الرئيسيثقافة

تصحيح الأغلاط وضبط القواعد طريق آخر لتحسين لغتنا العربية

اليوم العالمي للغة العربية

نحن نشهد منعطفا أدبيا واضح المعالم خلال السنوات الأخيرة، انضمَّ كثيرٌ من الشباب إلى قافلة الكُتَّاب خاصة مع توفُّر المساحات الإلكترونية بدءًا مع المدونات الشخصية المتوفرة في خدمات غوغل وغيرها، ثم المنتديات التي توفر حسابات تسهل لأصحابها طرح مواضيع ونقاشها، ووصولا إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي أتاحت فضاءً واسعا جدا للكتابة ونيل الشهرة الافتراضية بأسماء مستعارة وحتى الشهرة الحقيقية والدخول إلى صنع اسم أدبي له أثره في عالم الكتابة بمختلِف أشكالها، وقد ساعد على ذلك أيضًا ظهور منصَّات التدوين الحر التي سهَّلت على الشباب الاحتراف في فنِّ المقال والتدوينات المطولة والمختصرة، كذلك التدوين المرئي الذي توفره منصة يوتيوب وفيسبوك حيث أتاحت هذه المنصَّات انتشار وتطور ظاهرة التدوين التعليمي والإرشادي الذي يعتمد اللغة كعنصرٍ مهمٍّ جدًّا في إيصال المعرفة.

 

الاهتمام بتصحيح الأسلوب .. قواميس الأغلاط اللغوية المعاصرة:

تكلمتُ في الجزء الأول لهذه السلسلة تحت عنوان “كيف نرفع مستوانا في اللغة العربية؟” عن عنصر اللغة وكيف يمكن للكاتب إثراء قاموسه اللغوي عن طريق الإلمام بدواوين الشعر الفصيح وركزتُ على موروث الشعراء الجاهليين وشعراء العصرين الإسلامي والأموي؛ لأن ذلك شعر تلك المرحلة هو الوحيد المحتَجُّ بِهِ عند أئمة اللغة بالإجماع.

فالاعتناء بهذا الديوان ضروريٌّ لا مناصَ منه لتصحيح الأوضاع اللغوية، وبعبارة أخرى: لا يمكن للكاتب أن يرصُفَ نسيجًا من الكلام إلا إذا كان رَصْفُهُ مأخوذًا بطريقةٍ صحيحة وهذا الأمر لا يتحقق إلا إذا كنَّا نستعمل الألفاظ على المعاني التي أرادها الأوائل من أصحاب اللغة، ومعاينة هذا نكتشفها حين نقرأ نصًّا صحفيًّا معاصرًا لم يدرس صاحبه اللغة العربية من خلال ديوانها المبدئي، سنجده طبعًا يقع في تجاوزات لغوية لا حصرَ لها، وذلك باستعماله عباراتٍ وألفاظًا في غير معناها الحقيقي ولا حتى المجازي، وهذا ناتجٌ كما قلتُ عن عدم الاعتماد على ديوان اللغة العربية (الشعر المحتجُّ بها كما سبق بيانُهُ) بالإضافة إلى اعتماده على استيراد التراكيب والصيغ من اللغات الأعجمية.

ونلمس هذا كثيرًا في الإنتاج الكتابي بعد الاجتياح اللغوي الاستعماري الذي صاحب الحملات الاستعمارية الأوروبية على المجتمعات العربية، حيث بدأ الكُتَّاب -نتيجةً لقاعدة المغلوب مولَعٌ بتقليد الغالب- ينحرِفون عن الأسلوب العربي تدريجيًّا باستعمال ترجمات غير سويَّة لأساليب من اللغة الفرنسية خصوصًا واللغة الإنجليزية،

لذا ومع النهضة النوعية مؤخرًا في تصحيح مسار اللغة العربية بدأ كثيرٌ من المحققين تأليف قواميس تُعنَى بتصحيح الأخطاء اللغوية، وهذه الظاهرة وإن كانت قديمةً في تاريخنا على غرار ابن السِّكِّيت (186 – 244هـ، 802 – 858م) في كتابه “إصلاح المنطق”، وأبي بكر الزبيدي الإشبيلي (316 هـ – 379 هـ) في كتابيه “لحن العوام بالأندلس” و”الزيادات على لحن العوام”- فإنها في عصرنا الحالي أخذت منحًى آخر وكشفتْ عن مدى الفجوة الكبيرة بين النصوص الحديثة وبين القاموس العربي الصحيح.

 

من أشهر تلك القواميس التي تسرُد الأوهام اللغوية للمعاصرين وتبين البديل الفصيح لها؛ “معجم الأخطاء الشائعة” للأستاذ محمد العدناني وهو من الطليعة حيث نُشر أول مرة سنة 1983 بلبنان، وأضاف العدناني جزءًا آخر لهذا الكتاب بعنوان “معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة” ركَّز فيه أكثرَ على ما واقع فيه المعاصرون من الكتاب والشعراء والصحفيون في العقود الأخيرة، كذلك هناك كتاب مفيد جدا صنَّفه الأستاذ الكبير أحمد مختار عمر (17 مارس 1933م – 04 أفريل 2003م) بعنوان ” أخطاء اللغة العربية المعاصرة عند الكُتَّاب والإذاعيين”، وهو نتاج خبرة طويلة في العمل الصحفي والإذاعي وفي التدريس والكتابة، ويُعَد هذا الكتاب مرجعا لا غنى عنه سواءٌ للكُتَّاب أو المدوِّنين وحتى الإذاعيين ومقدِّمي البرامج التلفزيونية ونُضيف هنا: أصحاب التدوين المرئي الذين يقدِّمون حلقات وسلاسل في مجالات تخصصاتهم إذ يحسُنُ بهم تصحيح لغتهم أيضًا (والمقصود هنا من يعطي مادة مَرْئيَّة باللغة العربية الفصيحة بطبيعة الحال).

ومن هنا ظهرت وظيفة “التدقيق اللغوي” في المؤسسات الإعلامية الكبرى ودور النشر التي تهتمُّ بتقديم مادة نقية للمتابعين، على أن هذه الوظيفة لا تزال في المنطقة العربية تمشي على استحياءٍ بسبب عدم اهتمام إدارات تلك المؤسسات بالجانب اللغوي الذي يمثل المادة التجارية في حقيقة الحال.

 

العنصر النحوي:

في تعليمية اللغة العربية أو أي لغة أخرى؛ يرى العلماء أن ترويض اللسانين -الكتابة والخطابة- يجب أن يبدأ بممارسة اللغة كما هي، ثم الانتقال بعد ذلك إلى تعلُّم قواعدها، لذا بدأتُ بتوجيه عناية القارئ إلى الاهتمام بكُتب الأدب والشعر حتى يتمكَّنَ من اكتساب رصيد لغويّر تطبيقيٍّ مباشر، وهذا الأمر سيساعده في دراسة قواعد اللغة -نحوًا وصرفًا- بصورة أسهلَ ممَّا لو بدأ بالعكس.

وهنا أنبِّه للمنهاج الأكاديمي في مدارسنا والذي لا يزال يعتمد ترتيبيَّة “تعلُّم القواعد ثم ممارسة اللغة”، وهو منهج أثبتَ فشله إلى حد كبير، لأن التلميذ أو الطالبَ حين يُعرَض عليه الدرس النحوي سوف يصطدم بكثير من الغموض والعُقَد التي تشتت ذِهنَه ولا يكاد أن يصل معها إلى أي علاقة بين التقعيد العلمي والتطبيق الكتابي والخطابي، خاصة دروس القواعد العربية والتي تتسم بالكثرة والتفصيل.

فمثلًا عندنا باب المرفوعات الذي يقدِّم لنا باب “الفاعل” وباب “المبتدإ” ثم باب “اسم كان وأخواتها” و”خبر إن وأخواتها”، سيتلقى ذهن المتعلم عدة معلومات متقاربة ومتشابكة تجعله يتخيل تطبيق تلك القواعد أمرًا شبه مستحيل أو بالغَ الصعوبة، مع أنه لو أتيحَ له مجال التكلُّم أو طُلب منه كتابة فقرة من عشرة أسطر دون التفكير في تلك القواعد فإنه سيعطي مادة لا بأس به وقد نرى منه إبداعا وتميُّزًا واضحًا.

لذا يفضِّل المحققون -وعلى رأسهم ابن خلدون حين تكلم عن المناهج التعليمية في الشمال الإفريقي والأندلس والمشرق- أن يبدأ تعليم التلاميذ بإدخالهم في حيِّز اللغة مباشرةً دون المرور على مطَبَّة التقعيد النحوي، وبعد ارتفاع رصيدهم اللغوي التطبيقي يمكن حينَها أن تلقَى عليهم دروس النحو شيئًا فشيئًا.

 

أما بخصوص الكتب النحوية المفيدة فأنصح بدراسة كتابين هما:

  • “التطبيق النحوي” للأستاذ عبده الراجحي (نُشر سنة 1999 بدار المعارف)، يقول في مقدمته عبارةً نكتشف من خلالها سبب وضعه لهذا الكتاب المهم: “على أننا لا ينبغي أن ننكر أن طريقة تدريس النحو في مدارسنا وفي جامعاتنا غير صالحة في نقل ما وضعه النحاة إلى الناشئة والدارسين”، فهو يرى أن دراسة النحو في المنهج الأكاديمي المعاصر أساءت للتكوين اللغوي للتلاميذ والطلاب، وأن هذا المنهج قطع الصلة بين المتعلم المعاصر وبين النحو العربي الصحيح، وقد باب كتاب الأستاذ الراجحي عمدةً في كثيرٍ من الحلقات التعليمية لسهولة أسلوبه وموافقته لآراء النحاة الكبار دون الدخول في متاهات العلل النحوية والاختيارات غير المتوائمة مع روح الأسلوب العربي.

 

  • “جامع الدروس العربية” للشيخ مصطفى الغلاييني، وهو كتاب وإن كان كبير الحجم فهو ضروري في تلخيص الدروس النحوية على الطلاب المعاصرين، ولكونه لقي قبولا واسعا بين الأساتذة والطلاب فقد صدرت له عشرات الطبعات حتى أصبح مرجعًا لدى كل المتخصصين في الدراسات النحوية واللغوية واعتمده كثيرٌ من المعلمين في تحضير دروس اللغة العربية لتلاميذهم وطلبتهم، لذا أوردتُّه هنا حتى يصطحِبَهُ كل قارئ أو كاتب يسعى لرفع مستواه في اللغة العربية.

 

كان هذا عرْضًا موجَزًا وتلخيصًا لنصائح وددتُّ إيصالَها لأصدقائي الذين استشاروني وطلبوا مني تسجيل نقاط في هذا الموضوع، ويبقى أهمَّ عاملٍ لتحسين أسلوبنا هو المواظبة على قراءة النصوص النموذجية وعلى رأسها القرآن الكريم والأحاديث النبوية ودواوين الشعر الفصيح وكُتُب كبار الأدباء قديمًا وحديثًا.

الوسوم

الطيب صياد

صاحب رواية "العثمانية" خريج لغة ودراسات قرآنية وباحث في العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية

مقالات ذات صلة

اترك رد