مدونات

بصوتك يعلو الحقّ والحقّ أغلب

#عربيات_ضد_التطبيع

 

بعد أيّام قليلة من إطلاق حملة عربيات ضدّ التطبيع، علت أصوات النساء من كلّ الدول العربية ومن كلّ الأطياف السياسية، نساء سافرات ومحجبات، إسلاميات وليبراليات ويساريات، ناشطات وصحفيات، محاميات وطالبات، الكلّ رفعن صوتهن: لا للتطبيع، مصرّات على أنّ التطبيع خيانة، ومتصديات لتزييف الوعي السياسي للمرأة العربية.

بعد إعلان ترامب القدس عاصمة للكيان الصهيوني، خرجت النساء في العالم العربي في صف واحد، نساء مختلفات حتّى العظم، لا يبدو للوهلة الأولى أنّ هناك قاسما مشتركا بينهن، لا شيء يوحدهن على فكرة واحدة وموقف واحد، فتيات متبرجات من طبقات غنية ومتوسطة وأخريات فقيرات، منقبات ومحجبات، مثقفات وأخريات عاديات اكتفين بأنّ السعادة رجل وأبناء.. خرجن جميعا في المظاهرات، انفصلن للحظة عن همومهن الشخصية وانصهرن في الهمّ الجماعي “فلسطين”.

كيف خرجت كلّ هؤلاء في صف واحد يرددن الشعارات بصوت واحد، إنّها فلسطين بوصلة الأحرار، هي فلسطين التي وحدّت جميع الألوان لنقف مليّا على مشهد لم نعشه يوما، أن يتفق الجميع وينسى الخلافات السياسية والفكرية ويلتحم بجوهر القضايا، هكذا هي القضايا الكبرى في كل التواريخ محدّدة للبوصلة والتحالفات والتموقعات، وكم محنا كانت نافعة في الفرز.

 

هل يمكن أن توحد فلسطين القضية النسوية بالعالم العربي وأن تخرج من بوتقتها التي سجنت بها طويلا؟ وهل يمكن أن تمثل النساء المهمشات والمغمورات قضيتهن بشكل أوضح ودون وساطات مركزية؟

 

المطلب الوحيد الذي يوحد جميع النساء العربيات، أو لنقل أغلبهن في هذه الفترة من التاريخ العربي نصرة فلسطين والتصدّي لتهويد القدس بكلّ الأشكال المتاحة، لا يهمّ أن تكون المرأة محجبة أو سافرة ولا يهمّ أن تتضامن الستالينية مع رفيقتها التروتسكية وتشارك الإسلامية واليسارية في مظاهرة واحدة، نعم لقد التقت جميع الخطوط المتوازية في لحظة فارقة من تاريخنا.

هل يمكن أن توحد فلسطين القضية النسوية بالعالم العربي وأن تخرج من بوتقتها التي سجنت بها طويلا؟ وهل يمكن أن تمثل النساء المهمشات والمغمورات قضيتهن بشكل أوضح ودون وساطات مركزية؟

المتأمل في الحراك العفوي بكلّ الشوارع العربية يقرّ بأنّ هذه القضية التي تمّ تغييبها طويلا عن المواطن العربي مازالت تعيش  في وجدانه، إنّها بمثابة الثورة الحقيقية المنغرسة في العوالم الداخلية للفرد، وفي كلّ لحظة من لحظات الاشتباك مع العدوّ الصهيوني يمكننا التقاط عناصر علاقة المواطن العربي بالهويّة التي ما تزال حاضرة رغم محاولات طمسها بإحياء مقولات الهوية القطرية والاكتفاء بها.

انطلاقا من نقطة الهوية، يمكن أن تمنح القضية الفلسطينية فرصة جديدة للقضية النسوية، فهي قد وحدت الوعي النسوي حول قضية واحدة، وبات ممكنا أن تلتف جميع العربيات اللواتي ضدّ التطبيع حول جملة من المطالب التي تخرج من محيطها الداخلي وتمسّ أغلب النساء، فتصبح النسوية مرتبطة بجذورها وخصوصياتها الثقافية، وبالتالي ستنجح في أوساط نساء لم تعن لهن النسوية سوى طبقة بوجوازية معزولة عن همومهن.

فكما أن فلسطين قد وحدت النساء في أغلب الأقطار العربية، فهي يمكنها أن توحد مطالبهن النسوية وحقوقهن انطلاقا بما تعيشه المرأة العربية في العالم العربي، لا انطلاقا بما تعيشه المرأة في العالم من أدبيات الحركة النسوية العالمية، بل انطلاقا من سرد همومهن ومعاناتهن بعيدا عن “التنميطات” الناجزة.

إنّ العودة إلى إحياء القضية الفلسطينية انطلاقا من مبدأ رفض التطبيع هو بمثابة زعزعة الهيمنة الغربية وإعادة كتابة التاريخ الثقافي والسياسي للشعوب العربية التي عاشت طويلا تحت الترهيب والتخويف، وأيضا ترك الفرصة للنساء للتفكير بطريقة مغايرة حول همومهن بعيدا عن الخطاب العالمي المهيمن على قضية المرأة، إنّه رفض واع للمقولات الجاهزة والمسقطة للوصول إلى جميع النساء في العالم العربي، النساء اللواتي لم يتحدن يوما حول مطلب واحد هكذا بالآلاف، بل والملايين، إن صوتهن الذي يرتفع اليوم يرتفع بالحق والحقّ أغلب دائما.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد