ثقافة

البوعزيزي: لم النار؟

#الثورة_التونسية

أثناء الحديث عن إضرام محمد البوعزيزي النار بنفسه، نغفل عن مفهوم النار و لا نحيطه بالإهتمام الكافي، لكن النار من أكثر عناصر الكون التي لاقت الأهمية القصوى والبحث والتنقيب مقارنة بالعناصر الطبيعية الأخرى.

فعنصر “النار”، كما تمتع قديما بكل التوقير لدى إكتشافه، اقتحمت أهميته أيضا الثقافات الاجتماعية والدينية والفلسفية والأساطير وحتى التحليل النفسي، فأصبحت النار كلما ارتبطت بأي واقع إجتماعي حاضية بمقاربات عدة تقوم على تفكيك دلالتها الرمزية الجديرة بالتعمق.

وفي هذا الإطار، نحاول في هذه الورقة رصد الدلالات الرمزية لحرق البوعزيزي لنفسه، مستهلين في المقال برمزية النار ومعرجين لاحقا على رؤية التحليل النفسي للنار و فعل الإنتحار حرقا.

 

رمزية النار عند القدماء

قدست الديانة الزرادشتيه النار، فقد عرف عنهم  إنشاؤهم لهياكل لها. وتنبعث هذه القداسة عند الزرادشتية من قداسة الشمس التي تمد الإنسان بالنور.

أما في الديانة المسيحية فالنار رمز لروح القدس، حيث يقول يوحنا المعمدان: هو الذي يعمدكم بروح القدس وبالنار.

وبالنسبة للدين الإسلامي، فقد تعددت أسماء النار وكانت رمزا للنور والعقاب.

 

“فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ”. (سورة القصص)

و قد أولى العرب سابقا  قيمة كبيرة للنار باعتبارها موردا للطاقة والدفء وتغنى شعراء الجاهلية بها، فأقسم الأعشى بن قيس بالنار قائلا  “حلفت بالملح و النار”.

 

السياق اللغوي

ارتبطت النار عند العرب بالنور فنقول :نار، ينور، نورا فهو نائر. والمفعول منُور، تماما كالبوعزيزي الذي نحت  التي غاصت في ظلام النظام البائد فبحثت عن النور وكان الجسد طريقا لتحقيق الأمر، فجعل من نفسه بفعل النار فتيلة موقودة.

وعندما نقول في اللغة العربية تأججت نار فلان، يبدو البوعزيزي مستبطنا لكل مايرتبط بالنار في اللغة من معان.

ويعكس الغناء التونسي الشعبي معنى تأجج نيران النفس في هذا البيت “نيران جأشي شاعلة ميقودة”، فلكأن البوعزيزي أراد أن يخرج تأجج هذه النار إلى الخارج، ففك قيود الروح المتقلبة كالجمرة في الأتون، لتعلن هيجانها على هشيم  الجسد.

أما جسد البوعزيزي المحترق  فهو ثائر خارج عن الحدود غير معترف بنواميس العرف، فلطالما إرتبطت النار في مجتمعاتنا المسلمة بمفهوم العقاب عند الآخرة و في هذا الإطار يقول باشلار

” إذا اقتربت يد الطفل من النار، فإن والده يضربه على أصابعه بمسطرة. النار تصفع دون أن تكون في حاجة إلى أن تحرق. أن تكون هذه النار شعلة أو حرارة، مصباحًا أو موقدًا، فإن انتباه الآباء هو نفسه. النار في الأصل موضوع للمنع العام، من هنا يستخلص باشلار الآتي :

“المنع الاجتماعي هو معرفتنا العامة الأولى بالنار، ما نعرفه أولاً عن هذه النار هو أنه لا يجب لمسها”

السياق الإجتماعي

 

يروي بعض شهود حادثة منع البوعزيزي من الإنتصاب دون رخصة فيذكرون أنه توعد بعدما حدث باحراق نفسه، ولكن لم يصدقه أحد. تجاوز البوعزيزي الخوف من النار و نظرة الفقه لهان فكما يقولون في تونس “لا يحرق النار إلا الأحد الجبار “.

اتخذت النار لديه بعدا آخر وكانت بمثابة المخلص الروحي وكريق الإنبعاث من جديد، كطائر العنقاء الذي يخرج من رماد الحريق بعد فناءه.

وإن صورة طائر الفنيق الخرافي تستمد منها البشرية دروسا في التحدي والتجدد والاندفاع، ورمزا تتعلق به، وتميمة ترد عنها السوء وتمنحها قوة أسطورية لا حدود لها، و يلوح لنا أن البوعزيزي يبدو شبيها بهذا الطائر الخرافي المحترق الذي رأى في حياته موتا و في إحتراقه حياةً.

 

باشلار و تحليله النفسي للنار 

قام الفيلسوف الظاهراتي باشلار م بدراسة النار بطريقة غير تقلدية خصوصا في كتابه“التحليل النفسي للنار” La psychanalyse du feu”.

فالنار بالنسبة إليه يمكن أن تحمل تعددًا قيميًا يعطيها هذه القدرة على إظهار القيم ونقيضها في الآن ذاته، فهي حميمية وكونية، تضيء وتحرق، موقد وقيامة، علاج وحريق.

ويلامس باشلار ذلك بقوله:

تقدِّم النار والحرارة وسائل للتفسير في الميادين الأكثر تنوعًا، إنها ظاهرة متميزة، يمكنها تفسير كلَّ شيء منا، إذا كان كلُّ ما يتغير ببطء تفسره الحياة، فإن الذي يتغير بسرعة يفسر بالنار، النار هي الحيُّ جدًا ، إنها حميمية وكونية ومن بين كل الظواهر، إنها حقًا الوحيدة التي يمكنها الحصول أيضًا بشكل واضح على القيمتين المتعارضتين: الخير والشرُّ.”

ونستشعر من خلال هذه التضادات التي يطرحها بلاشلار نفس التضادات التي رافقت و لاحقت قصة إحتراق البوعزيزي، فالبوعزيزي بالرغم من سوداوية إنتحاره، أضاء درب الحرية أمام الجميع وكان المشكاة التي أنارت طرق الظلام.

ربما لم يدرك البوعزيزي الأبعاد الرمزية لما قام به، أو ما سينتج عنه من انفجارات أوقد هو بجسده شرارتها، لكن يبدو اختيار النار في حد ذاته موغلا في معاني التوهج واللمعان الداخلي والدينامكية.

 

الإنتحار من خلال الحرق

يقول الدكتور بن عبد لله غنية في دراسة له بعنوان “الإنتحار بين الوسيلة و المعنى” أن لوسيلة الانتحار علاقة بنفسية المنتحر بحجة أن مولده حدث ليس تحت سيطرته، لكنه قد يكون له رأي أو نظرة في طريقة مفارقته للحياة، ويتخذ هذا الرأي طريقه إلى حيز التنفيذ في عملية الانتحار.

و بناءً عليه، فإن وسيلة إنتحار البوعزيزي حرقا هي على العكس تماما مع أولئك الذين يتعمدون طريقة الإنتحار عبر قفزهم من أعلى المباني كطريقة موحية بالتحرر من قيود المجتمع أو من يبتلعون الحبوب في هدوء و التي فهم منها حسب علم النفس السلام و الإستكانة و الخضوع. 

فتأتي طريقة البوعزيزي صاخبة و تراجيدية كملحمة مفرقعات نارية. وحسب نفس الدراسة فإن الذين يحرقون أنفسهم هم الذين كانوا يتمنون لو أنهم لم يخلقوا في هذه الدنيا، ويعتقدون بظلم وتعسف المجتمع لهم، وربما الخالق أيضا، فباحتراقهم يزيلون كل أثر لوجودهم ولبصماتهم، أي يختفون روحا، نفسا  وجسدا عن الواقع فلن يظل إلا الرماد.

كأنهم بالسعي للاحتراق يؤكدون لمن حولهم ممن يعيشون ويعملون دون الانتباه لهم ولعذابهم، أنهم لم يحققوا ما كانوا يبتغونه، فهم اختفوا من حياتهم نهائيا لتحقيق ما يعتقدونه رغبة الآخرين فيهم. وللنار عند البعض الآخر دور مطهر من النجاسة، ففي حال ارتكاب خطيئة أو ذنب يعتقدونه لا يغتفر، يستخدمون النار للتخلص من خطاياهم وذنوبهم.

ويبدو هذا الإعتقاد مستمدا من الدين و ربما من علاج بعض الأمراض عبر حرقها و تطهير الجسد منها.

 

تتعدد الرؤى للنار في مختلف الثقافات ولكنها تتقابل في جمعها للأضداد كالخير و الشر. ففي تراثنا المغاربي مثلا، نطلق على النار كنية “العافية”، والعافية اسم جاء من الفعل- عفو-، والعفو هو الصفح رغم القدرة على ايقاع الأذى.

كما يبدو أن اطلاق هذه الكنية على النار للابتعاد عن لفظ “نار” بما يحويه من دلالات سلبية ،وللتدليل  في المقابل على المنفعة والضرر فيها والربح والخسارة.

 

 بوجهيها النافع والضار، تبدو نار البوعزيزي مبعث ألم و خلاص، كما كانت في سياق الثروة التونسية شعلة نور أضاءت درب الحرية، لكنها أيقظت الأوجاع وعرت التشوهات والجروح المتراكمة عبر سنين الإستبداد.

و بالرغم من تبني البعض لمقولة ” النار تخلف الرماد” يبدو رماد البوعزيزي الذي شبهناه بطائر الفينق مبعثا لحياة الكثيرين الذين عانوا من الظلم وعاشوا تحت ظلام التهميش والضيم الدامس، فكان جسد البوعزيزي “شمعة احترقت لتضيء للآخرين دربهم”.

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد