ثقافة

محمد حسن فارس الأغنية الليبية يترجّل

ثقافة

توفي الفنان الليبي محمد حسن، أمس الأحد 17 ديسمبر/ كانون الأول، في العاصمة التونسية بعد معاناة طويلة مع المرض عن سن تناهز 73 عاما، تاركا أعمالا فنية كثيرة، ترجمتها أحلى الأصوات عربية.

ولد محمد حسن سنة 1946 في مدينة “الخُمس” الليبية، وعاش في وسط بدوي، أثّر في فنه ولباسه، واستطاع من خلاله أن يخلد اسما في تاريخ الأغنية العربية.

 

من الطابع الشرقي إلى التراث الليبي

بعد اجتيازه امتحانا صعبا في التلحين سنة 1969، بدأت مسيرته الفنية الحقيقية ليجول بلباسه الأصيل ولكنته المميزة وطابعه البدوي أهم المهرجانات العربية.

تأثر في بداياته بأشهر الملحنين العرب على غرار الموجي والسمباطي ومحمد عبد الوهاب وعمالقة الفن في تونس وليبيا.

حاول العزف على الكمنجة إلا أنه عدل عنها، ووجد ضالته في تعلم العود، لأنه الأقرب إليه ليصبح صديقه وخليله.

ورغم تأثره باللون الشرقي، كان التراث الليبي البيئة الأولى التي استمد منها أولى أغانيه، ثم تمسك بالتراث الذي اكتشف فيه أسرار الفن وطريق الإبداع.

كان طريقا صعبا انتهجه محمد حسن، حوّل من خلاله التراث المنسي إلى روائع فنية. وتحدث عن عمله، فقال: “اختزلت الكثير من الألحان والإيقاعات فوجدت نفسي مشحونا بها”.

يؤمن الفنان الليبي بقيمة اللغة العربية والأصالة والهوية، فكانت أعماله بمثابة حلقة الوصل بين الماضي والحاضر، وردا على حملات “التغريب”، وللتوثيق أيضا للأجيال القادمة، فبرأيه، “لابد من التمسك به (التراث) وزرعه في جيل جديد وأنا مؤمن أن علينا البحث فيه وجذوره مع إضافة لمسة عليه”.

بين التجديد والأصالة

كان مؤمنا بالقدرات الإبداعية المحلية الكامنة، فـ”لو بحثنا في تراثنا من الشام إلى السودان لاكتشفنا أن الغرب يأخذ منها ويجسدها في موسيقاه ورقصه”، حسب تعبيره.

فكان التوجه للأغنية التراثية إيمانا منه بثرائها وأهميتها، لأنّ “الأغنية الليبية غنية بألوانها وأشكالها وبإيقاعاتها الممزوجة بالمقام العربي والسلّم الخماسي، المتأثرة بالسودان والنيجر والتشاد إلى جانب أهازيجها الجميلة بالكشك والطبيلة..”.

حاول تقريب الإيقاع الليبي من عمق معاني الكلمات، فلاقى نجاحا جماهيريا داخل ليبيا وخارجها، وأثبت تفرده لأنه كاره للتقليد، يقول: “لا أستطيع تقليد الآخرين لأصبح صورة ممسوخة عنهم بمحاكاتهم، فاتجهت لتراثنا الجميل لأجعل منه مفاتيح جميلة وأصبغه بصبغة العصر من الناحية التقنية والتوزيع الموسيقي، فحافظت على مقامية الموسيقى العربية”.

 

وساهم محمد مع بقية زملائه، الذين يصنفون ضمن “الجيل الذهبي” للأغنية الليبية على غرار علي الكيلاني، في التوجه نحو تأكيد لون الأغنية الليبية وشكلها، واعتبر نفسه محظوظا بذلك: “أنا محظوظ فقد أتيحت لي فرصة المساهمة ولو بجزء بسيط في السمو من خلال المجالات الفنية، محظوظ أني قدمت الكثير من الأعمال الفنية وأعيش هذا العصر”.

حرص على الأغنية الهادفة، ويعتبر” الفكر” أساس أي عمل فني، ليصل للناس حتى في أغاني الحب والغزل. فالعمل الفني يحتاج تجديدا وعملا وصقلا وروابط.

كما يرى أن الاجتهاد والبحث والتعب يخلق من الفنان شيئا متطورا، خاصة إذا كان موهوبا ومطلعا على الخبرات، فيجدد نفسه في حدود مقومات الموسيقى العربية واللغة والسياق الثقافي.

واتخذ محمد حسن موقفا من “الأغنية العالمية” التي يعتبرها “قصة سخيفة تقوم على التقليد والمحاكاة”، حسب قوله، خاصة أنها تفرض توجها في الغناء يفقد اللغة العربية قوتها، ويرى أن هذا المصطلح (العالمية)، وراءه توجه لشركات تحاول تخريب الذوق العربي وتدمير الأمة في أعز مقوماتها وهي التراثي الشعبي.

 

 

فخر ليبيا كما يلقبه محبّوه، لا يهتم بالنجومية “ليس لها مقاييس عندي أنا هاو ولا أزال هاويا، يهمني أن يغني التونسي “ليش بطى” و”يسلم عليك العقل”، هذه رسالتي وهذا ما أسعى إليه”.

تعامل مع أشهر الفنانات العربيات من وردة إلى ذكرى وسميرة سعيد… وقدم أفضل ألحانه لجمهور متعطش لنغمة التراث.

محمد الذي أعطى اللهجة الليبية إشعاعا عظيما، يترجل اليوم عن قطار الحياة مخلدا اسمه في الذاكرة الشعبية العربية.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد