مجتمعسياسة

الحوار: الوصفة التونسية لتجاوز الأزمات السياسية

قراءة في المحطات السياسية الكبرى في تونس بعد الثورة

 

مرّت تونس منذ 2011 بمحطات سياسية مهمة وناجحة، لكنها لم تخل من الأزمات التي كادت تعصف بمسار الانتقال الديمقراطي في البلاد. وبلغت هذه الأزمات ذروتها بعد اغتيال السياسيّين شكري بلعيد أمين عام حركة الوطنيين الديمقراطيين ومحمد البراهمي أمين عام حركة الشعب، زيادة على العمليات الإرهابية التي شهدتها البلاد ومثلت تهديدا مباشرا للتجربة الديمقراطية التونسية.

 

 لكن تونس تمكنت بقدر كبير من تجاوز هذه الأزمات وتحقيق نجاحات سياسية أهمها صياغة الدستور الجديد للبلاد وإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في مناسبتين 2011 و2014 في كنف الديمقراطية والشفافية، بشهادة منظمات دولية مختصة.

ومنذ سقوط النظام السابق في 14 جانفي 2011، وتنحّي محمد الغنوشي آخر رئيس وزراء في حكومة بن علي في 27 فيفري/ فبراير 2011، وصولا إلى تاريخ 17 ديسمبر 2017 الذكرى السابعة لثورة الحرية والكرامة توجس التونسيين والمراقبون من الداخل والخارج خوفا من أن تحيد الثورة عن مسارها الصحيح، وأن تسقط  مكونات المشهد السياسي والمجتمعي التونسي في دوامة الصراع.

كانت أولى الخطوات، بتوافق القوى الثورية على اختلاف توجهاتها السياسية ومستقلين وممثلين لمنظمات المجتمع المدني على إنشاء الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، التي ضمت 12 حزبا و19 نقابة ومنظمة زيادة على شخصيات سياسية وشبابية مستقلة. وقد تمكنت الهيئة من انتخاب الهيئة العليا المستقلة للانتخابات. لتعلن استقالتها في 13 أكتوبر 2011، فاسحة المجال للمجلس الوطني التأسيسي المنبثق عن أول انتخابات نزيهة وشفافة تشهدها البلاد في 23 أكتوبر 2011. كما أنه لأول مرة في تاريخ تونس يسمح للتونسيين المقيمين خارج البلاد بالانتخاب والترشح للانتخابات.

 

مابعد 23 أكتوبر

انطلقت أشغال المجلس الوطني التأسيسي في 22 نوفمبر 2011، وكانت مهمته الأساسية هي صياغة دستور جديد للبلاد يقطع مع الديكتاتورية ونظام الحزب الواحد ويؤسس لدولة الحرية والديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان.

وعلى مدى 3 سنوات تواصلت النقاشات والأخذ والرد بين مختلف الحساسيات السياسية، كما عاشت تونس في تلك الفترة أول اغتيال سياسي استهدف شكري بلعيد في 6 فيفري 2013. وقد فاقم هذا الاغتيال حالة من التجاذبات السياسية حول شرعية المجلس الوطني التأسيسي الذي كان من المقرر أن ينهي أشغاله في ظرف سنة.

 

 

كما أدى الاغتيال إلى إعلان رئيس الحكومة آنذاك حمادي الجبالي استقالته بعد الفشل في تكوين حكومة تكنوقراط تتولى إدارة البلاد إلى حين إجراء انتخابات في أقرب وقت ممكن. لكن الترويكا الحاكمة رفضت مقترح الجبالي وتم اختيار علي لعريض خلفا له، وحصلت حكومته على ثقة المجلس في مارس 2013.

وانطلقت في 15 ماي جولة الحوار الوطني الذي دعت إليه رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة بهدف تحقيق توافق وطني لاستكمال مسار الانتقال الديمقراطي.

لكن ذروة الأزمة السياسية التي عاشتها تونس كانت في 25 جويلية 2013 باغتيال نائب المجلس الوطني التأسيسي محمد البراهمي، في تاريخ مهم بالنسبة لتونس وهو عيد الجمهورية. تم على إثرها تعليق أشغال المجلس الوطني التأسيسي في 6 أوت 2013.

كما أعلن الرباعي المكون من الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة وعمادة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، عن مبادرة وطنية للخروج من الوضع المتأزم الذي تعيشه البلاد. وانطلقت أولى الجلسات في 5 أكتوبر 2013. وبعد أسابيع من التفاوض تعهد رئيس الحكومة آنذاك علي لعريض بتقديم استقالته والالتزام بما سيفرزه الحوار الوطني من قرارات، وهو ما اعتبره مراقبون، تغليبا للغة الحوار والوفاق، وسابقة تونسية وعربية أقدمت عليها حركة النهضة بالتخلي إراديا عن الحكم والتنازل عنه.

 

 

وفعلا بعد هذا التعهد عاد النواب المنسحبون إلى المجلس الوطني التأسيسي لاستكمال صياغة الدستور. ونجح الحوار الوطني في التوصل إلى توافق واختيار مهدي جمعة رئيسا للحكومة، مهمته الأساسية تسيير البلاد إلى حين موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية في 23 أكتوبر 2014.

وفي لحظة تاريخية فارقة صادق المجلس الوطني التأسيسي على الدستور الجديد للبلاد في 27 جانفي 2014 ، وصوّت 200 نائب لصالح الدستور من جملة 217 نائبا.

وعاشت تونس  للمرة الثانية بعد 2011 تجربة الانتخابات التشريعية والرئاسية التي كانت انتخابات ناجحة بشهادة الملاحظين والمراقبين والمنظمات الدولية المختصة. تم إثرها انتخاب برلمان جديد للبلاد وانتخاب رئيس للجمهورية في أول اقتراع حر لهذا المنصب.

وعلى عكس ما توقعه الكثيرون فإن الباجي قائد السبسي، ورغم حصول حزبه على الأغلبية داخل البرلمان، إلا أن الحكومة ضمت إلى جانب نداء تونس ممثلين عن حركة النهضة والاتحاد الوطني الحر وآفاق تونس، بعد تعديلات على قائمة الأحزاب المشاركة فيها قبل المرور أمام البرلمان لنيل الثقة. كما تم تحييد وزارات الداخلية والدفاع والعدل، تماشيا مع مطالب الأحزاب المشاركة في الحكومة.

 

كيف تجاوزت تونس الأزمات؟

يرى المؤرخ والمحلل السياسي عبد اللطيف الحناشي أن التجربة الديمقراطية في تونس تعرضت إلى العديد من الإكراهات الداخلية و الخارجية. وكان هناك نوع من الصراع الإيديولوجي بين المرجعية الإسلامية والعلمانية، وكان هذا الصراع أشد المخاطر الداخلية، إضافة إلى المخاطر الخارجية، في علاقة بما يحدث في الجارة ليبيا على وجه الخصوص وأيضا التهديدات الإرهابية.

ويعتبر الحناشي، في تصريح لمجلة “ميم” أن “التجربة صمدت رغم أنها وصلت إلى نقاط حادة في كثير من الأحيان، لكن يمكن القول إن عنصرين ساهما في تجاوز الأزمات أكثر من مرة ، الأول كان لقاء باريس الذي جمع”الشيخين” الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي في أوت 2013 لإيجاد توافق.

 

 

أما العنصر الثاني، فهو تدخل الرباعي الراعي للحوار الوطني، وخاصة الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي عمل على تهدئة الأجواء بين الأطراف السياسية. وهو ما أهّل الرباعي للحصول على جائزة نوبل للسلام. 

واعتبر الأستاذ الحناشي أن كلمة السر التي مكنت تونس من تجاوز الأزمات السياسية خلال السنوات الماضية هي “الوفاق”. فـ”هناك جزء كبير من النخبة السياسية في تونس على وعي وإدراك بأهمية الحوار والتوافق، وللتونسيين إرث وتاريخ في تحكيم لغة الحوار والوفاق انطلاقا من بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال إلى الآن”.

وتابع الحناشي بأن شعور النخبة السياسية بالخطر الذي يهدد البلاد، مكنها من تجاوز الخلافات وصياغة دستور من أهم الدساتير في العالم.

 

 

في نفس السياق يقول  الصحفي نور  الدين المباركي “إن النموذج التونسي تركّز حول الحوار بين مختلف الفرقاء السياسيين. وقد أخذ هذا الحوار أشكالا مختلفة وكانت قمته هي مبادرة الرباعي، التي أخرجت البلاد من أزمة خطيرة خاصة بعد اغتيال محمد البراهمي”.

واعتبر أن البلاد في تلك الفترة كانت مفتوحة على كل الاحتمالات والمسارات. لكن مع كل مأزق سياسي خطير كان الحوار هو الحل. ويقول المباركي: “الحوار لم يكن تقليدا في تونس خلال ديكتاتورية النظام السابق، لكن بعد 14 جانفي أصبح له موقع مهم مع كل أزمة تظهر على الساحة”.

واعتبر محدثنا أن مبدأ التفاوض الذي اختارت الأحزاب والمنظمات الانخراط فيه، يفرض نوعا من التنازلات، فحركة النهضة قدمت تنازلات عن السلطة في علاقة بالحوار الوطني. وكان هناك بحث عن النقاط المشتركة بعيدا عن الأيديولوجيات، حسب المباركي.

وفي علاقة بالوضع السياسي الراهن، يرى المباركي أن التوافق لا زال قائما إلى الآن، وهو خيار التونسيين ما إن تلوح أي أزمة في الأفق، من ذلك ما حصل مؤخرا حول الانتخابات البلدية، حيث تم التوافق على موعد نهائي بشأنها وهو ماي 2018. وأضاف: “تجربة الحوار والتوافق تجربة أثبتت نجاحها في كل مرة. ومن الضروري أن تواصل النخب السياسية ومنظمات المجتمع المدني في هذه التجربة لتجاوز ما يمكن أن يحصل من أزمات قد تهدد الجميع”.

الوسوم

دواجة العوادني

عضو فريق مجلة ميم التحريري، تختص في المواضيع السياسية والحقوقية

مقالات ذات صلة

اترك رد