ثقافة

علي فودة “فلسطيني كحد السيف”

ثقافة

 

شاعر الثورة والحياة الذي تقاطعت أحلامه مع معاناته فكان “الرصيف” طريقه الأول والأخير، حيث استبيحت دماؤه بعد قصفه بقذيفة لم تنه مسيرة شاعر بل كتبت ولادته الجديدة بحبر من دم.

لم يمت “علي فودة” الذي جاب فلسطين والأردن ولبنان ومصر، وغيرها من الدول لينشر قضيته ويحولها الى الكونية، الهدف الذي عجز السياسيون عن تحقيقه، بل عاش في ذاكرة كل نفس مقاوم آمن ولا يزال بالحق ونصرة القضية.

 

 

لقد أحب وطنه ولم يتنكر له وإن تنكر الزمن، هو الذي اختار وطنه حبا وطواعية وسرا وعلانية، هو غصن الزيتون الأخضر مهما اشتد عليه الصب.

“إني اخترتك يا وطني” إحدى روائعه التي أضاف عليها الفنان اللبناني مارسال خليفة لمسة إيقاعية، لتصبح بين قيمة الكلمات وحماسية الألحان نشيد من لا نشيد له، وعنوان ثورة لا تنضب.

 

 

 

ولد الشاعر الفلسطيني علي يوسف فودة في بداية نيسان/أبريل من عام 1946 في قرية “قنّير” في حيفا لأسرة فقيرة.

ولجأ مع أسرته على إثر نكبة 1948 إلى مخيم عين الشمس في طولكرم، حيث أنهى المرحلة الثانوية، وانتقل إلى الأردن ليكمل تعليمه في معهد المعلمين حتى سنة 1966.

وعمل بعدها مدرسا في عمان حتى عام 1976 حيث غادر إلى بغداد، ثم الى بيروت.

 

بيروت ملهمة علي فودة

لم تكن بيروت مجرد محطة في حياة فودة بل هي الخيط الرفيع الرابط بين الفنان والشاعر والمقاوم الثائر.

انخرط في صفوف المقاومة الفلسطينية مع عدد هام كبير من المثقفين والمبدعين من فلسطين وغيرها من الدول العربية.

 

 

ألهمه البعد الثقافي المتقدم في لبنان فكانت بالنسبة إليه “المنبر الأكثر ديمقراطية في العالم العربي” باعتباره البلد الذي يضم أكبر نسبة من دور النشر والمجلات الثقافية والسياسية لجميع الاتجاهات و”هنا تجد جميع الصراعات السياسية والفنية بشكل مباشر”.

الاستثناء الديمقراطي جعل منهم فنانا ثائرا قادرا على بناء تجربة فريدة، وكان يعتبر أن هذه الحالة الديمقراطية وضمن أجواء الثورة التي عاشتها بيروت، أتاحت له ولكثير من الأدباء والشعراء “الاحتكاك المباشر مع مبدعين تقرأ لهم وتطمح للقائهم، قد نختلف ولكن مع ذلك تضيف الى تجربتك”.

أجواء الثورة التي جمعت فودة بأبناء جيله سواء في النثر “توفيق فياض، سلوى البنا” أو في الشعر “محمود درويش ومعين بسيسو، أحمد دحبور، أمجد ناصر …”

فامتزجت الأفكار في لقاءات نابعة عن تفاعلات سياسية وإنسانية عميقة.

 

“الرصيف” حلم النهاية

أصدر علي فودة إلى جانب مجموعة من أصدقائه مجلة “رصيف 1981” التي اختلف تناولها عن الثقافة الثورية السائدة القائمة على مركزية المؤسسة.

كانت بمثابة ثورة المتمردين الهامشيين على المؤسسين لأن “فكرة المؤسسة تتناقض مع الفكرة المثالية للثورة”.

 

 

وابان معركة حصار بيروت قام فودة بإصدارها في شكل صحيفة يومية مستقلة، تجربة قضى على حلمها الاجتياح الإسرائيلي، الذي أنهى حياة شاعر فلسطيني في قلب بيروت، حاملا في يده رشاشا وأعداد الصحيفة الأخيرة.

يقول رسمي أبو علي أحد مؤسسيها للسفير اللبنانية ” “الرصيف” ليس مجلة، انما فكرة ازعم انني أجسدها عضويا وصوفيا.. الآن، وبعد أكثر من ثلاثين سنة على اشهار الفكرة، أصبح الجميع على الرصيف من دون استثناء.”

 

الأعمال الأدبية والشعري من وحي المعاناة

يرى فودة أن أول محاولاته في تلمس الطريق الشعري، كانت متأتية الإحساس شبه الدائم بالمعاناة لدى الانسان الفلسطيني، بعد الهزائم المتتالية.

 

 

وفي حديثه عن ديوانه الأول “فلسطيني كحد السيف”، قال إنه “صدر في 1969 وجاء في مرحلة التشتت، كمحاولة لبلورة الشخصية الفلسطينية، وهو أشبه بصرخة في هذا الاتجاه”.

وفي 1973 صدر له الديوان الثاني، قصائد من عيون امرأة، الذي سعى من خلاله إلى “معالجة القضية الفلسطينية بلغة مختلفة ونقل المعاناة الإنسانية الناتجة عن الإحساس العميق بالعدالة الإنسانية”.

وعنون ديوانه الثالث ب “عواء الذئب” الذي يترجم “المعاناة شرسة لقهر الناس في شتى ارجاء الأرض”.

كما كانت له تجربة في الكتابة النثرية من خلال رواية ” الفلسطيني الطيب” التي صدرت عام 1979.

 

استغرق في كتابتها 7 سنوات وسافرت معه إلى الأردن والعراق والكويت حيث طرح من خلالها هموم الشعب الفلسطيني بعد خروج المقاومة من الأردن (أيلول الأسود).

جمع في روايته شخصية الفنان الذي يعمل من أجل عالم أكثر صدقا، وشخصية المناضل الذي يلاحقه هاجس التغيير عبر رؤية جديدة للواقع العربي، وشخصية الانتهازي.

وأعمال أخرى قام بإنتاجها من رحم الثورة التي دفعته للالتصاق الحميمي المباشر مع المقاتل والقضايا السياسية، والتفاعل مع انتصارات الثورة يوما بيوم، “كتاباتي بعد انخراطي في الثورة أكثر جرأة من قبل والتحاقي بها إضافة كتجربة إنسانية ونضالية وفنية وما كان لي أن أحظى بها لولاها”

 

كامب دايفيد خرقت طموحات الدول العربية

يعد علي فودة من الشعراء الرافضين لتوقيع اتفاقية كامب دايفيد بين الجانب المصري والإسرائيلي “كل عربي شريف لا يمكن الا أن يكون ضد اتفاقية كامب دايفيد”.

وعبر عن شعوره بالخذلان تجاه سياسة الرئيس أنور السادات في تلك الفترة والتي “خرقت ضمير وطموحات الدول العربية بشكل عام” حسب رأيه.

واعتبر أن ما انتهجه السادات لا يعبر عن ضمير الانسان المصري رغم وجودهم في ظل النظام، حتى أن رؤوسهم مطلوبة”.

الموقف النبيل الذي لمسه فوده في رواد الأدب والشعر في مصر، وجد عكسه من قبل شعراء النظام على غرار توفيق الحكيم، واحسان عبد القدوس وغيرهم من أبواق للنظام الذين “فقدوا بريقهم ووهجهم سياسيا وفنيا نظرا لتخاذلهم عن اتخاذ مواقف إيجابية تجاه هذه المسألة الحساسة”.

علي فودة، ابن المخيم الذي عاش متمسكا بهويته ومات يقاوم بالسلاح والكلمة، قال في أول دواوينه: فلسطيني كحد السيف كالمنجل

أصول أجول ولا أسأل

ومثل الشمس قد أرحل..

أنا فلسطيني..أقول أقول ولا أخجل.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

اترك رد