مجتمعالرئيسيغير مصنف

المرأة الفلسطينية والأنوثة المتفوقة

#عربيات_ضد_التطبيع

 

تولد جميع النساء نساء، إلا نساء فلسطين يولدن جبالا شامخات، يحملن الهمّ والأثقال، حمل الوطن حمل ثقيل تنأى عن حمله الجبال، ومع ذلك تكبر المرأة الفلسطينية على أنّ فلسطين قضية وجود حتى الممات.

يحدثنا التاريخ عن سيرة فلسطينيات مقاومات فيما تعيش أخريات في العتمة، هنّ أيضا مقاومات ومناضلات، لا يهمّ أن يعرفن وأن يتداول الإعلام أسماءهن، يكفي أن لا يُنسى اسم فلسطين وهو كلّ الأسماء.

ليلى خالد ودلال المغربي ووفاء ادريس وأسماء أخرى، خطفت سيرتهن الشهرة والأضواء من نساء كثيرات مرابطات وقابضات على الجمر من أجل حرية الوطن، مرابطات الأقصى وأمهات الأسرى والشهداء والأسيرات في سجون الاحتلال، لا يهمّ أن تعرف المرأة الفلسطينية باسمها، المهمّ أن تعرف بقضيتها.

 

 

تتجاوز المرأة الفلسطينية حيّز أنوثتها فهي لم تولد للترف والبهرج، تركت هذا للأميرات وجواري القصور الملكية اللواتي يحفظن أسماء العطور الفرنسية وآخر الماركات العالمية، أمّا نساء فلسطين يكفي أن تعرف كيف الواحدة منهن تربّي جيلا على الانتفاضة والثورة، يرضعن أولادهن حليب المقاومة من أجل فلسطين الصامدة، يدربن الأبناء على استرجاع يافا وعكا وحيفا وغيرها من المدن المحتلة، فلا غرابة أن لا يسمي الفتى الفلسطيني الكيان الصهيوني بإسرائيل، هو الكيان المحتل والغاصب وستعود الأرض إلى الأبناء.

اكتشفنا قبل سنتين موفى 2015 جميلات فلسطينيات يمكن أن تكون بعضهن عارضات أزياء بقوامهن الممشوق وجمالهن الباهر وابتسامتهن الساحرة، عارضات أزياء تتخاطف وكالات الأنباء أخبارهن فلم يغرهن الجمال بل اخترن طواعية أن يلتحفن الكوفية ويخرجن إلى الشوارع لضرب جنود الاحتلال بالحجارة ويساعدن الشباب في إعداد الزجاجات الحارقة، ويبتسمن رافعات شارة النصر يغظن العدوّ الذي لم يكسر شوكتهن رغم بشاعة جرائمه ضدّهن.

 

 

وفي هذه الأيّام، نكتشف شجاعة نساء الأقصى المرابطات وأول حصونه وآخرها، يتحدين الاحتلال في شجاعة نادرة لو فرقت شجاعتهن على الأمة لكفت، تفتح المرأة الفلسطينية الدفاتر العربية القديمة حول الأنوثة الخاضعة والذكورة المسيطرة، فتقلب جميع الموازين، ما معنى أن تكون الأنوثة خاضعة وهي من تدرب شعبا على الصمود والبقاء، وما معنى أن تكون المرأة تابعا وكائنا دونيا وهي في صدارة المظاهرات تلهب حماس إخوتها الرجال.

 

مع المرأة الفلسطينية يمكن أن نفتح فصلا جديدا من” الأنوثة المتفوقة”، خارج صالونات الفنادق وخطابات النسويات حول الحجاب والسفور

 

في الحالة الفلسطينية فقط، يمكن أن نؤسس لمفهوم جديد في الثقافة العربية “الأنوثة المتفوقة”، أي المرأة التي تعلم أنّها أنثى فتثمن أنوثتها، تلتصق بها ولا تتخلى عنها، هي الأمّ التي تحبل وتلد وتقاوم الاحتلال بالنسل، فالتناسل سرّ الخلود قال درويش، فأكملت المرأة الفلسطينية مشوار الخلود، فلا يمكن للشعب الفلسطيني أن يندثر أو يتناقص، وإن استشهد طفل فإخوته قادمون وهم مشاريع استشهاد.

 

 

تتخلص المرأة الفلسطينية في معركتها ضدّ الاحتلال من كليشهات الثقافة الذكورية، فيتحدين العرف والعادات، هي تناضل في كلّ الساحات، ترفع صوتها بالغناء، أصابعها بالرسم والكتابة ويديها بالسلاح، تزاحم الرجال في الساحات والمظاهرات، إنّها تتجاوز جسدها الأنثوي عقدة بعض العرب الذين مازالوا أسرى شهوانية النهد والكعب، إلى جسد آخر يروي سردية تاريخ المقاومة في فلسطين، إنّه جسد مؤنث بقضيته لا بفتنة الأنثى وغنجها، إنّه جسد مقاوم لا يعترف بحدود الجندر، فإن تعلق الأمر بالأرض لا فرق بين رجل وإمرأة إلا بالنضال، لذلك كنّ في الحركات المسلحة، ومن أجل هذا درّب عز الدين القسام رفيقاته  على السلاح إيمانا أنّ المرأة شريك في الوطن والنضال ليحملن بعد ذلك اسمه “رفيقات القسام”.

 

 

مع المرأة الفلسطينية يمكن أن نفتح فصلا جديدا من” الأنوثة المتفوقة”، خارج صالونات الفنادق وخطابات النسويات حول الحجاب والسفور، فلا فرق أن يغطى الشعر أو يكشف، فإنّ العورة في فلسطين أن لا تحمل المرأة الفلسطينية القضية وأن لا تجهز نفسها على الموت والفقد، فقد الأب أو الزوج والأبناء، إنّها أنوثة متفوقة تخرج من رحم الأرض التي ولدت بها فلا تنتظر الفلسطينية ناشطات أمريكا أو أوروبا ليتعلمن أشياء عن حقوقهن، إنها تعلم بقية النساء كيف يكن نساء.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.