في اليوم التالي قبل أن يتم إعلان الإضراب”.

وبقلبٍ يتغشّاه حب الوطن؛ تتابع الحديث: “أدركت حساسية المرحلة التي نمر بها؛ وأن جهودنا يجب أن تتضافر، كل من موقعه لنستطيع تقديم ما يحفظ القدس وما يقود لتطهيرها في النهاية من دنس الصهاينة؛ وبما أنني كاتبة، فقلمي هو سلاحي الذي أمتلكه الآن، وأصدقكِ القول أنني لا أؤمن سوى بالسلاح كسبيل وحيد لاستعادة المسلوب من الحقوق؛ ومع ذلك فنحن نملك أسلحة من أنواع أخرى، قد تسهم ولو بجزء يسير في معركة التحرير”.

وتعرب خدرج عن خيبة أملها إزاء التطبيع الصارخ في الآونة الأخيرة؛ معبرةً عن أسفها على النحو التالي: “ابتكر بنو صهيون مصطلح التطبيع وراحوا ينفثونه في جسد الأمة كالسم؛ فصارت تصدر عن بعض العرب سلوكيات نشاز وكأنهم مسلوبو الإرادة؛ ليبادر مَن دمهم دمنا ودينهم ديننا للتطبيع مع الصهاينة وتبني أفكار غريبة عن قيمنا وأخلاقنا وديننا”. وتضيف بأسى: “راحت الشاشات تنقل صوراً وفيديوهات لوفود عربية تشارك الصهاينة نشاطاتهم الثقافية والاقتصادية وحتى طقوسهم الدينية، محاولين إضفاء درجة من الشرعية على الاحتلال، وكأن الكيان المحتل طبيعي ومُرحب بوجوده، وليس بكيان عسكري يحمل الخطر على وجودنا جميعاً، متناسين أنه يمارس سياسة الإحلال بتطهير أرض من أهلها ليُحلَّ صهاينة محلهم، وأنه لولا الولايات المتحدة التي يعتمد وجود هذا الكيان عليها بالكامل ما استطاع البقاء حتى الآن”.

ووجهت رسالة لترامب: “إن إطلاق الوعود أمر سهل؛ ولكن كن على يقين أن للقدس رجالها الذين يستعدون لتطهيرها من دنس الصهاينة، كما أن هناك فلسطينيين وعربا ومسلمين من جنسيات مختلفة “أحرار” لا يخافون في الله لومة لائم، لا زالت القدس بوصلتهم، قوة لا يُستهان بها، وهم من سيجعلون هذا الرئيس الذي يتخبط يُدرك لاحقاً أنه أشعل شرارة النهاية لهذا المحتل الغاصب”؛ مبدية ثقتها بالشعوب العربية التي أثبتت أن القدس لا زالت حيةً داخلها، وأن فلسطين لا زالت بوصلتها التي لم تنحرف، فتلك الشعوب بحاجة لمن يحركها في الاتجاه الصحيح، وهنا يكمن دور الإعلام العربي في تناول قضية فلسطين والقدس باستمرار؛ حسب رأيها.

وثمة رسالة تخص بها المرأة العربية؛ تبرقها عبر “مجلة ميم”: “على المرأة تقع المسؤولية الأعظم، فإعداد القادة، وتحضير الجيل الذي سيقود معركة التحرير من أهم مهامها، وليس تربية أجيال تهتم بالموضة أكثر من اهتمامها بقضاياها، وتسرف وقتها في مباريات كرة القدم ولا تنفق ساعة في دراسة التاريخ والتعلم منه”.

ويتحشرج صوت خدرج وهي تختم حديثها: “لطالما داعبَ هذا الحلم خيالي ولم أعد أدري إن كانت عجلة العمر ستمضي بي قبل بلوغه؛ أحلم بيوم ليس ككل يوم، يوم لا ظلم فيه ولا قهر ولا قتل ولا انتهاك لحرمات بشر، يوم تطل علينا شمسه نشعر فيه بالكرامة والحرية والدفء والأمان والعزة؛ ويغمرني الإيمان أن ذلك اليوم سيأتي بإذن الله على يد أحرار الأرض”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد