ثقافة

الجامعيّون والثورة في الوطن العربي .. العجز والتحيّز للاستبداد

#الثورة_التونسية

 

سليمة كراك- مجلة ميم

عند وضع كلمة “الثورات العربيّة” على محرّكات البحث لقراءة أبرز الإصدارات التي تناولت بالتحليل وبالعمق المطلوب ضمن شروط الأكاديميا الصارمة حركة الشارع العربي بعد تاريخ 17 ديسمبر يوم الشرارة الأولى من مدينة سيدي بوزيد، سيتفاجؤ الباحث بالكمّ الهائل من الدراسات والكتب الغربيّة التي تناولت هذا المبحث من زوايا مختلفة.

أمّا عربيّا فيبدو واضحا غياب الجامعيين والمثقّفين العرب الذين حضروا في الغالب كمشيطنين للثورات، فأين ذهب المثقّفون العرب وما الذي يشغل الجامعيين ووحدات البحث العربيّة عن التعامل مع حدث فارق كهذا؟

 

تأتي الإجابة على سؤال موقع الجامعيين والأكاديميا العربيّة من الثورات سابقة لـ”الحدث” (الثورات) في حدّ ذاته وقد إختزلها المؤرّخ التونسي الدكتور هشام جعيّط ذات مرّة في تصريح صحفي بقوله “ليس لدينا جامعيّون، بل موظّفون ينهشون بعضهم بعضا”.

قد تبدو إجابة مربكة ولكنّها الأقرب إلى الحقيقة فـ”موت السياسة” في الوطن العربي لعقود من حكم الدكتاتوريّة أنهى أدوار الجامعة والجامعيّين في إنتاج المعرفة والإبستيمولوجيا وحوّل الجامعيّين وجامعاتهم إلى “غرف خلفيّة” للإرقتاء الإجتماعي المشروط وللهيمنة على المجال العام عبر تطويع الثقافة والأكاديميا.

 

“الأكاديميا المستقيلة” كما يسمّيها البعض لم تكن في الواقع خارج دائرة السياسة كما هو الحال بالنسبة إلى الثورة فقد تحوّلت بفعل طبيعة النظم التي قتلت السياسة والإبداع إلى أداة غليظة لدى النظام المستبد.

الفيلسوف الفرنسي-الجزائري لوي ألتوسير يعتبر أن النظام الفاشي يقوم على جهازين، الأوّل “إيديولوجي” يبرّر السياسات ويزيّنها بقوالب ثقافويّة، والثاني “قمعي” يمارس العنف والقمع تحت غطاء “الأمن العام” و”محاربة الفوضى”.

وإذا كان الجهاز الثاني معلوم الأركان بالضرورة، فإنّ الجامعيين يشكّلون النواة الصلبة للجهاز الأوّل حتّى بتنا نتحدّث عن “بوليس إيديولوجي للنظام القمعي” يشمل آخرين أيضا يتمّ ترويجهم وزرعهم في ميادين مختلفة على أنّهم “النخبة”.

تجاوز حدث الثورة في الوطن العربي الجامعيين بأشواط، بل إنّ الحدث في حدّ ذاته قد سفّه نظرياتهم الكثيرة عن “قابليّة الخضوع” و”القابليّة للإستبداد” وعن “اللاّمبالات بالسياسة” لدى الشعوب العربيّة.

الحدث الفارق تجاوز الجميع في الواقع، تنظيما وتنظيرا. فقد رسمت الجماهير العربيّة ملامح ثورات القرن الواحد والعشرين من خارج الأطر التنظيميّة ومن خارج الكرّاسات والتنظيرات السابقة. حتّى التعريف القديم لمصطلح “ثورة” لم يعد قادرا على فهم وتفكيك الديناميكيّة الجديدة التي دشّنها مسار 17 ديسمبر من تونس وطال ليبيا ومصر واليمن وسوريا.

 

طبيعة العلاقة الإجتماعيّة-الإقتصاديّة بالنظم الدكتاتوريّة، إضافة إلى طبيعة العلاقة السياسيّة- الوظيفيّة لأغلب الجامعيين بالنظم القديمة لم تساهم فقط في إستقالة هؤلاء عن أدوارهم في الثورة وبعدها، بل وحوّلتهم إلى أشدّ المعارضين الذين يرجمون الشعوب والثورات مجدّدا بشتّى النعوت، عاجزين عن فهم وتفكيك الزمن السياسي الجديد الذي ينهي الطغيان ويدشّن زمن المواطنين في الوطن العربي. ففي مصر مثلا تحوّل أغلب الجامعيين إلى مبرّرين لعسكرة السياسة.

 

“مانيفستو الشعب يريد إسقاط النظام” الذي صدحت به حناجر المنتفضين في الثورات العربيّة مثّل الكلمة المفتاح وبداية الطريق، فهو الشعار الذي أعلن الثورة من خارج “النظم المعرفيّة” السائدة ومن خارج “التنظيمات” الشكليّة المتوارثة ولا يزال.

 

ليست المصالح المباشرة من الإستبداد والنظم القديمة ومخلّفات تلك النظم نفسها وحدها الأسباب التي أدّت إلى إستقالة الجامعيين ومهاجمتهم للثورات العربيّة، بل ولأنّ الجهاز المفاهيمي القيدم بحدّ ذاته قد أصبح عاجزا عن فهم ثورات القرن الواحد والعشرين التي إجترحت أساليبها الخاصّة وشعاراتها الخاصّة وحتّى وسائلها الخاصّة وإستجمعتها كلّها لتحوّلها إلى بركان يسقط طغاة لم يكون يرون الشعوب قادرة على فعل ذلك.

 

“مانيفستو الشعب يريد إسقاط النظام” الذي صدحت به حناجر المنتفضين في الثورات العربيّة مثّل الكلمة المفتاح وبداية الطريق، فهو الشعار الذي أعلن الثورة من خارج “النظم المعرفيّة” السائدة ومن خارج “التنظيمات” الشكليّة المتوارثة ولا يزال.

 

فالأكاديميا والجامعيون لطالما كانوا عاجزين عن فهم “قوانين ديناميكيّة” المساحات الإجتماعيّة الفارغة التي تكون على “هامش” السلطة/المركز، ليجدوا أنفسهم أمام ثورات حوّلت هذه المساحات إلى “مجالات حيويّة” جديدة يعبّر الشارع العربي من خلالها عن نفسه.

 

هناك عنوان آخر يفسّر إستقالة الجامعيين عن الثورة في الوطن العربي وفي كلّ “جنوب الجغرافيا”، وهو الإرتباط بالمستعمر وبالآخر الغربي الذي حوّل كثيرين إلى “مخبر محلّي” كما يسمّيه المفكّر الديكولونيالي حميد دبّاشي.

وهو تفسير يزيد من أهميّته توظيف الشوارع والساحات المنتفضة لوسائل العولمة للهيمنة كأدوات مضادّة لهذه الهيمنة، على غرار شبكات التواصل الإجتماعي ومدارج كرة القدم وغيرها، فالجامعيّون العرب أو أغلبهم على الأقل قد سقطوا بشكل من الأشكال في مربّع “التحيّز الثقافي” الغربي المعادي لثقافتهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد