مجتمعغير مصنف

شتاء نساء الحلفاء .. ينكسر العالم على دماء أيديهنّ

#الثورة_التونسية

 

شيماء العباسي- تونس- مجلة ميم

الساعة مازالت تشير إلى ما قبل الصبح بساعتين في موقع عقاربها، وتشير في الحبل المرمي على يمين الباب الخارجي إلى حلول موعد التوجّه نحو السباسب البعيدة بنحو ثلاث كيلومترات لجمع الحلفاء، والتوجّه بها نحو معمل عجين الورق لضمان ملّيمات قليلة تضمن الحدود الدنيا من شروط بقاء منعدمة أساسا في جغرافيّات لاتزورها الكاميرا إلاّ نادرا، أو مع حلول “كارثة” صادف أن علم بها الإعلام.

في مدرسة خاصّة بالمدينة، يقتاد “الأسعد” إبنه “أحمد” إلى مدرسة خاصّة دفع لها مئات الدنانير ليفتح كرّاسه التي إشتراها مع أمّه من أفخم مساحة تجاريّة، ويبدأ بصناعة سفينة تشبه تلك التي ركبها مع العائلة في رحلة بحريّة خلال عطلة الصائفة المنصرمة على سواحل مدينة إيطاليّة، ثمّ يرميها في سلّة المهملات و ينتقل إلى التي تليها فيكتب الدرس، مفهوم الزمن وحتّى فعله عليه منعدم بشكل شبه تام. لا يدرك “أحمد”، وعلى الأرجح أنه سيتفاجأ إذا علم أن سيّدة في عقدها الخامس قد عانت الأمرين لتجمع الحلفاء التي عجنت وأصبحت تلك الورقة بمقابل زهيد لا يكفي لتدريس أبنائها الخمسة أو للترويح عنهم برحلة إلى البحر الذي سيكتشفونه كبارا في السنّ، وقد لا يتعلّمون السباحة بنفس السهولة التي تعلّموا بها ركوب الخيل أو رعي الأغنام على سفح الجبل المجاور لبيوتهم القديمة والجميلة.

 

هكذا تبدأ الصباحات المتشابهة لأصحابها والمتناقضة فيما بينها، سنّة الحياة أو طبيعة الواقع أو مآلات اللاعدالة أو غياب تكافؤ الفرص، لا يهمّ، فالمشهد في النهاية نفسه، أمّا عن الصورة في مرآة من ينظر من بعيد فلا تتطابق تماما مع “البطاقة البريديّة”.

السفر إلى المدن التي تقطنها “نساء الحلفاء” سفر في الزمن وليس مجرّد سفر في الجغرافيا أو إنتقالا من جغرافيات إلى أخرى، “التضاريس الوعرة ليست أكثر قسوة من الجوع”، المعنى نفسه يتكرّر على ألسنتهنّ بأشكال مختلفة دون أن ينقطعن عن إقتلاع الحلفاء التي سيبعنها بالميزان، لذلك يجتهدن في جمع أكبر كميات ممكنة يحملنها بعد ذلك على ظهورهنّ أو على ظهور الحمير للمحظوظات منهنّ إلى المعمل، أين يقبضن بعض دنانير يشترين منها بعض المواد الأساسيّة ويكتنزن ما تبقّى من ملّيمات “لعلّ الزمن يخفي لهنّ مرضا أو ما يستلزم دفعا للمال بشكل مفاجئ”.

 

ليس ثمّة أوضح من أيديهنّ دليلا على إلتقاء فعل الزمن والجغرافيا وحتّى المناخ وسياسات الدولة عليهنّ، ندوب يسيل منها دم متجمّد بسبب إنخفاض درجات الحرارة تغسله قطرات المطر المتهاطلة أو الملتصقة بالحلفاء، وقشرة تقارب أن تتحوّل إلى جلد آخر فوق جلودهنّ مع بعض الشوك والعيدان التي إخترقت لحمهنّ لتستقرّ هناك دون أن يكترثن للأمر، فحتّى أجسادهنّ الضعيفة قد طوّرت مناعة ضدّ كلّ ذلك.

عدد الجراح على أياديهنّ لا تحصى، والدماء المتصلّبة عليها باتت مشهدا عاديّا، أمّا عن البرد فقد حوّل وجناتهنّ حمراءوأصبحن لا يشعرن بوجود أنوفهنّ أصلا، لكنّ موقدا من نار الحطب عند عودتهنّ ظافرات بدنانيرهنّ سيكون كافيا للتدفئة، ذلك ما يجعلهنّ أكثر قدرة على الصبر، والمطر لهنّ مؤنس وداعم رئيسي، فلولا نزولها ما نبتت في السهول حلفاء يأكلن منها رغيفا.

قصّة “نساء الحلفاء” مع الشتاء طويلة ومرهقة، فهنّ لا يتحدّين “الجوع الكافر” فحسب، بل يصرخن في وجه العالم ولكن يقتلهنّ الصمت ما دمن وراء الكاميرا، ومع هذه القسوة زادت معاناتهنّ مع زرع “وحوش إرهابيّة” لتلكم السهول والجبال بالألغام، حتّى فقدت بعضهنّ أطرافا وقتلت أخريات ولا أحد يتحرّك، الخبر في كلّ مكان، أمّا المعلّقون والمتحدّثون عن معاناتهنّ ففي كلّ مكان أيضا إلاّ في مكانهنّ ذاك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد