مجتمع

خلود موفق الوتار: الكوتا الطائفية سبب حرمان المرأة من بلوغ مراكز القرار بلبنان

حوار مجلة ميم مع خلود موفق الوتار مستشارة نساء قادة العالم

محسن حسن- القاهرة- مجلة ميم 

شعارها “كي تكون السياسة في خدمة المجتمع”، وقناعاتها أن “الأيدي المرتعشة لا تقوى على البناء” وأن “الجبناء لا يصنعون التاريخ”، ومسيرتها الشخصية والمجتمعية تشهد بحضور كبير لافت بين طوائف الشعب اللبناني؛ لذا فقد آلت على نفسها أن تعمل بجد واجتهاد، على تحويل “لبنان الخوف والحرب” إلى “لبنان الأمن والسلام”، ليس بعنف آدم والسلاح، وإنما بنعومة حواء فرض القانون، ومن خلال تكريس حضور فاعل للمرأة اللبنانية على مقاعد البرلمان النيابي في البلاد.. 

إنها مؤسِسة جمعية “أمهات من لبنان”، ومنسقة منظمة نساء برلمانيات العالم  2015، ومستشارة نساء قادة العالم في بلجيكا 2016، السيدة “خلود موفق الوتار” خريجة الجامعة الأمريكية في علمي الاجتماع والإنسان، والحاصلة على الماجستير في علم الاجتماع السياسي من نفس الجامعة، والتي أصدرت مؤخراً، ومنذ أيام، كتابها “المرأة والسياسة في لبنان”، على هامش نشاطها الفاعل من أجل تدشين لائحة نسائية من ذوات الحضور الفاعل سياسياً واجتماعياً، لخوض الانتخابات النيابية القادمة في 2018. وقد ناقشتها “ميم” في مستقبل المرأة السياسي في لبنان، وما يحيط به من غموض وإشكاليات، فكان هذا الحوار.. 

 

بداية، ما سر إصرارك على دراسة علم الاجتماع السياسي بعد فترة انقطاع عن الدراسة؟ وهل هو شغف سياسي قديم لديك؟

لقد خدمت طوال حياتي في الشأن العام وبما أنني أؤمن بأن السياسة وُجدت لخدمة المجتمع، لذا لا أجد فاصلاً بين الخدمة في الشأن العام والعمل السياسي، فقد تخرّجت من الجامعة الأميركية في لبنان وتحصلت على شهادة الليسانس في علم الاجتماع وعلم الإنسان، ثم تطوعت في مؤسسة أرض البشر السويسرية ومن ثم تزوجت ليرزقني رب العالمين ثلاثة أولاد، وفي عام 2000، عدت للعمل في الشأن العام وأسست جمعية “أمهات من لبنان” التي واجهت مشاكل كبيرة لأنها جمعية غير طائفية ولا تنتمي إلى أية جهة سياسية مما دفعني إلى العودة إلى مقاعد الدراسة لمحاولة فهم التركيبة اللبنانية التي تشكل عائقاً أمام تطور الدولة، وهي نفسها هذه التركيبة التي تهدد بالحرب عند كل استحقاق. هكذا حصلت على ماجستير بعلم الاجتماع السياسي وبدأت دربي في هذا الاتجاه.

 

برأيك ما سبب تراجع المشاركة السياسية للمرأة اللبنانية رغم تميزها في مجالات كثيرة؟ وهل هناك ذكورية سياسية مهيمنة في لبنان؟

منذ اندلاع الحرب اللبنانية في 1975، والسلطة حكر على نفس الأشخاص الذين سببوا هذه الحرب، ومازال الحال على ما هو. السلطة مازالت تحت سيطرة هؤلاء الأشخاص ولم يتغير شيء. بينما المرأة اللبنانية تجدها ناجحة في جميع القطاعات بشكل مميز حتى أنها قد تسابق الرجال؛ فمثلا أكثر من خمسين بالمئة في القضاء هنّ نساء، وفِي الاقتصاد تجدها ناجحة وعلى رأس شركات كبيرة ناجحة وناظمة، هذا كله جعل المرأة تنكفئ نحو التقدم باتجاه السلطة لكي لا تنغمس بصورتها التي طغى عليها الفساد الشامل للأسف. كما أن هنالك كوتا طائفية في البرلمان اللبناني، فلكل طائفة كوتا عددية معينة من المقاعد متساوية بين الأحزاب الطائفية، ولكن من هي هذه الطائفة التي ستحذف الرجل الذي يسهّل أمورها، وتعطي المكان والمكانة والحق للمرأة؟

 

 

كيف تنظرين لنظام الكوتا البرلمانية؟ وهل للطائفية دور في تهميش المرأة اللبنانية سياسياً؟

لقد أثبتت التجارب العالمية بأن الخطوة الضرورية لخرق الحاجز الأسمنتي الذي أشاده الرجل عبر التاريخ، هي فرض كوتا نسائية بنسبة مبدئية 30% ريثما يتعوٓد الرجل على وجودها ويصبح عملها في القرار السياسي طبيعيا ويتكامل مع عمل الرجل؛ لأن كلاهما يشكل هذا المجتمع ويتأثران بالقرارات السياسية. وكما أشرت سابقا فإن الكوتا الطائفية في البرلمان هي السبب المباشر لعدم وصول المرأة إلى مراكز القرار.

 

 

هل تلعب التهديدات الأمنية في لبنان دوراً ما في تراجع المرأة عن اقتحام الميدان السياسي؟ وماذا عنك في هذا الإطار؟

لا أظن بأن التهديدات الأمنية تمثل عائقاً أمام المرأة اللبنانية؛ لأننا أمضينا حياتنا في هذا الجو وأصبح من طبيعة حياتنا. إنما المرأة التي تختار الاتجاه نحو العمل السياسي، لابد وأن تكون على دراية لطبيعة هذا العمل والمخاطر التي قد تواجهها، ولا أظن هذه الحقيقة قد تشكل عائقا في وجهها. وهذا الأمر ينطبق عليّ أيضا .

 

ما الذي يمكن اعتباره واحداً من أشد وأعنف أشكال التمييز ضد المرأة  في لبنان من وجهة نظرك؟ 

أعنف أشكال التمييز ضد المرأة اللبنانية في اعتقادي هو عدم قدرتها إعطاء جنسيتها لأولادها، لما يؤثر ذلك على حياتها بشكل مباشر، ويسبب لها ولعائلتها مشاكل اجتماعية واقتصادية وحقوقية كذلك.

 

إلى أي حد تتعدد أسباب تراجع ثقة اللبنانيات في العملية السياسية برمتها في البلاد؟

اللبنانيون؛ نساء ورجالا بشكل عام، فقدوا الثقة بالعملية السياسية في وطنهم، وذلك بسبب خرق السلطة لكل ما هو دستوري في أكثر من استحقاق، ضاربين بعرض الحائط اعتراض المواطنين، مما سبب هوة كبيرة بين الشعب والسلطة.

 

ماذا أفادتك التجربة النيابية على المستوى الشخصي؟ وما الذي لمسته داخل أروقة لبنان السياسية؟

لقد ترشحت على الانتخابات النيابية في العام 2013 عندما مدد المجلس لنفسه، فلم تحصل انتخابات، كما تكررت هذه القضية في 2014 حيث ترشحت للمرة الثانية ولم تحصل انتخابات. لذا لم أختبر العمل التشريعي شخصيا وأتمنى أن تتاح الفرصة الحقيقية لاختباره خلال الانتخابات القادمة في 2018.

 

من واقع تجاربك كمنسقة ومستشارة لمنظمات نسائيةعالمية، ما الذي ينقص المرأة العربية عموماً واللبنانية خصوصاً لتحتل مكانتها اللائقة على المستوى الرسمي والشعبي؟ 

الذي ينقص المرأة يا صديقي في مجتمعاتنا العربية هو بنفس الوقت ينقص الرجل… لذا فإن الذي ينقص هذه المجتمعات هو الثقافة والوعي بأن الرجل والمرأة معا يشكلان المجتمع، وأنهما يلعبان الدور التكاملي في هذا الإطار؛ فكل واحد لديه مسؤولية وواجب تجاه شريكه أو شريكته في هذه الحياة. وبرأيي أنه عندما يتكون لدى المواطن والمواطنة هذا المفهوم، تزول معظم العقبات التي تواجه المرأة نحو شغل المراكز القيادية في السلطة.

 

 

من وجهة نظرك، ما نوع التأثير الذي أحدثته ثورات الربيع العربي في الواقع السياسي للمرأة العربية؟ وماذا عن واقع اللبنانيات في هذا الإطار؟

الثورات العربية كانت ثورات على الحكم الاستبدادي الذي عانت منه بلادنا، ولكن للأسف وقعت هذه الثورات نفسها  في فخ الاستبداد بوجه أكثر قساوة وظلما. ولكن تزامن الانفتاح التكنولوجي وسهولة تواصل المجتمعات مع بعضها، بالإضافة لاهتمام المجتمع الدولي بوصول المرأة إلى مراكز القرار، كل هذا شكل حافزاً  لدى المرأة العربية لتأخذ المبادرة وتناضل، لكي تأخذ مكانها في مواقع القرار. هي حتى الآن ليست فاعلة مقارنة بالرجل في هذه المواقع، ولكنها تترأس لجاناً مما يدعمها في مسيرتها السياسية.

 

من خلال قناعاتك الخاصة، ما الدلالات المغلوطة التي تحملها صورة المرأة اللبنانية المتداولة محلياً وعربياً؟ 

كلنا نعرف بأن الإعلام هو رأس الحربة في تشكيل المفاهيم وتحريك الرأي العام. وللأسف إعلامنا يصور المرأة اللبنانية في معظم الأوقات وكأنها هذه اللعبة الجميلة أو الفنانة “وهذا خيارها” ولكن المرأة اللبنانية هي أكثر من مجرد امرأة أنيقة وجميلة، هي ناجحة في الاقتصاد والاجتماع والحبل الأكاديمي، كما أن أكثر من خمسين بالمئة من الجسم القضائي هن نساء. كل هذا لا يسلط الضوء عليه فيحصر هذا الإعلام المرأة في خانة الشكل فقط.. هذا برأيي أحد أسباب إشكالية غياب المرأة عن مراكز القرار في لبنان.

 

من جهتك، كيف يمكن للمرأة اللبنانية تجاوز الإشكاليات الطائفية خلال دفاعها عن حقوقها مجملة وخلال أدائها دورها المجتمعي؟

لقد أجبت بأنها مشكلة مجتمع وليست امرأة، وعندما نفصل الدين عن الدولة، ويصبح الفصل في أمور المرأة هو القانون وليس الأحوال الشخصية، ساعتها لن يعود للطائفة تأثير مباشر على حياتها، وحتى في مسيرتها السياسية لن يعود هنالك كوتا طائفية على المقاعد النيابية، ومن ثم يصبح تطورها السياسي طبيعياً وتصبح العقبات ألطف وأخف وطأة.

 

يؤكد البعض أن حقوق المرأة في لبنان لاتزال أسيرة انتهاك القوانين الفرنسية القديمة.. ما رأيك في هذا؟

نعم للأسف؛ فمنذ أيام الفرنسيين لم تتطور قوانيننا، ودائما تجد هذه السلطة الأعذار لغض الطرف عن تحديث هذه القوانين والعمل على تطويرها أو تعديلها لتواكب عصرنا هذا، والسبب ببساطة شديدة أن تلك القوانين البالية تحافظ على مواقع أصحاب النفوذ وتزيد من مكاسبهم.

 

ما الدافع  إلى إصدار كتابك الجديد “المرأة والسياسة في لبنان”؟ وهل هناك  أسباب خاصة وراء هذا الإصدار؟ وما الرسالة التي يحملها الكتاب للقراء؟ 

“المرأة والسياسة في لبنان” هو كتاب علمي، مع نبذة قصيرة عن حياتي، تُظهر تأثير تراكمات التقاليد في توجيه حياتنا نحو قيود أكثر، مما تشكلت معه أزمات وعقبات في وجه المرأة بشكل عام. كما أن هذا الكتاب يتحدث عن الدستور اللبناني وقوانين الأحوال الشخصية وتأثير الأديان على حياتنا؛  أو بالأحرى تأثير بعض رجال الدين، كما يتحدث عن المواثيق والعهود الدولية التي صادق عليها لبنان…

الكتاب أيضاً يعدد الحقوق التي حصلت عليها المرأة اللبنانية وتلك التي حرمت منها، هذا بالإضافة لبعض المقابلات مع مسؤولي صف أول في الأحزاب حول رأيهم بالكوتا النسائية في قانون الانتخاب اللبناني.

 

ماذا عن معركتك الانتخابية القادمة، وهل هناك استراتيجية جديدة للحضور بشكل أكثر قوة وفاعلية؟ 

إن تأثير الطوائف والأحزاب الطائفية في مجتمعنا تسبب في حدوث انقسامات أفقية وعمودية، مما كوّن شعوراً لدى المواطن والمواطنة بأنهم بحاجة حتمية لزعيم الطائفة، ظنا منهم أنه يحمي وجودهم من الآخر.. لذا فإن خوض الانتخابات في ظل هذا الواقع وظل قانون الانتخاب النسبي الجديد لن يأتي بالتغيير الذي نطمح إليه جميعا، ومن ثم فإن استراتيجيتي هي تشكيل لائحة نسائية تتضمن نساء لهن حيثية اجتماعية وخلفية سياسية متمكنة، مما يساعد على تقديم بدائل جديرة باحترام وتقدير الناخب، وتكون جادة في تقديم برنامجها بشكل حقيقي بعيداً عن النفاق والمراوغة وهذا ما سيلتمسه الناخب… وأتمنى أن تكون رؤيتنا صائبة، ومن جهتي أؤمن شخصياً بأنها صائبة.

 

في الختام، هل تراهنين دوماً على حضورك المجتمعي الفاعل بين الأسر اللبنانية في حسم معاركك الانتخابية؟ وما هدفك الأسمى من وراء العمل السياسي؟  

دائما يحكم الناس على الشخص من خلال تاريخه، والحمد لله فإن تاريخي يتحدث عني ولن أتحدث عنه.. نحن في بلد لم يستطع أن يخرج من الحرب. حتى وإن كان هنالك هدوء نسبي في بعض الأحيان إلا أن شبح الحرب يخيم علينا عند اقتراب كل استحقاق… عندما أصل إلى سدة البرلمان سأكون من الأشخاص الأساسيين في تغيير هذا الواقع!

الوسوم

اترك رد