مجتمع

المرأة المغربية في 2017: فواجع حفرت في الذاكرة

مجتمع

سعيد غيدَّى- المغرب- مجلة ميم 

شهدت سنة 2017 أحداثا ومآسٍ هزت الرأي العام المغربي والدولي، كانت المرأة هي بطلة كل هذه الحكايات إعلاميا، ونفسها الضحية اجتماعيا واقتصاديا، أحداث قوية متواترة في زمن قياسي في المغرب، أغلب أسبابها الفقر والحاجة، رغم شعار التنمية البشرية الذي ترفعه الدولة المغربية دوليا، لكن واقع المآسي والأحداث المؤلمة التي تطرأ، تكذب كل خطابات الدولة، وفشل النموذج الاقتصادي والاجتماعي، في الأخير تجد الدولة نفسها متورطة ومتهمة بتواطؤها وبسياساتها الريعية التي تزيد من حجم الهوة بين التشكيلات الاجتماعية داخلها.

مي فتيحة

من بين أبرز هذه الأحداث المأساوية، فاجعة انتحار “مي فتيحة” بائعة حلوى في حي فقير اسمه أولاد مبارك بمدينة القنيطرة غرب المغرب، احرقت “مي فتيحة” جسدها يوم السبت 9 أبريل/نيسان 2017، وفارقت الحياة يومين بعد نقلها إلى المستشفى. تاركة ابنتها الوحيدة التي تعيلها، بعد أن فقدت زوجها. وحسب القصة فإن الأسباب تعود إلى مصادرة السلطات لحلوياتها، وتعرضها للإهانة بعد محاولات كثيرة لاسترداد سلعتها.

بتاريخ 24 نيسان/ أبريل 2017، حاولت سيدة خمسينية، اسمها “مي عيشة” الانتحار بعد صعودها لعمود كهربائي بالعاصمة الرباط، امرأة خمسينية، لم تستسغ قرارا قضائيا، أصدرته المحكمة قضى بمصادرة أراض في ملكيتها لصالح أشخاص نافذين، حملت معها البنزين والولاعة والعلم المغربي، وتسلقت العمود مهددة بالانتحار من فوق، لكن تدخل محام مغربي بتبني ملفها طمأنها وعدلت في الأخير عن خطوتها الانتحارية.

 

 

في اغسطس غشت 2017 الأخير، توفيت سيدتان مغربيتان، بسبب تدافع ناتج عن الازدحام الكبير الذي يعرفه المعبر الحدودي باب سبتة، شمال المغرب، سيدتان في الأربعين من عمرهما، تعيشان بالتهريب المعيشي، على غرار آلاف النساء المغربيات في حدود المغرب إسبانيا، عند نقطتي مدينة سبتة ومليلية المحتلتين.

وقبل شهر بالتقريب، أي في صباح الأحد 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، وقعت مأساة جماعية في مدينة الصويرة جنوب شرق المغرب، ضحيتها 15 امرأة، لقين حتفهن في تدافع للحصول على “قفة الإحسان” بها مواد للتغدية، تتصدق بها جمعية دينية سنويا، لمساعدة الأرامل والمعوزات.

كانت هذه كلها مجمل المآسي والفواجع التي حدثت في سنة 2017 بالمغرب، كما أشرنا في تقديم هذا التقرير، ضحيتها المرأة المغربية، مجلة “ميم” نزلت إلى شوارع مختلف المدن المغربية، لتستطلع رأي مختلف الفئات حول هذه الأحداث.

 

أيوب تمجشت

أيوب تمجشت، شاب مجاز من منطقة تالوين، يرى من وجهة نظره أن: “ترابط جل هذه الأحداث مع المرأة، ليس ضربا سلبيا في حرمتها، بل هذا دليل على أن المرأة كانت ومازالت الأكثر نضالا على مر الزمن، أصبحت هي التي تخرج في الوقفات الإحتجاجية تندد بالأوضاع المزرية التي تعيشها هي، حدث موقف أثار انتباهي في الايام الفارطة، قرب جماعة إنزڭان بأڭادير، مررت قرابة وقفة إحتجاجية نسائية 100%، لم يكن بينهن رجل واحد وكلهن ملثمات، يطالبن الجهات المختصة بتزويدهن بالماء والكهرباء لمساكنهن، هذا يدل على شيء واحد، أن النساء هن الأكثر إحساسا بالمحن، وصاحبات المبادرة”.

 

 

 

حسناء أيت الحسن

بكثير من الحسرة والسخرية، عبرت حسناء أيت الحسن، طالبة هندسة من مدينة أكادير، بالقول: “من المضحك جدا أن أخبر أحدهم أننا في القرن الـ21، ولا أستطيع أن أعبر بكل أريحية عما يحدث في بلدي من أحداث متتابعة، إذ أننا لا ننفك من الخوض في فاجعة حتى نسمع عن أخرى.

ومن المخجل جدا أن تكون أغلب الأرواح التي فقدناها وسنفقدها، نساء كان مطلبهن الوحيد العيش بكرامة، بعد كل هذه السنين مازالت نساء البلاد العاملات في الحواضر والأرياف يشقين لأنهن أعمدة البيوت أو البيت كله أحيانا كثيرة، يعملن حتى الموت.

ليست طبيعة العمل من دفعت بـ”مي فتيحة” إلى الانتحار، ولا التسبب في مقتل امرأتي سبتة أو نساء الصويرة، بل الكرامة التي تفتقدها المرأة في الشارع والجوع وقلة الحيلة..

 

كلها أسباب رمت بهن جميعا إلى حضن الموت. في خضم كل هذا البؤس الذي يتوالى على مدار السنة، ندخل إلى بيوتنا آمنين مطمئنين، نحتسي أكواب القهوة الدافئة، ونجلس أمام الحواسيب لنتضامن مع كل ضحايا الوطن نساء ورجالا ونهلل بأسمائهم أسبوعا أو أسبوعين ثم ننصرف إلى أشغالنا دون أن يتغير شيء.

لقد أصبحنا قساة على غفلة منا، منظر الدماء ومفاهيم الحرب والموت لم تعد تحرك فينا شيئا، ونضالاتنا من أجل الكرامة أحرف من غاز، تتبخر بعد ثوان من لفظها…  نحن أبناء هذا الجيل أصبحنا لا مبالين من فرط العجز الذي نشعر به”.

 

سمية الإمام

من الرباط، قالت سمية الإمام، طالبة المدرسة العليا للأساتذة: “جميع هذه الأحداث إن كانت توحي لنا بشيء ما، فهي لا توحي سوى بمقدار القهر والضغوط التي تتلقاها المرأة على كاهلها، في مجتمع يلقي بجل مسؤولياته على عاتقها.

أي نعم الظروف الاقتصادية ساهمت في المآسي التي عاشتها هؤلاء النساء، لكني أعتقد أن التي ماتت في سبيل كسرة خبز أو بعض الدرهيمات أو حتى انتحارا، كانت تلك هي طريقتها الواحدة والوحيدة لتخبرنا جميعا أنها تعبت!

وأعتقد كذلك أنه لم يعد مجديا جرد الأسباب وتقصي الحالات أو حتى تعداد النتائج. لا يعقل أبدا وليس من المسموح أن نتجاوز عن هذه المشاكل أو أن نزيح عنها النظر!

لمحاربة الفقر والتهميش، علينا أن نعزز لغة الحوار، أن نشجع على الإنصات والتواصل، وعلى الوعي والتعليم، أن نخلق فرصا للشغل ونحث الشباب على العمل، أن نحارب كل أشكال العنف معنويا كان أو جسديا أو ماديا”.

نجاة رحمان

 

باختصار شديد، علقت نجاة رحمان على الموضوع بكونه: “يكشف أولا؛ على ظاهرة الاتكالية في المجتمع المغربي، حيث صارت المرأة هي المعيل الوحيد لأسر مكونة من أفراد كُثر، ثانيا توسع وارتفاع نسبة الفقر والأمية”.

 

 

 

حسناء مستعد

بالنسبة لها؛ رأت حسناء مستعد، ناشطة سياسية وإطار في شركة أن: “هذه الأحداث الأخيرة التي كانت فيها المرأة ضحية لممارسات، كانت سببا في مقتل مجموعة من النساء، هي استمرار لما يعانيه المواطن المغربي بشكل عام من اضطهاد وتفقير وغياب للعدالة الاجتماعية.

أكيد أن المرأة تعاني أكثر بحكم أنها الحلقة الأضعف داخل مجتمع ذكوري متخلف، فهي إضافة إلى معاناتها من أجل توفير لقمة العيش، أصبحت المعيل الوحيد داخل العديد من الأسر المغربية، فهي تتعرض كذلك لمجموعة من الممارسات غير الأخلاقية، التي تحط من قيمتها، بسبب الفكر الذكوري المتخلف الذي لازال منتشرا داخل المجتمع الذي ينظر إلى المرأة ككائن من الدرجة الثانية وأنها لا تتمتع بنفس درجة الحقوق التي عند الرجل.

فهي رغم أنها أصبحت تتقاسم مع الرجل نفس الواجبات غير أنها لا تحظى بنفس الحقوق”.

مؤكدة أن “ما نعيشه من مآس وأحداث تحط من كرامة المواطن وأحيانا كثيرة، تكون سببا في موته، هو نتيجة سياسة تنهجها الدولة هدفها تجويع الشعب، بغرض إلهائه بالبحث عن لقمة العيش حتى ولو كانت بطريقة تقل من كرامته”.

سارة ضِرار

من مدينة كلميم جنوب المغرب، تفاعلت أستاذة مادة الاقتصاد، سارة ضرار مع الحدث معبرة: “تلك مجرد عينة نسوية من مغربنا المنسي، في طوابير الموت اليومي.. لا فرق بين “مي فتيحة”، أو “مي عايشة”، أو فقيدات سبتة، أو ضحايا الموت الجماعي بالصويرة..

لا عيب في الفقر الذي طالما عاشه المغاربة عقودا بكل مكابرة وكبرياء، لكن العيب اليوم في التفقير الممنهج الذي يطال الفئات المستضعفة، من نساء ورجال، بكل مهانة وإذلال..

والملاحظ أن كل هذه الأحداث المأساوية بصورها النسوية تحديدا هي حالات متشابهة تعاني مآلاتها الوضيعة، في مغرب الاستثناء العربي والإقلاع الاقتصادي والقمر الصناعي، تحت طائلة الشعارات الفارغة إلا من طلاءات ممسوخة لواقع الأمية والقهر والتجهيل والتهميش والموت المجاني”.

 

طارق الربح

طارق الربح، مدير دار الثقافة بمدينة بني ملال، تفاعل مع سؤالنا حول الموضوع، وقال مجيبا:

“ما نراه من عنف اليوم في مجتمعنا، ما هو إلا انعكاس لما تعيشه البلاد من احتقان وسوء أوضاع، وما يحيط بنا في العالم من فوضى وتسيب ودمار. وليس غريبا أن ينعكس ذلك كله بالسلب على نفسية وأفعال المجتمع بكل فئاته. لكن تبقى المرأة هي الأكثر تأثرا وتضررا من باقي الفئات المجتمعية. حيث نجد ان كل التأثيرات السلبية تنتهي إليها.

وتعبث بنفسيتها، وأحيانا عديدة تفتك بحياتها كما حدث مؤخرا في عدة حوادث..

مما لا شك فيه أن المرأة هي العنصر الأكثر تعرضا للمعاناة والقهر في مجتمعنا.  فالمرأة المغربية تعاني من كل ما يعاني منه الرجل، وتعاني من الرجل كذلك، وتستمر معاناتها مع أطفالها وبهم. بل وتعاني كونها مرأة وتعاني من اختها المرأة كذلك.  فكيف لا يسوء أمرها وأمر مجتمعنا معها؟”.

فهد الصايغ

“بالمثال يفهم المقال” هكذا افتتح فهد الصايغ، فنان من مدينة فاس، حديثه إلى المجلة:

“مثالا عن سيرورة المجتمع التي لا تتوقف، فقط تتغير أشكالها وتفترق وتلتقي…  وعندما تمنع حركة السيل فإنه يحتقن، ويبحث عن منفذ، قد يتشبع به الصخر فيزداد صلابة، وقد يخرج من فوهات السد يولد طاقة مصطنعة… لكنه أبدا لا يتوقف…

والأكثر خفة واختلاطا بالفقاعات والأكثر هشاشة سيفيض ملقيا بنفسه من المكان الشاهق، وفي مجتمع حلقته الأضعف هي المرأة، تضحي بنفسها وتعطي الناس عزاء ويبقى المجتمع، تضحي بنفسها وتعطي للناس لحظات تفكير لعلهم يجدون حلولا ومخارج للأزمة، تضحي بنفسها قهرا ويحيا المجتمع المحتقن، تقدم نفسها قربانا وهكذا رأيت نساء كثيرات يفعلن مدركات أو منساقات إلى محرقة المعبد، مي فتيحة مسيح هذا المجتمع.

وبعد القربان والآن فلينزل المطر بسلام على أرواح كانت مقيدة… فلينزل بكل الحب”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد