مجتمعغير مصنف

الثورة التونسية كما روتها النساء

ربح الدشراوي ووريدة الكدوسي وتفاصيل الأيام الأولى لثورة الحرية والكرامة

 

قد يفقد البعض حماسة الثورة بعد 7 سنوات على انطلاق شرارتها الأولى. وقد يتجاهلها البعض أو يتناساها بفعل مرور الزمن وتشتت الاهتمامات. لكن ما إن تعيد الاستماع لأمهات الشهداء الذي سقطوا في سيدي بوزيد والقصرين والحامّة، تعود بك الذاكرة إلى ذات شتاء لن يُمحى من ذاكرة التونسيين.

لم يكن شتاء عاديا في ربوع تالة والرقاب ومنزل بوزيان وحي النور وغيرها من المناطق التي دفعت ثمنا باهظا للحرية ضد الظلم والاستبداد.

لا أحد يمكنه أن يروي أحداث ما حصل من مواجهات وكيف استشهد الأبناء بكل تلك التفاصيل التي روتها أمهاتهم في جلسة علنية نقلتها قنوات تلفزية متعددة.

 

 

وكأن الأمر حدث بالأمس ولم تنطفئ حرقة  قلوب أمهات فقدن أبناءهن، ولم يحاسب القتلة. تقول ربح الدشراوي والدة الشهيد صلاح الدشراوي الذي لم يتجاوز العشرين ربيعا: “اعرف جيدا قاتل ابني وقاتل الشهيد وليد البوزيدي من منطقة حي النور في مدينة القصرين، لكن لم يُحاكم سوى 3 سنوات، أنا لا أريد شيئا غير الحقيقة ومحاكمة القتلة”. 

تعود ربح بالذاكرة إلى تاريخ 8 جانفي 2011، تذكر ذلك اليوم بكل تفاصيله، تذكر جيدا صورة عناصر الأمن وهم يوجهون سلاحهم نحوها داخل أروقة مستشفى القصرين وهي تبحث عن جثة ابنها لتحملها معها إلى المنزل. تقول ربح: “غادر ابني البيت صباحا لينضمّ إلى المظاهرات الاحتجاجية التي انطلقت في محافظة القصرين بعد أن ثار سكانها دعما لتحركات سيدي بوزيد. بعد قليل أخبرني أصدقاؤه أنه أصيب .قالوا إنّ الإصابة كانت على مستوى ساقه لكن الرصاصة استقرت في كليته”.

وتتابع أمه أنه رفض أن يعيده أصدقاؤه إلى البيت خوفا على أمه من الهلع والصدمة. هرعوا به بحثا عن سيارة لأخذه إلى المستشفى لكنه توفي وهو في طريقه إلى المستشفى.

 

تقول ربح: “لم استطع الوصول إلى المستشفى عبر الطريق الرئيسية، فعناصر الأمن تطلق النار، والغاز المسيل للدموع في كل اتجاه. أخذني أحد الجيران في سيارته، وكان بها الشهيد وليد البوزيدي الذي أصيب مع ابني في نفس اللحظة، وقد فارق الحياة. عندما وصلت، أعلموني أن ابني قد قتل. أغمي عليّ، ولما أفقت وجدت عناصر الأمن في المستشفى يوجهون أسلحتهم نحونا، لم يكن في المستشفى غيري أنا وامرأة أخرى. بحثت عن ابني الذي وضعوه على نقالة مجردا من ملابسه. فنزعت المرأة حجابها لتغطي جسده وأتمكن من العودة بجثته إلى المنزل”.

وتضيف والدة الشهيد: “منعونا حتى من إقامة مراسم الدفن، كانوا يرمون قنابل الغاز المسيل للدموع داخل المنازل. وحتى عندما أردنا دفنه منعوا الشبان من مرافقتنا. قالوا فلتتدفنه النساء”.

الرصاصة الأولى في الرقاب

على الساعة العاشرة صباحا يوم 8 جانفي 2011 كانت الرصاصة الأولى في مدينة الرقاب بمحافظة سيدي بوزيد،”هذه الرصاصة استقرت في صدر ابني”. بهذه التفاصيل تروي وريدة الكدوسي تفاصيل استشهاد ابنها رؤوف الكدوسي. فتقول: “شارك في مظاهرات يوم 7 جانفي 2011 التي انطلقت إثر صلاة الجمعة. وعاد بعدها إلى المنزل، لكن في الغد وعندما خرج ثانية إلى الشارع للمشاركة في الاحتجاجات استشهد”. وتضيف: “أراد أن يمنع قوات الأمن من ضرب أحد المتظاهرين، فوجه الأمني سلاحه نحوه وقال له: “سأطلق عليك النار إن تقدمت خطوة أخرى للأمام”. وفعلا في الخطوة التالية اطلق عليه النار وأصيب برصاصتين على مستوى الصدر. ومنع رفاقه من حمل جثته واستشهد الشاب محمد جابلّي وهو يحاول سحب الجثة.

منزل العائلة يبعد حوالي 12 كلم عن مكان وقوع الحادثة، وبقيت الجثة ملقاة في الشارع حتى وصلت العائلة وتمكنت من سحبها داخل المسجد المجاور. تقول وريدة إنها مستعدة لتقديم حياة بقية أبنائها مقابل تحقيق أهداف الثورة التي حلم بها من ثار  ضد الظلم والاستبداد.

 

 

بطلاقة مدهشة و بثقة كبيرة تحدثت أمهات شهداء تالة والقصرين وسيدي بوزيد مهد الثورة التونسية أمام الملايين . قلن إنهن مستعدات للتضحية بأبنائهن في سبيل أن تحقق الثورة أهدافها لو عاد بهن الزمن إلى الوراء. تتحدثن بفخر رغم وجع التفاصيل، فلا شيء يمكن أن يعوض للأم خسارة الابن. لا زلن يبحثن عن شيء يضمد الجراح. تأسفن لأنّ القضاء العسكري لم ينصف الشهداء والجرحى، ولم يتغير أي شيء في واقعهن بعد مرور سنوات على الثورة.

العشرات من النساء أمثال ربح الدشراوي ووريدة الكدوسي عشنا نفس التجربة ونفس الألم. قد تروي هذه النساء قصص استشهاد أبنائهن لآلاف المرات، دون كلل، ودون نسيان أي جزئية، أو أن يتضاءل شعور الفخر والاعتزاز لديهن رغم الصدمات والهنات التي شابت مسار تحقيق العدالة. لكن هذه الهنات لن تنقص شيئا من كونهن أمهات الشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمنا لحرية شعب بأكمله. تجرؤوا على الخروج إلى الشوارع لمواجهة بطش البوليس وأسقطوا نظاما قمعيا مارس الظلم والإذلال وهتك الأعراض على الجميع لعقود. عشرات الكتب والقصص والأفلام صوّرت أحداث الثورة التونسية لكن عندما ترويها النساء يصبح الأمر مختلفا.

 

 

الوسوم

دواجة العوادني

عضو فريق مجلة ميم التحريري، تختص في المواضيع السياسية والحقوقية

مقالات ذات صلة

اترك رد