مدونات

أكتب إليك من وجع نشرة الأخبار

 

في البرازيل، قد تمنعني الأسطورة من النظر إلى النجوم في السماء خوفا من البثور التي قد تظهر على أصابعي، فتحول بيني وبين الكتابة إليك ومراسلتك. وتعلم أنت أنّني لطالما فتّشت عن تقاسيم وجهك في السماء، وكم أخاف أنا أن يحرموني وصالك ولا تزال حروفي تفطر على الأمل الملفوف في عينيك، فلا حبذا بلاد تحظر على عيوني الغذاء.

وفي اليابان قد يحرمون ثغري من التقاط حبّات المطر التي يلفظها قلب السحاب عندما يقرّر الغيم الولادة داخل بقاع الشمس المشرقة، سيقولون لي إنّها “الكيتسونا”، سيخبرونني أنّ الثعالب السحرية ستقيم أعراسها وسيمنعونني أن أزفّ إليك أخباري عبر نسيم المطر المتهاطل والتراب الفوّاح، ويحبسونني وراء قضبان هياكلهم الخشبية التي تسمح لخيط الشمس بزيارتي وتمنع عني قبلة المطر، أو ربما عبر أبواب “شوجي” التي تفعل الشيء نفسه بي.

وتعلم جيّدا أنت كم أعشق التجوال تحت المطر، وتعلم جيّدا أنت كم أعشق مشهد المطر في حضن الشمس الساطعة، إنّهما معا يشعرانني بالأمان والتوزان والاحتواء ويوقظان في داخلي حبّك الذي لم يزل كالطفل يذرف الدمع. إنّهم لا يعلمون أنّنا معا نشكلّ ذرّات الماء تلك وبخاره المتهافت على فؤاد السحاب الثقال الذي يشنّ الهجوم على الهواء بالطريقة نفسها التي يشنها الجنون الذي يعترينا على الهوى، فنسقط على الأرض مطرا تضاريسيا، تصاعديا وإعصاريا متفرقا هنا وهناك، أحدنا هنا والآخر هناك حيث لا أرصاد جويّة ترصدنا ولا رادار يقيس حمولة الثورة فينا والحنين لبعضنا والغضب على بعضنا البعض، كأنّنا نقلّ في عروقنا دماء البدو الرحّل، نمتنع عن اللقاء مجدّدا بفعل فاعل كأولئك اللاجئين الذين شتّتهم البحر في شواطئ متفرقة من هذا العالم الكبير.

 

هنا حيث اخترت البقاء، يزداد الطلب على الدماء، سوى أنها ليست لتعيد الحياة لإنسان بين الدارين في مشفى، ولقد قلت لك يوما إنّ الدماء لن تحقن والجرح الآن لن يشفى

 

ولعلّ في أرضنا العربية قد يحرمونني من الحياة صباحا فلا أستطيع الكتابة في الضوء، في الصباح تطلع نشرة الأخبار مع الشمس من الشرق، تأتينا بأخبار الموت والقتلى تلك التي أشكوها إليك، والمضحك أنّني أصبحت أبكي مع الأخبار كما أبكي مع المسلسلات والأفلام، مؤخرا بكيت لأجل الأقصى وبكيت مع فيلم هندي آخر، وفي الحقيقة لم أكن أبكي إلّا على عجزي، والآن، صرت أخاف أنا على عكس فيروز من وميض الصباح وشروق الشمس، وكم أخاف أنا من شروق الأخبار وشاشة التلفاز.

مذ غادرتك أصبحت صديقة الليل وتهجّم عليّ النيكتوفيليا، هو في واقعنا النفسي مرض وفي واقعي الشخصي حالة تنتابني كلما تعرّضت للفقد، وكلما فقدت أنا عشقت العيش في الليل وفتحت أبواب مصانع القلم وكتبت إليك أسألك روحك التي لطالما كنت بها أتقوّى على نشرات الأخبار، وكتبت إليك أسألك ألّا تتركني كواو العطف وحيدة عند المنحدر، تارة يتّهمونها بالخوف وتارة بمحاولة الانتحار، ألا فلتأخذ بيدي ولتعوضني عن الحرمان.

 

أكتب إليك من وجع نشرة الأخبار.. 

هنا حيث اخترت البقاء، يزداد الطلب على الدماء، سوى أنها ليست لتعيد الحياة لإنسان بين الدارين في مشفى، ولقد قلت لك يوما إنّ الدماء لن تحقن والجرح الآن لن يشفى، أكتب إليك اليوم لنقرأ التاريخ معا، وحده التاريخ بعد الله استعنت به على ويلات الحاضر وبعد التاريخ خيّرتك أنت أنيسا. هنا في كل زاوية يظهر مع الصباح أشخاص مخيفون يدّعون الحكمة، عيونهم كعيون “أوشو” لا أرتاح لها.

هنا حيث أكتب إليك لا أواعد صوت فيروز على غير العادة، ولا زال يمتطي ظهر كتاباتي الحزن كالعادة، نسيتَ أن تغمس قلب قلمي في نهر “ستيكس” كي لا يقربه الحزن بدل الموت، وها هي حرب العادة لا طروادة قد ألقته في الهاوية، لقد كان قلمي على مدى الجراح في حضورك آخيلا إلى أن كسرت قلبه لا عقبه وتركته، فالأقلام كالنساء تتألم من قلبها. هنا حيث أكتب إليك حرموني من قلم جديد لهذا لا زلت أكتب إليك بالألم نفسه والوجع نفسه، هنا حيث أكتب إليك أسافر على متن النثر، كالحبّ أعقد القران بين قلم زنجي القبلات وورقة قوقازية الخدّ تحت مباركة يدي لا لشيء إلّا لأقول لك إنّهم حرموني الخروج لألقى ذكراك بين شوارع المدينة، وفي الأزقّة والحارات، وهناك حيث أسمع صوت فيروز قادما من بعيد لا يكاد يدخل بيتا إلّا وأحال ضجيجه على الصمت وقلبه على الحبّ وأنا على الحرمان منك. في كل موطن يحرمونني منك وفي كل مكان يجعلونني أحبك بألم وأمل وحزن وخوف، لكنهم حرموني مرارا وتكرار أن أحبّك بحريّة وأن أكتب إليك بأدب دون أن أعنّف أوراقي البيضاء.

 

أكتب إليك من وجع نشرة الأخبار..

أكتب إليك من الشهباء مع صوت فيروز القادم من بعيد يغني “يا قلبي لا تتعب قلبك” لكنني سأتعب قلبي ولن أعود إلى بعلبك، أخبرتك أنّني أعاني من النيكتوفيليا لهذا لا يمكنني الرجوع إلى مدينة الشمس بعلبك، سأبقى أصنع من الرماد مخدّر الأمل وأنتظر قدومك مع الليل من جديد، لتعيد ضحكتي من حمص وصمودي من حلب وتسقي عطش روحي من حماه هناك حيث النواعير تدور بأحلامنا الميتة.

أكتب إليك من عكّا ولن أدعوك لرقصة على الرمل الحار، فنحن لا نتقن الرقص خارج الحروف، ولا نتقن الرقص بالجروح، ورمل عكّا يحتاج لأن تكون ضربات أرجلنا أقوى من الدبّيكة وأكثر خفة من الرشاش، لكنني أدعوك لتكون معي في رحلة استرجاع حريتنا.

كنت سأكتب إليك من ممرّ وجبل الأسكرام حيث أجمل شروق وغروب للشمس في العالم لكنني خشيت أن أتوه في الغروب وأكون قد فرغت من رسائلي دون أن أزفّ إليك أخباري فتغيب كقلبي مع المغيب. كنت سأكتب إليك من كل أرض توجعني ومن كل شبر في قلبي لا زال يبكي، وعند نهاية كل نشرة أخبار، وعندما أسدل على كل فيلم واقعي الستار، ومن كل مكان حملته في داخلي قضية مثلك وإن اختلف اسمها عن اسمك أو لونها عن لونك أو صوتها عن صوتك، كنت سأكتب إليك عند أولئك الذين يذودون عن الحياة بأقصر رشفة نوم لديهم، عند أولئك الذين يخبّئون أقوى صرخة في عينيهم وعند أولئك الذين يثرثر الحزن في عينيهم، كنت سأكتب إليك.

لا أعلم ولست أدري وأجهل السبيل إليك، لست أدري كيف تحتويني ومتى أحتويك، لست أدري متى ألتقيك، ما أعرفه أيها الوطن هو أنني أعلم أن في الكون سبع عجائب كامنة وأنا وأنت لو اجتمعنا سنكون الثامنة.

 

الوسوم

حياة بن بادة

- كاتبة جزائرية ومترجمة وأخصائية في علم النفس ومهتمة بالشأن الإنساني

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق