مجتمع

قصّة البوعزيزي أيقونة الثورات العربيّة: “كادح سريع الغضب لا يقيم للدنيا وزنا”

اليوم، 17 ديسمبر، ذكرى اندلاع الثورة التونسية

 

مع إنتصاف شهر ديسمبر سنة 2010، كانت ولاية سيدي بوزيد وجهة عدد من المشاركين في مناظرة “الكاباس” الذين تنادوا إلى هناك لتنظيم مسيرة إحتجاجيّة على خلفيّة إستشراء ظاهرة الفساد التي تنخر المناظرات الوطنية وطول فترة البطالة التي أصبحت تشل حركة أصحاب الشهائد العليا، كانت مسيرة سلميّة وصاخبة إكتفت أجهزة الأمن بمراقبتها وتسجيل كل تفصيل صغير من تفاصيلها، كما يحدث دائما حتّى تهدأ الأجواء، ثم تنطلق حملة الإعتقالات من المنازل والشوارع والمقاهي لأبرز المشاركين فيها.

الشرطية فادية حمدي

بعدها مباشرة عاد الهدوء نسبيا للجهة، وعادت الحياة طبيعيّة إلى حدود يوم الجمعة 17 ديسمبر، بعد مسيرة أصحاب الشهائد العليا المعطّلين عن العمل بنحو 72 ساعة، كان الطقس باردا تحت رذاذ متقطّع من المطر حين خرجت دوريّة روتينيّة للشرطة البلديّة في حملة مراقبة لبعض الباعة المتجوّلين، ومن بينهم الشرطيّة فادية حمدي التي لم تأب أن تمرّ على عربة شاب في السادسة والعشرين من عمره يعيل أمّه وأخواته البنات دون أن تحجز آلة الوزن التي كان يستعملها.

ما تلى حجز آلة الوزن تجاوز حدود الولاية والدولة، ليهزّ أركان العالم في واحدة من أعظم الثورات في التاريخ التي أنهت نحو 23 سنة من حكم زين العابدين بن علي بالحديد والنار، وقطعت على إثره تونس وهي لاتزال في طريقها إلى ذلك مع نحو ستة عقود من القمع والإستبداد والفساد السياسي والمالي والإقتصادي والتنموي وغيرها.

 

ولد الشهيد محمد البوعزيزي في 29 مارس 1984، وإسمه الحقيقي في الوثائق الرسميّة طارق البوعزيزي، من أسرة تتكوّن من تسعة أفراد تشكو من ضيق الحال ومن بطالة الأبناء المطوّلة، في منتصف نهار السابع عشر من شهر ديسمبر قبل سبع سنوات، ولمّا حاول ثني الشرطيّة فادية حمدي عن مصادرة عربته وخضاره تعرّض لصفعة من طرفها أمام أنظار كلّ من في المكان، صفعة إستشاط لها غضبا ليحرق نفسه أمام مقرّ الولاية مفجّرا ثورة في البلاد.

قبل الوصول إلى الحادثة التي مثّلت شرارة الثورة، يروي أصدقاء البوعزيزي في “سوق الجملة” /سوق الخضار بولاية سيدي بوزيد، تفاصيل حياة الشهيد الذي تحوّل إلى أيقونة للثورة.

الأسعد البوعزيزي

السجين السياسي السابق الأسعد البوعزيزي الذي كان مجبرا على الإشتغال في السوق، هو الآخر بسبب منعه من مزاولة أي نشاط آخر يعيل منه أسرته كان أحد المقرّبين من الشهيد، يروي لـ”ميم” أنّ الشهيد كان يكنّى بين الباعة بـ”بسبوسة”، وكان من أبرز صفاته أنّه سريع الغضب لا يقبل المسّ من سمعته أو إفتكاك حقوقه أو الإعتداء عليه بأي شكل من الأشكال.

يضيف الأسعد أن الشهيد كان لا يقيم للدنيا وزنا رغم ضيق الحال وقصر اليد، وقد عرف بين أقرانه بكرمه، لا يتراجع عن قراراته وقد حوّلته ظروف الحياة إلى شخص صلب لا يخشى الموت مشيرا إلى أنه لم يعرف عليه أنه كان ممّن يخشون بطش السلطة وأعوانها، أو من الذين يسيطر الخوف على قلوبهم.

“عندما اعتدي على شقيقي محمد وأهين لم يتحمل ذلك، وهو من اسرة كبيرة ردت الاهانة وهاجمت مقر ولاية سيدي بوزيد”، هكذا تحدّثت ليلى البوعزيزي شقيقة الشهيد متحدّثة عن يوم 17 ديسمبر، أمّا عن شقيقها نفسه، فتقول: “كان محمد مجتهدا في دراسته منذ صغره الى جانب انه كان يعمل، وفي سن الـ 18 قطع الدراسة لأن الظروف المعيشية لم تسمح له بذلك، فقد كان عليه ان يعمل لينفق على اشقائه حيث ان الوالد متوفّ منذ طفولته”، وعن فكرة تفكيره سابقا في الإنتحار، فتقول: “لم يكن محمد لديه هذه الفكرة، فقد كان راضيا بحياته وإن كانت الدنيا قد ضاقت به، فقد ذهب ليعمل حيث تلقى من اعوان الامن ومنهم امرأة الإهانة، لقد تطاولوا عليه واعتدوا عليه”.

 

خلّد محمّد البوعزيزي إسمه في التاريخ شرارة للثورات العربية من ولاية سيدي بوزيد، إحدى أكثر الولايات التونسيّة تهميشا، ولا يزال بعد 7 سنوات من حادثة إحتراقه أيقونة لنهضة عربيّة في القرن الواحد والعشرين، تنهي بطش الدكتاتور وتسترجع بموجبها الشعوب حق قرير المصير وحقّها في وطن تعيش فيه، لا ذلك الوطن الذي يطردها بشكل أو بآخر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد