مجتمعالرئيسي

مدارج كرة القدم: صرخة الأمّة المغيّبة

مجتمع

 

سليمة كراك- مجلة ميم

في العقد الأخير من القرن الماضي والعقد الأوّل للقرن الحالي، صدرت عشرات التقارير والدراسات، وصدرت تقديرات موقف كثيرة ناهيك عن تحاليل سوسيولوجيّة وغيرها تتحدّث عن لامبالاة الشباب العربي بالشأن السياسي، بل وذهبت حدّ رجمه بالميوعة ووصفه بشتى النعوت التي تحطّ من مكانته وأدواره في المجتمع بزعم تقييم الواقع نحو إصلاحه دون ملامسة العمق الحقيقي للإشكال المتمثّل في طبيعة السياسات والنظم السياسية، وحتّى مصادر المعرفة التي تكرّس إستبعاد هؤلاء وتوظيفهم كأدوات لدى غيرهم.

لم يكد حبر الكثير من الكتابات من أجناس مختلفة يجف حتّى فجّر الشباب موجة الثورات العربيّة معلنين وقوفهم على النقيض تماما من الصورة المتداولة عن وضعهم وأدوارهم وحتّى عن إمكانيّاتهم، ثورات شارك فيها الشباب وكان وقودا لها ممارسا “حقّ الرفض” باعتباره “حقّ من لا يملك شيئا لخسرانه”، نفس الكتّاب الذين أمعنوا في إستباحة الشباب العربي واصلوا بعد إحتجاب لفترة قصيرة إمعانهم في الترذيل ولم يكفهم أن الشوارع قد سفّهت كل مقولاتهم تلك.

لم يهجر الشباب العربي الشأن العام والقضايا الوطنيّة وحتّى تلك التي تخصّ الأمّة، ولكنّه صنع لنفسه بديلا يتحدّث من خلاله ويرى في مرآته نفسه، رغم أن ذلك البديل وجد أساسا لمزيد تكريس الهيمنة والتمييع، والمثل الأبرز مدارج كرة القدم وبعض الرياضات الأخرى التي استبعد إليها الشباب فخلق منها مجالا حيويّا جديدا ينطق برؤاه ومواقفه ويصدح عاليا بصوته رغم الرقابة الشديدة.

حضرت مجموعات جماهير كرة القدم بقوّة قبل الثورات العربيّة عندما كانت من يصدر الأغاني والأهازيع المناهضة لـ”دولة البوليس” والقمع والإستبداد، وحضرت المجموعات لتصدر الأغاني المتذمّرة من الأوضاع الإقتصاديّة والإجتماعيّة وحتّى واقع الحريّات والسجون في البلاد، وشهدت الملاعب في أكثر من قطر عربي مشادات كثيرة بين أعوان النظم السياسية التنفيذيين وبين الجماهير.

في الثورات لم تتأخّر مجموعات جماهير كرة القدم الشبابيّة في إسناد الإحتجاجات، وصارت المدرّجات وسائل إعلام بديلة عن تجاهل الإعلام الرسمي للأحداث لا فقط بحكم طبيعة الإنتماء الطبقي والجهوي وحتّى العمري لهؤلاء الشباب، بل ولأن الصورة كانت تضع هؤلاء والمحتجّين في الساحات والشوارع في مواجهة الآلة القمعيّة نفسها ناهيك عن التقاطع بينهم في الأهداف والطموحات على غرار “الحرية والعدالة الإجتماعية”.

 

 

لم يتوقّف إسهام مدرّجات كرة القدم في المشهد العربي مطلقا، فهاهي الجماهير تثبت مرّة أخرى أنّها حاضرة بقوّة وصاحبة موقف من كل القضايا الداخلية والعربية والإسلاميّة، فقد كانت لافتة في ملعب رادس التونسي كفيلة بإيصال رسالة واضحة لدول الحصار الخليجي ضدّ قطر بل وأحرجتهم كثيرا بمعادلة رمزيّة جدّا عندما تحدّتهم أن “يحاصروا الكيان المحتل”.

القضيّة الفلسطينيّة بدورها لا تغيب عن مدرّجات كرة القدم، فقد كان صدى المواجهات والأحداث التي تقع على الأراضي المحتلّة واضحا في الأهازيج والشعارات وفي الصور العملاقة سابقا، أمّا هذه المرّة فهو أكبر بكثير، فمدارج كرة القدم في تونس والجزائر والمغرب التي تلت إعلان رئيس الولايات المتّحدة الأمريكيّة بشأن القدس قد إنتفضت معلنة “القدس عاصمة أبديّة لفلسطين” كأنّما كانوا على قلب رجل واحد.

أبعد من ذلك بكثير لافتة عملاقة على مدارج أحد الملاعب الجزائريّة في نهاية الأسبوع الفارط كانت كفيلة بتبليغ كل الرسائل تقريبا في لافتة كبيرة تظهر الملك السعودي والرئيس الأمريكي “بوجه واحد” بجوارهما صورة للمسجد الأقصى، وكتبت تحتها عبارة باللغة الإنجليزية “two faces of the same coin” (وجهان لنفس العملة)، بالإضافة إلى عبارة “البيت لنا والقدس لنا”.

بقطع النظر عن طبيعة ردّات الفعل المتباينة من الصورة العملاقة فإنّ رفعها يمثّل رسالة واضحة لكثيرين لا فقط بشأن القدس نفسها، بل إنّها اللافتة التي أثبتت أن هذا الشباب يعي بعمق أسباب إنكسارات الأمّة ومآلات القضيّة الفلسطينيّة ومدرك لخفايا التحالفات التي تأتي على غير الطبيعة في الوطن العربي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.