مدوناتغير مصنف

لقينا من سفرنا نصبا

بقلم: تسنيم النخيلي

 

في عشاء عمل مالت إليّ صديقتي الإسبانية وسألتني عن رأيي في قصر “توب كابيه ، أحد أشهر معالم اسطنبول السياحية الذي وضعته على جدول مزاراتها في رحلتها القصيرة، نظرت إليها على استحياء وقلت لها لا أعرف، لم ادخله من قبل.

تسنيم النخيلي

فكررت سؤالها، إذًا ما رأيك في كنيسة “أيا صوفيا” هل تستحق الذهاب إليها؟ فكررت أنا جوابي، لا أعرف لم أدخلها .

إذا أكيد أنك ذهبت إلى “مينا ترك  ، ابتسمت محركة رأسي بالنفي، لم أزرها.

اعتدلت في جلستها وسألتني، إن كنت بالفعل أقيم في اسطنبول منذ أربعة أعوام !

نعم يا صديقتي، أنا على مشارف إتمام عامي الرابع ولم أزر كل هذه المعالم الآتي إليها القاصي والداني.

لم أدخل قصر “دولما باهشا”  الشهير ، لم أصعد برج “جلطة”  والتقط السيلفي واسطنبول من خلفي في الكادر الأشهر الذي يوثقه كل السائحين، لم احتس القهوة أمام برج الفتاة، لم أقتطع وقتًا لزيارة غرف حريم السلطان، لم، ولم، ولم..!

بيد أنني قضيت أول 7 أشهر هنا بحقيبة صنعت منها دولابا لملابسي، استخرج منها ما احتاج وأعيده لها مرة أخرى، ليقر في نفسي اننا على موعد قريب مع العودة واننا لن نحط الرحال هاهنا.

مر عامي الأول وانا أرفض الوجود، والبقاء، والتعايش، والاندماج.

أقضي معظم ساعات يومي في العمل وأعود لأقرأ في منزلي أو أخرج في تمشاية مع صديقة لمكان قريب.

أنا يا صديقتي صنعت بنفسي لنفسي تابوتًا أسميته الاغتراب وعشت فيه، أوهمتني أنني بذلك أؤدي ضريبة حب الوطن الذي اعتقدت انها أسقطت عنّي قسرًا مع ختم الخروج من أرضه.

أنا أقنعت نفسي مرات عديدة أن الله منحنى الأمان، وأن الاستمتاع بملذات ما حولي محض ترف وسفه قد أُسأل عنه.

أنا نظرت إليَ باستصغار مع كل لحظة شعرت فيها أنني أبتهج بمنظر جميل من حولي، بينما آخرون يقضون عامهم الرابع في زنزانة لا يعرف النهار لها سبيلا.. رغم أن كلانا لا يملك في وضعه اختيارا.

 

الحكاية يا صديقتي أننا حاولنا العيش حياة كالحياة، لكننا وجدنا أنفسنا نزهد زهدًا لا يُرضي ضمائرنا، ونستغني استغناءً لا يشفع لنا أمام أنفسنا.

 

لم استغرب نظرات استهجانها لما أقول، ربما لأن عقليتها الأوروبية لا تستوعب كل هذه الدراما غير المبررة، وربما لأنني أعلم أنها ترى أنه ليس من البطولة في شيء، ليس من الدين ولا الدنيا أصلًا.

الإسلام لم يطلب منا السير على خطى الرهبانية، والحياة فيها مراغم كثيرة، والأيام لا تمد يديها لمن أشاح بوجهه عنها.

والناس لا يتعاطفون مع الضحايا، ومآسينا نعيشها فرادى.

ثم ما الضير في رحلة على ضفاف البسفور مثلًا؟

وما المانع من أن تسافر وتتعلم وتسيح في الأرض ومع هذا تحمل هم قضيتك بين جوانحك سفيرًا أمينًا عليها ولها؟

نعم لا ضير، ولا مانع.

الحكاية يا صديقتي أننا حاولنا العيش حياة كالحياة، لكننا وجدنا أنفسنا نزهد زهدًا لا يُرضي ضمائرنا، ونستغني استغناءً لا يشفع لنا أمام أنفسنا، وننتشي إذا ما سافرنا أسفارا بعيدة والتقطنا صورًا تذكارية لنفعل ما يفعله المسافرون على أعتاب كل مدينة يزورونها.

لكننا ما نبرح حتى تخزنا ضمائرنا أن ثمة من يرى الصور تلك وهو بين جدران أربعة.

قد تراها أم مكلومة فيجيش في صدرها ما يريها أن ابنها حيث أنا.

نعم حاولنا، ونحاول، وسنحاول أن ننسلخ من الحنين، لكننا ننجح مرة ونخفق ألف مرة، ومع هذا نردد العبارات ذاتها في كل سؤال عن دروسنا المستفادة، عبارات فلسفية منمقة تتسق مع المنطق ولا تتسق مع الوجدان.

أن الوطن حيث تتنفس هواءً لا ظلم فيه ولا ضريبة، وأن اخلع عنك رداء الشوق إلى أشياء لن تنتظرك حين تعود وسح في أرض الله الواسعة ولا تؤجل أحلامك وابتسامتك على تذكرة سفر بلا موعد للعودة، وامضِ إلى حيث تريد.

ربما أحسن أحدهم الاستماع والوصول، ونجح فيما فشلت فيه أنا.. رغم أنني أحاول لا أزال!

 

التدوينة منشورة على موقع العدسة

تسنيم النخيلي

صحفية مصرية 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق