مجتمع

زعرة السلطاني .. خنساء تونسيّة بوجع الإنسانيّة

مجتمع

 

“السيّدة الأولى” في عرف أغلب النساء “محظوظة” بزيجتها مرموقة بموقعها وجميلة إستطاعت إغواء “الزعيم”، تقوم بالكثير من الأعمال الإنسانيّة، تلبس آخر صيحات الموضة وتتجمّل بأجود الماركات العالميّة من الحلي ومواد التجميل وهي في الغالب ليست كثيرة الحديث في السياسة ولكنّها تحدّد جزءا من الخيارات السياسيّة بطرق النساء في التأثير على الأزواج وخياراتهم وحتّى صورتهم بشكل عام.

 

الوجه الملائكي لـ”السيّدة الأولى” يقابله وجه آخر في عرف النساء أيضا على النقيض تماما بسبب إختلافات مع سياسات الزوج أو بسبب إختلافات ثقافيّة وفكريّة وحتّى “إستيتيقيّة”، ولكنّ الأهمّ أن السنوات الأخيرة شهدت تهاوي “السيدة الأولى” بالتعريف السابق وبروز “سيّدات أول” من مواقع أخرى وبصفات أخرى ولأسباب أخرى أيضا.

 

باحثات ورائدات أعمال وقياديّات، ولكن أيضا كادحات ومناضلات أصبحن رمزا للقيم الإنسانيّة وصرن يمثّلن جزءا لا يتجزّؤ من سرديّة الوطن والزمن والجغرافيا على غرار التونسيّة “زعرة السلطاني” التي إختطفت أيادي الجماعات الإرهابيّة الغادرة إبنيها وقامت بذبحهما بطريقة متوحّشة في حادثتين هزّتا تونس وسط حملة تعاطف واسعة مع الأم “زعرة” التي لم تكد تتجاوز حزنها على فقدان فلذة كبدها الأولى حتّى فقدت فلذة أخرى بعد نحو سنة ونصف بنفس الطريقة.

 

تحت جبل المغيلة وفي “دوّار السلاطنيّة” بالوسط التونسي تعيش”زعرة السلطاني” مع أبنائها الذين يراوحون بين الظفر بأيام عمل في “الأشغال الشاقّة” (حضائر البناء) وبين بطالة مطوّلة حوّلتهم إلى رعاة لقطيع صغير من الماشية بعد أن غادروا الدراسة مبكّرا وتوفّي الأب المريض تاركا وراءه عجوزا طاعنة في السنّ لا تكاد تبصر البعيد بسبب مرض في العينين لم تعالجه لا فقط لضيق اليد ولكن لبعد المسافة على اقرب مستشفى.

 

 

بلباسها التقليدي التونسي و”تقريطتها الملوّنة” التي تعصب بها رأسها وبالوشم على وجنتها اليسرى تعيش “زعرة السلطاني” على بعد أمتار قليلة من تحت سفح جبل إستوطنه الإرهابيّون وزرعوا فيه الألغام بعيدا عن أعين الدولة التي لم تحضر إلاّبعد الفاجعة الأولى قبل أن تختفي وتعود لتظهر بعد الفاجعة الثانية، بين جنبات صفوف طويلة من نبتة الصبّار الذي لا تعرف النسوة والبنات القليلات في “دوّار السلاطنيّة” مستحضرات التجميل المصنوعة منه، ملامح حياة في قفص الموت.

 

في نهاية شهر نوفمبر من سنة 2015، وردت على”زعرة” فاجعة إختفاء إبنها “مبروك” الذي خرج يرعى الأغنام ولم يعد حين عادت الأغنام تحرسها “كلبته البيضاء”.

وبعد أيّام من عمليات البحث التي قام بها الأهالي رغم خطورة الجبل، عثرت “الكلبة” على صاحبها وإقتادت الباحثين إلى مكان جثّته معلنة حدادا وطنيّا وسط حملة تعاطف مع الأمّ المكلومة.

 

في بداية شهر جوان من سنة 2017 الجارية وبنفس الطريقة، ذهب “خليفة” إبن “زعرة السلطاني” ليرعى الأغنام ولم يعد هو الآخر قبل أن يتم العثور على جثّته منكّلا بها بنفس الطريقة لتزيد الحادثة من لوعة أمّ إجتمعت لديها كلّ “جوامع الوجع” فلم تعد الدموع تذرف من عينيها المريضتين ولاعاد طعم الحياة لديها يمثّل فارقا.

 

لم يكن فقدان الإبن الثاني أقلّ قسوة أو أكثر من فقدانالأوّل فـ”زعرة السلطاني” التي إحتفظت برأس إبنها “مبروك” في الثلاجة بنفسها خلال نهاية سنة 2015 حتّى دفنه في اليوم الموالي قد باتت بقوّة كلّ الكون على كلّ الأصعدة.

على قمّة جبل المغيلة، يستوطن إرهاب متوحّش يعادي الإنسانيّة برمّتها وتحت سفح الجبل ضحاياه وضحايا عقود من التهميش والنسيان زادهم توحّش الجهاديين ألما.

“زعرة السلطاني” ربّما لم يعد هناك شيء يعوّض لها عن لوعتها وعن الآلام الكثيرة التي لحقتها، ولكنّها مازالت متشبّثة بالأرض، وهي تقول متحدّثة لإحدى التلفزات بعد فاجعتها الثانية: “الله غالب” كأنّها في حضن الله تنشد خلاصا مريحا من بقايا حياة صعبة ومتقلّبة كطبيعة الجغرافيات التي تسكنها أو لعلّها أقسى بطبيعة السياسات التي تجاهلتها كما تجاهلت غيرها من ضحايا عقود الفساد والتهميش.

 

أمّ الشهيدين “زعرة السلطاني” إمرأة بألم الإنسانيّة جمعاء من جرّاء الطغاة والغزاة والغلاة، بقلب يضاهي حجم الكون أو يتجاوزه حتّى صارت تتحكّم في الدموع التي تبدو قد جفّت بعد كثرة سيلان، وبوجه سيّدة نحت التاريخ والجغرافيا على تجاعيده قصّة بقاء منقطعة النظير لا تزيدها حملات التعاطف الظرفيّة التي سرعان ما تزول شيئا ولا ينقص منها بعد فقدان الزوج والإبنين كلّ ذلك الحزن شيئا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد