مجتمع

الثورة كما ترويها النساء الضحايا .. البلد كانت جحيما في السجن وخارجه

17 ديسمبر: ذكرى اندلاع الثورة التونسية

 

كان “صفوان” البالغ من العمر 25 سنة في القاعة الرئيسيّة التي ستشهد أوّل شهادات علنيّة لضحايا القمع والإستبداد التي نظمتها هيئة الحقيقة والكرامة ضمن مسار العدالة الإنتقالية ليلة 17نوفمبر 2016، كان تلميذا في الباكالوريا عند إندلاع أحداث الثورة التي أطاحت بنظام بنعلي من الحكم بعد 23 سنة من الإستبداد، وكان أوّل عهده بدروب الحريّة المعمّدة بدماء الشهداء تمكّنه من الإنخراط في النشاط المدني ضمن واحدة من الجمعيات الكثيرة التي تأسست في البلاد سنة 2011.

صفوان دخل القاعة متذبذبا يترقّب الإستماع إلى الضحايا بعد أن كثر اللغط في وسائل الإعلام، وأصبح الحديث عن “إنتقال ديمقراطي” لا يعترف للضحايا ولا يحاسب من أجرموا في حقّ الشعب موضوعا مثيرا للريبة لديه ولدى الكثيرين من الذين تعلّقت كل أحلامهم بمناخات الحرية والديمقراطية والتعددية التي فرضها أطلس 17 ديسمبر واقعا جديدا في البلاد، حتّى عمّ الصمت المكان ووقف الجميع لتحيّة العلم، ثمّ تكلّمت رئيسة الهيئة باقتضاب، وبدأ واحد من أكثر المشاهد التي لم تحدث عربيّا مطلقا، الضحايا يكتبون تاريخهم ويعرّون تاريخا مزيّفا كتبه النظام.

 

في الجلسة خرجت “وريدة الكدّوسي” والدة الشهيد “رؤوف الكدّوسي” لتروي، وهي تكابد لمنع دموعها من الإنهمار فتمنعها من الكلام، حادثة إستهداف إبنها بالرصاص الحي في مدينة الرقاب من ولاية سيدي بوزيد يوم 8 جانفي 2011 وقتله بدم بارد ثمّ تركه على قارعة الطريق جثّة هامدة دون السماح لأصدقائه وأبناء حيّه من الإقتراب وإسعافه.

 

 

شهادة وريدة الكدّوسي لم تختلف كثيرا عن شهادة السيدة “ربح” والدة الشهيد صلاح الدشراوي، الذي أرداه الرصاص الحي في إحتجاجات شهدها “حي النور” من ولاية القصرين، قتل يليه منع المحتجّين وسيارات الإسعاف من الإقتراب، الأمر ليس مجرّد صدفة، فنفس الرواية وردت في ذات الجلسة على لسان والدة الشهيد أنيس الفرحاني الذي تم قنصه يوم 13 جانفي 2011 في أحد الأنهج بقلب العاصمة تونس فسكنت الرصاصة في ساقه، كان يمكن أن يتمّ إنقاذه فالإصابة لم تكن قاتلة غير أن منع أصدقائه من إسعافه لمدّة طويلة تسبب له في نزيف حاد.

 

 

سرديّة أحداث الثورة كما وردت على لسان أمّهات الشهداء ليست مجرّد سرد لوقائع تعكس توحّش النظام القمعي وتشبّثه بالكرسي حتّى بـ”قتل شعبه” إن لزم الأمر، فهي شهادات توجّه بوصلة السياسة وتضع أصابعها على “علل كثيرة” سقط فيها قطار الإنتقال الديمقراطي، من بينها ما يحصل من هرسلة وتشويه لعائلات الشهداء بنفس الطريقة أيضا، ناهيك عن الألم الذي تسببه رؤية وجوه النظم السابقة على الشاشات وعلى وجه الخصوص إفلات “الجناة” من العقاب وعدم إعتراف الدولة بقائمة للشهداء.

سرديّة الثورة لا تقتصر على رواية الأحداث بعد17 ديسمبر 2010، بل تعود إلى سنوات سابقة كان السجن والخوف والقمع والتهجير ناهيك عن التعذيب والإختفاء القسري أبرز صفاتها التي تبرع السلطة في إخفائها وراء “البطاقة البريديّة” لبلد “العصافير تزقزق والطقس جميل” على أنغام “بالأمن والأمان”.

زوجة كمال المطماطي الذي قتل في ولاية قابس جنوب البلاد، تحت التعذيب عام 1991، تقول في شهادتها إنها علمت بموت زوجها بعد الثورة فقط، أي بعد 20 سنة من فقدانه، والأغرب أنّ عناصر الأمن كانوا يطلبون منها جلب ثياب نظيفة لإيهامها بأن زوجها مازال على قيد الحياة رغم أنه قد فارق الدنيا منذ ليلته الأولى من شدّة وطأة التعذيب.

التعذيب لم يطل الشهيد كمال المطماطي قبل أن يكتم أنفاسه، بل تواصل مع أفراد عائلته بعد ذلك وهم الذين ظلّوا يطرقون كل الأبواب لزيارة المسجون دون أن تفتح ولم يكن يسمح للزوجة بمغادرة مدينة قابس إلاّ بإذن من أجهزة الأمن، ولا يزال التنكيل بالعائلة متواصلا مع تهرّب الدولة من الإعتراف بمكان تواجد قبره.

 

 

“صفوان” المنتشي بالحريّة لم يجد إلاّ أن يرفع يديه ليضمّ رأسه بقوّة كأنّما يحاول أن يجعل نفسه يستوعب بما يفوق طاقته ما كان يحدث بوجوده دون أن يعي أو يري شيئا من ذلك، نزلت دموعه ودموع من حوله وغادرت صديقته التي جاءت لتستمع بعد أن نسجت الدموع خطوطا سوداء على وجهها بكحل زيّنت به عينيها قبل المجيء.

لا تقف سرديّة الثورة كما ترويها النساء عند هذا الحدّ، بل لعلّ هؤلاء من بين القليلات اللواتي كانت لهنّ جرأة للحديث، فهاهي جلسة أخرى تحمل شهادة عاصفة أخرى تليها العاصفة في الجلسة الموالية وكلّ شهادة تحمل في طياتها الكثير.

 

بالعودة لسرديّة النساء للثورة، تحدّثت في جلسة أخرى من جلسات الإستماع العلنيّة السجينة نجوى الرزقي لتروي معاناتها بين السجون التونسيّة وخارجها من شتم وتعذيب وهرسلة، وفي الشهادة تروي بشجاعة كيف حاولوا إغتصابها بعصى “الماتراك” التي تستعملها قوات الأمن في مكافحة الشغب إنتهاء بمنعها من العمل لكسب قوت عيشها، ما إنتهى بها إلى عاملة بالضيعات الفلاحيّة بمقابل ملاليم لا تسمن ولا تغني من جوع.

شهادة نجوى لا تختلف في تفاصيلها عن شهادة بسمة البلعي وأخريات إنتهى بهن العمل المدني أو النقابي أو السياسي إلى مخافر الشرطة قبل أن تبدأ معاناتهن ومعاناة عائلاتهنّ التي أنهت كل أحلامهن وآمالهنّ، فهاهي البلعي تقول “لم يعد هناك شيء قد يغير طعم الحياة لدي”.

 

 

دموع ودماء ومعاناة لا تنتهي، غير أن التشبّث بالحريّة وبالحقيقة والعدالة وبالديمقراطية كانت أبرز نقاط الإلتقاء بين كل المتحدّثات الذين غابت خلفياتهن السياسية والإيديولوجيّة، وحضرت تونس “المناضلة” متجسّدة فيهنّ يعلنّ بشجاعة وبثقة راسخة، في البلد حدثت ثورة.

صفوان الذي ينشط في المجتمع المدني صار أكثر تشبثا بالحرية والديمقراطية بعيدا عن “التناقر الإيديولوجي” وعلى وجه الخصوص أكثر تعلّقا بالكشف عن الصندوق الأسود لتاريخ تونس المنسيّ الذي لازال من الشهود عليه أحياء يمشون في تونس ولا يراهم كثيرون.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد