ثقافة

المشربية: حفظ الخصوصية وتطويع المناخ

سلسلة فنون الحضارة الإسلامية

 

ساهمت  حرارة الصحراء العربية التي تنطلق من الصحراء الشمالية في مصر مرورا بشبه الجزيرة العربية وانتهاء بالعراق، في ابتكار طرق معمار وبناء إسلامي فريد بمعالم مميزة، جمعت بين خصوصية البيوت وحرمة نسائها، وتوفير هواء نقي وبارد في مناخ صحراوي ساخن. ولعل أبرز وجوه تحقيق هذه المعادلة في فن العمارة الإسلامية هو المشربية.

المشربية هي عبارة عن بروز الغرف في الطابق الأول أو ما فوقه، يمتد فوق الشارع أو داخل فناء المبنى، وذلك في البيوت ذات الأفنية الوسطيّة. وتُبنى المشربية من الخشب المنقوش والمزخرف والمبطّن بالزجاج الملون.

بدأ ظهورها في القرن السادس الهجري (13م)، إبّان العصر العباسي، واستمر استخدامها حتى أوائل القرن العشرين. كانت البداية بإنشاء المشربيات في المباني السكنية من قصور وبيوت ثم انتقل استخدامها إلى المباني العامة مثل دور الإمارة والخانات والمستشفيات.

وفي العصر الحديث استعملت المشربية في البيوت و المباني، من ذلك منازل المدينة العتيقة في تونس وكذلك مساكن منطقة سيدي بوسعيد ، في الضاحية الشمالية للعاصمة، والتي عرفت بألوانها الزرقاء وشبابيكها الصغيرة التي تفتح إلى الخارج.

 

وظائف المشربية

سميت المشربيّة بأسماء مختلفة في مناطق مختلفة.إن تسمية مشربية مشتقة من اللفظة العربية “شرب”، وتعني في الأصل “مكان الشرب”.

وكانت في الماضي عبارة عن حيّز بارز ذي فتحة منخلية توضع فيها جرار الماء الصغيرة لتبرد بفعل التبخر الناتج عن تحرك الهواء عبر الفتحة. ومن هنا عرفت المشربيّة بهذا الاسم، إذ أنّ آنية الماء توضع فيه لتبريدها من خلال الهواء المار فوقها.

 

 

لكن كان للمشربية أدوار أخرى، فهي توفر خصوصية للنساء والبيوت لأنهنّ تستطيعن الإطلالة على الشارع ولا يراهنّ أحد. لذلك كان للمشربية جزئين، الجزء السفلي، ولا تتخلله فتحات، على عكس الجزء العلوي منها، حيث يضمن الجزء السفلي الخصوصيّة، في حين يتم تدفّق الهواء عبر الجزء العلوي منها.

وهذا يعطي المشربيّة بعدا نفسيّا رائعا حيث يشعر الساكن أنّه غير مفصول عن الفراغات الخارجيّة، دون فقدان عامل الخلوة، مما يعطي شعورا بالاطمئنان.

 

إبداع الحرفيين

رغم أن  الخشب لم يكن متوفرا بالقدر الكافي في المناطق الصحراوية، فقد أبدع الحرفيون العرب في استعمال ما توفر لديهم من خشب بطريقة مذهلة. فبدل أن يتم نحت المشربيّة من قطعة خشبيّة واحدة كبيرة. استخدم الحرفيون المخارط لتحويل كل قطعة من الخشب إلى الحجم والشكل المطلوبين.

 

 

وتكوّن هذه القطع الخشبيّة سلسلة من الأشكال الاسطوانية التي يتم الفصل بينها بشكل متكرر بقطع أكبر منها، اسطوانية أو مكعبة الشكل والتي تشكل نقاط الترابط بين القضبان الأفقية، ويتم حفر تجويف داخل هذه النقاط ليتم تركيب القضبان من خلالها دون استخدام لاصق أو مسامير.

 

وبعد إتمام صنع شبكة من القضبان حسب المقاييس المطلوبة يتم تأطيرها لتجنب تفككها، حيث يعمل هذا الإطار على توزيع الأحمال على الشبكة مما يدعم ثباتها. يتم التحكم بالظروف الداخلية للفراغ المعماري من خلال التحكم بمسامية الشبكة وذلك من خلال تغيير أطوال وأقطار القضبان. ولكل مبنى خصوصيته في التعامل مع هذه النسب لكي تؤدي الوظيفة المطلوبة على أمثل وجه.

 

ضبط الحرارة صيفا وشتاء

تسمح المشربيّة باعتبارها فتحات كبيرة في الجدران، بمرور لتيّار ثابت من الهواء عبر فتحاتها الصغيرة داخل الغرف. كما اعتاد السكّان وضع أواني الشرب الفخاريّة في المشربيّات، بما يسمح للهواء الداخل إلى المبنى أن يفقد من حرارته عن طريق تبخير أجزاء من مياه الشرب في الآنية، وبالتالي يدخل الهواء البارد “نسبيّا” إلى الغرف.

أما في الشتاء فيسمح تصميم القضبان وفتحات المشربيّة لأشعّة الشمس بالدخول إلى الفراغ المعماري الداخلي، حيث يتم تصميم هذه الفتحات والأخذ بعين الاعتبار زوايا سقوط الشمس شتاء، حيث أنها تكون أقرب إلى الأرض، وبالتالي وتعتبر معادلة الدفء شتاء والتبريد صيفا هي نقطة حرجة في عمل الحرفيين، لذا يجب على الحرفي والمعماري أن يتقنا عمل المشربيّة وضمان استجابتها لأشعّة الشمس في كلا الفصلين.

كما أنه يتعين على المصمم أن يختار المسافات الفاصلة وحجم القضبان لواجهة المشربية بحيث تعترض الإشعاع الشمسي المباشر، ففي الواجهات الجنوبيّة يستخدم مشبك ذي مسافات فاصلة صغيرة.

 

 

ويفضّل أن تكون قضبان المشربيّة التي تقع في الجزء السفلي قريبة من بعضها البعض، لزيادة الانكسارات في الضوء المار من خلالها، فتخفف من الابهار الناتج من أشعة الشمس . ولتعويض نقص الإضاءة في المستوى السفلي، يفضّل زيادة المسافة بين القضبان كلّما اتجهنا إلى الأعلى.

 

يسمّى العراقيون المشربية بالشناشيل وتلقّب مدينة البصرة بأم الشناشيل. كما اشتهر المصريون بتطوير المشربيات التي لا تزال تعتمد إلى اليوم في استعمالات مختلفة، من ذلك البيوت والمقاهي والنزل. ولا يزال الكثير من الحرفيين يشتغلون بها ضمن ما يسمى بفن الأرابيسك.

 

 

الوسوم

دواجة العوادني

عضو فريق مجلة ميم التحريري، تختص في المواضيع السياسية والحقوقية

مقالات ذات صلة

اترك رد