مجتمع

“سوق الجمعة” في مصر .. حين يُرزق الأحياء بين مقابر الأموات!

مجتمع

محسن حسن- القاهرة- مجلة ميم 

تقول الحكمة “أينما رُزق الإنسانُ فذلك موطنُه”

وفي “سوق الجمعة” بمنطقة مصر القديمة بقاهرة المعز، تجسيد حيٌّ ومثير لتلك المقولة الحكيمة؛ فعلى امتداد الرقعة الواسعة بين حي البساتين وميدان السيدة عائشة، ومروراً بمنطقتي التونسي والإمام الشافعي، يستقر عدد كبير من الباعة، لا لشيء سوى للتجهيز والإعداد لتلك السوق التي تعد بالنسبة لهم بمثابة العيد الأسبوعي الذي ينعمون فيه بجني المال والأرباح!

والغريب في هذه الرقعة من القاهرة القديمة أنها جامعة للمتناقضات؛ فهي منطقة مقابر ومدافن، وتتصف أجواؤها بالرهبة والسكون والصمت المخيم على عشوائياتها وأزقتها، لكن بالرغم من ذلك، فإن الحرفيين ومعهم سكان المقابر وحراسها نجحوا في تحويلها إلى مزار تجاري للفقراء والأغنياء على السواء، خاصة في يوم الجمعة، وكأنهم يحرصون على تسلية الموتى والائتناس بهم ولهم، من خلال ما يحدثونه من زخم البيع والشراء!

 

أرزاق الأحياء بين مقابر الأموات

 

في صبيحة يوم الجمعة الثالث عشر من ربيع الأول 1439هــ / الأول من ديسمبر 2017، قررت زيارة السوق.. أبنية عتيقة لمقابر الموتى منذ زمن، ينطق مظهرها الخارجي بتوالي الأيام والسنوات والدهور، ألوانها ما بين الأصفر الداكن والأسود المتفحم، أبوابها خشبية وحديدية ضخمة، بعضها موصد بأقفال كبيرة أكل عليها الدهر وشرب، لاتملك معها إلا أن تذكر الله الواحد، ثم تتذكر سؤال الملكين! شعور كبير بالرهبة والجلال، أخذ في التلاشي عندما تقدمت خطوات في اتجاه السوق، وسمعت أصوات الباعة تخترق الصمت المطبق على المكان!

جابر ومحمود وسوق الأقمشة

كان أول ما رأيته، بالات من الأقمشة الملونة بعضها مصري والآخر تم جلبه من سوريا وتونس والمغرب وتركيا وبعضها الآخرمن إيران، فُرشت قطع منها بشكل طولي فوق جدران المقابر المجاورة..

لمحت الجالسين على الفرش، رجلان مسنّان،أحدهما قدم إلى المكان من محافظة أسوان البعيدة ويدعى “جابر”، والآخر قدم من محافظة “سوهاج” ويدعى”محمود”، عندما سألتهما عن سر اهتمامهما بالقدوم إلى السوق رغم كونهما من محافظتين بعيدتين عن القاهرة.

أخبراني أن هذه السوق تعد الأفضل بالنسبة لهما، لأن الإقبال عليها كثيف، وهو ما يمنحهما تحقيق نسبة لا بأس بها من الأرباح والمبيعات، خاصة وأن الزبون يعرف ما يريد من الأقمشة، ويعلم أن الأسعار هنا أقل بكثير من مثيلاتها في باقي الأسواق أو محلات الأقمشة، فما يشتريه الزبون هنا بـ 500 جنيه مثلا، يمكن أن يدفع فيه 1200 جنيه هناك!

 

سيد وتجارة أدوات السباكة

تركت الأقمشة وتحركت يميناً وشمالاً، لتقع عيني على “سيد” أحد الشباب الصغار، ربما يتجاوز خمسة عشر عاماً بقليل، رأيته وهو يفترش الأرض، وإلى جواره أشكال وألوان من أدوات السباكة من صنابير ومحابس وخلاطات وصواميل وخراطيم لأحواض المطابخ والحمامات وغيرها.

عندما وجدني أقوم بتصويره، ظهرت على محياه ابتسامة عابرة، فسألته “مبسوط؟”، فرد قائلاً: “الحمد لله”، قلت له: “لماذا اخترت هذا المجال؟” فاسترسل قائلاً: “أنا في الصف الثاني الثانوي الصناعي، وأعمل في الأجازة بمحلات السباكة، ولدي فكرة كبيرة عن أسعار القطع والأدوات، لذا اخترت مجال التجارة في الأدوات الصحية (هكذا يسمون المجال في مصر)”.

سألته: “هل تكسب جيداً من هذا المجال؟”، رد قائلاً: “المكسب مش كتير، لكن الحمد لله الواحد بيروّح بيته مرضي”. سألته:ما سر إقبال الناس على سوق الجمعة في هذا المكان المليء بالمقابر؟”، قال: “يا بيه بالنسبة للتاجر.. الرزق يحب الخفيّة، وبالنسبة للزبون بيدوّر على السعر الأقل، وبييجي هنا علشان يهرب من استغلال أصحاب المحلات، يعني مثلاً سعر خلاط الحوض في المحلات لا يقل عن 150 جنيه، ونحن هنا نبيعه بــ 60 و 70 جنيه، والخامة تقريباً واحدة”.

 

طبق ستالايت أعلى المقابر

 

واصلت جولتي، والتقطت بعض الصور، وكان من طريف ما رأيت في خلفية إحدى الصور أن أحد المقابر المقابلة والمحاصَرة من الخارج بباعة الملابس الجاهزة وملابس الأطفال، يوجد أعلاه أحد أطباق الدش (ستالايت)، وقد تم تثبيته فوق المقبرة، في مشهد يصف ذلك التلاحم الغريب بين عالم الأحياء وعالم الأموات، ويجسد ذلك التناقض المدهش والمثير الذي تتصف به هذه الرقعة من سوق مصر القديمة أو”سوق الجمعة”..

 

خطوات قليلة ووجدت نفسي في مواجهة “الأسطى رمضان”الذي رحّب بالتصوير وهو يرتدي طاقية تشبه القبعات المكسيكية القديمة واقفاً بين بضاعته من دراجات ولعب الأطفال المنتشرة بجوار أحد المقابر.

الأسطى رمضان والقبعة المكسيكية

ولما سألته عن أحوال السوق،أخبرني بأن الأسعار “نار”، وبأن قطع الغيار التي يتم شراؤها لتركيب دراجات الأطفال أصبحت غالية الثمن، وهو ما أدى إلى ضعف الربح وقلة الزبون وتردده في الشراء، وبأنه يضطر إلى شراء البضاعة بالجملة في غير موسمها حتى تكون أسعارها معقولة ويستطيع هو تقديم تخفيضات للزبائن؛فدراجات الأطفال تباع بحسب الحجم؛ فالصغيرة تبدأ من 100 إلى 150 جنيهاً، والأكبر قليلاً من 200 إلى 300 وهكذا.. ويختم “الأسطى” حديثه ضاحكاً ومردداً بأن الأرزاق بيد الله، وأن سوق الجمعة لها مكانة خاصة في نفسه كتاجر وكإنسان،فيكفي – على حد قوله – أن ينظر الإنسان إلى المقابر المحيطة به في كل مكان، لكي يرضى بما قسّم الله له من الرزق والبركة!

 

الحاج بدوي .. البركة من الله

 

انطلقت إلى الأمام قليلاً لعلي أستطيع الحصول على أنماط أخرى من السلع والبضائع وأماكن التجار، ولم أكد أتحرك قليلاً، حتى رن في أذنيّ صوت ضعيف كأنه الهمس، إنه صوت “الحاج بدوي” بائع الخيوط والإبر، وهو يعلق على كتفيه جدائل الخيط، ويمسك في يديه بقطع مستطيلة بيضاء من الورق المقوى، مثبّتٌ عليها أعواد الإبر بأحجام مختلفة، أشرت إليه بلحظة للتصوير، فانتصب واقفاً، وفور انتهائي سألته: “تطوف سوق الجمعة بشوارعه وحاراته الضيقة ومقابره من أجل أن تبيع هذه البضاعة المحدودة؟”، فابتسم وقال لي وهو يقترب مني أكثر: “يا بنيّ.. نواية تسند الزير، والقليل ربنا يقدر يخليه كتير.. البركة من الله”

 

كان وقت صلاة الجمعة قد أوشك على الحضور، فأردت أن أختم جولتي الاستهلالية بالتقاط بعض الصور العامة لحركة السوق وتدفق الوافدين عليها، وخلال تسللي لخارج السوق للبحث عن مسجد للصلاة، لفت نظري شاب طويل القامة، يرتدي تي شيرت أحمر، وقد وقف إلى جوار عربة صغيرة لبيع اللب، أخبرني بأن اسمه “رمضان”، وبأنه جاء إلى القاهرة من محافظة بني سويف للعمل والدراسة، وأن أيام الجمعة بالنسبة له فرصة لاستغلال هذه السوق لربح بعض الأموال التي تعينه على الإقامة في القاهرة ومواصلة دراسته، التقطت له بعض الصور، ثم انصرفت على عجل، وبعد الصلاة توجهت خلال الجولة الختامية في السوق، إلى حيث الشارع الممتد إلى ميدان ومسجد السيدة عائشة رضي الله عنها، فبدأت بسوق الحمام، حيث عدد من الشوراع الجانبية على يسار الشارع الرئيسي تكتظ غالبيتها بأقفاص الحمام من كل شكل ونوع، وهناك أخبرنا “سيد عزب” بمعلومات مستفيضة عن الأسعار والأنواع، مؤكداً أن الأسعار زادت كثيراً عن ذي قبل؛ فزوج الحمام الحلبي بـ 1600 جنيه، وكذلك سعر حمام الكاري، بينما زوج حمام الهزار 400 جنيه، والرومي 800، أما زوج القطاطي والبلودنت فــ 2000 جنيه، إلى غير ذلك من أنواع مختلفة تتفاوت أسعارها بحسب النوع والاستخدام!

 

سوق الحمام

 

وباستمرار المضي قدماً في ذات الاتجاه، توقفت قليلاً عند باعة العصافير البيضاء والملونة، وكذلك عند باعة أسماك الزينة، وكلاهما يستقران إلى جوار بعضهما البعض؛ فوجدت أن عصافير الزينة بأنواعها المختلفة كالزيرا والكوكتيل والجاوا والبادجي والكناري وغيرها، تختلف أسعارها بحسب النوع والحجم والعمر، لتبدأ من 100 جنيه وحتى عشرة آلاف جنيه للأنواع النادرة، في حين تبدأ أسعار أسماك الزينة من 25جنيهاً فما فوق.

فارس يستعرض ثعبانه

وبعد تحركي من المكان، وعلى الجانب الأيسر من الطريق، وبالتحديد عند سوق الكلاب والقطط، التقيت بــ”فارس” – شاب صغير لا يتجاوز الأربعة عشر عاماً – وقد أمسك في يديه ثعبانا، فما إن لمح في يدي كاميرا التصوير حتى جعل من الثعبان طوقاً حول عنقه، ثم أمسكه بيده موجهاً إياه في اتجاه الكاميرا ليؤكد لي أنه ثعبان حيّ..

سألته: “بكم تبيع الثعبان؟”، أخبرني بأن غالبية الثعابين التي يبيعونها هنا غير سامة وأن سعر الواحد منها في حدود  الـ 40 أوالــ 50 جنيهاً. وأنه رغم عدم الإقبال الكثيف على شراء الثعابين نظراً لخوف الناس منها، إلا أنه يحقق من بيعها أرباحاً لا بأس بها.

وفي ختام جولتي، كنت قد وصلت بالفعل إلى نهاية السوق وبالتحديد عند ميدان السيدة عائشة، فلم يلفت نظري سوى بعض الزحام حول أحد باعة الكتاكيت الملونة، وقد أخبرني عندما سألته بأن هناك إقبالاً كبيراً على شراء هذه النوعية من الكتاكيت، أولاً لأن الأطفال يحبون اقتناءها، وثانياً لأن أسعارها زهيدة؛ إذ يبلغ ثمن الكتكوت الأصفر العادي جنيهاً ونصف الجنيه،بينما ثمن الكتكوت الملون جنيهان ونصف.

 

 

لملمت أشيائي ونفسي، وأنهيت جولتي في”سوق الجمعة”، لكنني بالتأكيد خرجت من السوق بوجه غير الذي دخلتها به؛ فقد استقر في نفسي “أن لله في خلقه شؤون”، وأن الرزق مكفول ومضمون من خالق الكون ومدبر المصائر والأحوال، وأن سوقاً يُرزق الأحياء فيها بين مقابر الأموات، لهي خير مثال وخير تجسيد للأثر الحكيم القائل “إن الله يرزق بعضكم من بعض”!

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد