سياسة

العالم يعجز عن فهم سرّ إبتسامة الموقوفين الفلسطينيين.. رصاصة ناعمة

سياسة


التعابير التي تصدر على الوجوه رسائل مباشرة ومشفّرة بعضها سهل التعبير والفهم وبعضها مشفّر وقابل للتأويل بأشكال مختلفة حدّ التناقض وهي في الغالب رسائل تعبّر عن وضع نفسي معيّن أو تفاعلا مع قول أو فعل في سياق ما، هذا تفسير جامد وقديم يعرفه الجميع عن الإبتسامات التي نشهد منها العشرات في اليوم بل تصدر عنا مرّات كثيرة في اليوم نفسه برسائل وغايات وبخلفيات مختلفة.


من بين كلّ الإبتسامات، ثمّة إبتسامة لا تفسير لها في ماهو متاح من تفاسير حاول العلم فلاهي ضمن التصنيفات الخمس التي قدّمها العالم النفسي والباحث في المشاعر وتعابير الوجه “باول إيكمان”، ولا تفسير لها عند غيره ممّن إعتمدوا بشكل أساسي على تصنيفاته، هي إبتسامة أثارت ضجّة على شبكات التواصل الإجتماعي في الأيام الأخيرة صدرت عن العشرات من الشباب الفلسطيني وهم قيد الإيقاف على خلفيّة المواجهات التي تشهدها عدّة بلدات محتلّة بعد القرار الأمريكي الأخير المتعلّق بالقدس.


إبتسامة فلسطينيّة جمعت كلّ الأصناف التي قدّمها “إيكمان” معا فهي “زائفة” و”ساخرة” و”غير متاحة” وهي في نفس الوقت إبتسامة “حقيقيّة” فيما يمثّل الإطار العام الذي تم إلتقاطها فيه فضاءا للغضب والصدام والرفض، كأنّ من صدرت عنهم يريدون عبرها إيصال رسالة ما إلى العالم برمّته بشكل جماعي حتّى صارت قاسمهم المشترك مع القضيّة التي يدافعون عنها.


قد تكون “كوميديا سوداء” كما يقول البعض فأحيانا يعجز الإنسان عن تبليغ ألامه بشكل مباشر وحزين فيخفيه تحت قشرة رهيفة جدّا وشفّافة من المرح وعلاماته ومن بينها الإبتسامة التي تتعارض مع السياق، أو ربّما تكون سخرية من العالم والواقع الذي صارت فيه “سخرية القدرة” ماثلة في الواقع بشكل ما فهي سخرية مؤلمة إلى أبعد الحدود، وقد تكون أيضا ضمن “الحرب النفسيّة” للتأكيد على أن المواجهة والمقاومة ليست حالة غاضبة كردّة فعل بل فعل مرغوب فيه للذود عن الأرض إلى آخر قطرة دم، أو ربّما أشياء أخرى.


الإبتسامة الفلسطينيّة البادية على وجوه الشباب الموقوفين بعد قرار ترامب رصاصة إخترقت قيم حقوق الإنسان و”الشرعيّة الدوليّة” و”حق تقرير المصير” والديمقراطيّة وكل تلك القيم والمصطلحات التي يروّج داعموا الإحتلال بشكل من الأشكال بأنّهم حافظون لها وداعمون لتكريسها في حين يشاركون في أكبر مذبحة لها على الأرض الفلسطينية المغتصبة، وهي رصاصة تخترق الصمت العربي المميت.


لم تكن الإبتسامة الفلسطينيّة رصاصة طائشة بل قد أصابت هدفها حتما وصارت نقطة إستفهام تجلب كثيرين للنقاش حولها وحول أسبابها وخلفياتها والرسائل التي وراءها على شبكات التواصل الإجتماعي وخارجها، فهي ليست إبتسامة عابرة بل سلاح آخر ضمن “صرب الصورة” يدخل من باب فلسطين إلى المواجهة والواجهة معا قد تحتاج الإنسانية بعيدا عن الفلسطينيين إلى سنوات لتحليلها.


مهما يكن من أمر، فالثابت أنّ إبتسامات الموقوفين الفلسطينيين الأخيرة ليست تعبيرا عن فرح ولاهي نابعة من شعور جيّد ما بداخلهم بل هي دليل على إنتهاء كل ما يمكن أن يدعوا للفرح والسعادة عندهم بعد محاولات وضع اليد على القدس عاصمة فلسطين الأبدية التي تسير بخطى حثيثة، والثابت أيضا أنّها إبتسامات بطعم علقم الصمت وموت “ضمير الإنسانيّة” وبطعم الغضب الذي يشعل قلوب أحرار من كل أرجاء الأرض نصرة لهم، أمّا المتغيّر بعدها فهو “نهاية مشاريع السلام” التي تبيد أهل الأرض لصالح محتل غاصب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.