مدونات

الإستهواد الأكاديمي في تونس: انتصارٌ للمواطنية أم للصهيونية؟

مدونات

 

دأب أكاديميون تونسيون على إعداد أطروحات جامعية، وعقد مؤتمرات علمية، وبعث مخابر بحث وتأطير طلبة يُعدون رسائل جامعية تعنى بتاريخ اليهود في البلاد التونسية على مدار كل الحقب التاريخية، وتعنى بالعمارة والنقائش الأثرية اليهودية (الجنائزية والدينية)، وتعنى بالذاكرة ونمط العيش اليهودي في الزمن المعاصر (فنون الطبخ والموسيقى وذاكرة العيش المشترك مع المسلمين).

وتطور الأمر إلى التفكير في بعث متحف يهودي بمدينة تونس، وتنظيم معارض كالذي بُرمج هذه الأيام حول الدعاية والهولوكوست بالمكتبة الوطنية، ينظمه مخبر “تراث” بجامعة منوبة بالتنسيق مع متحف الهولوكوست بالولايات المتحدة الأمريكية وجمعية روزا لكسمبورغ الألمانية.

لاقت مختلف هذه الأنشطة امتعاضا في الأوساط الأكاديمية والثقافية عموما، وتطورت لتصبح محل رفض شعبي ونقابي وسياسي في مجتمع تونسي معروف عنه مناصرته للقضية الفلسطينية بلا حدود.

رفضٌ عبر عن نفسه في تنظيم حملات تعبوية تصديا لاستدعاء فنانين معرفين بمناصرة الكيان الصهيوني أو فنانين تونسيين تورطوا في زيارة الكيان الصهيوني، وتصديا لمشاركة أفلام تروج للتطبيع مع الكيان الصهيوني أو يشارك فيها ممثلون صهاينة ضمن أيام قرطاج السنيمائية. رفضٌ مقاوم وصل حد إفشال تنظيم معرض عن الدعاية والهولوكوست هذه الأيام بالمكتبة الوطنية في تونس العاصمة.

 

 

ما وراء الأكمة يا ترى؟ 

  • هل نحن في مواجهة مجتمع معاد لليهود كما يزعم منظمو هذه الأنشطة؟

 

  • هل نحن في مواجهة أنشطة تطبيعية مع كيان كولونيالي تكاد تجمع شعوب العالم على عدوانيته المؤسسة على خرافات وأساطير عنصرية؟

 

  • هل فعلا تمثل مختلف هذه الأنشطة تطبيعا مع الكيان الصهيوني أم أنها تندرج في صلب المشروع المواطني الاجتماعي الذي يهفو له التونسيون للقطع مع التحيّزات الطبقية والثقافية والجهوية والدينية والمذهبية، نحو مشروع مجتمع ينتصر لكل التونسيين ويؤسس لذاكرة وطنية جامعة لا تطمس ولا تسكت التنوع الثقافي والديني الذي ميز تاريخ البلاد التونسية على مر العصور؟

 

  • لماذا بدأ المجتمع يضيق بتنوّعٍ لطالما ميّز تاريخه على مدار العصور؟

 

  • هل تعرض المجتمع إلى غسيل دماغ ديني قوامه التطرف ورفض الآخر (الذي عاش في صفوفه على مدار القرون) كما يزعم أصحاب هذه النشاطات التي تلاقي رفضا وامتعاضا؟

 

  • أم أن ارتباط هذه الأنشطة بمؤسسات أكاديمية وبحثية صهيونية (ارتباط لا ينكره أصحاب هذه الأنشطة) هو سبب الحساسية العالية التي تطورت إلى تحركات تعبوية مقاومة لهؤلاء الذين لا يرون غضاضة في التعامل مع مؤسسات أكاديمية صهيونية، ظاهرها مقاومة جريمة الهولوكوست في حق يهود أوروبا، وجوهرها ممارسة أو الصمت على هولوكوست ينفذه ضحايا الهولوكوست في حق شعب آخر لم يتورط تاريخيا في أذيّة اليهود؟

 

نحن العرب لم نرتكب جريمة الهولوكوست حتى ننكر وقوعها يا حضرات! نحن فقط منخرطون في مقاومة مشروع صهيوني عنصري إبادي رأسمالي غرباوي وظيفته تنفيذ هولوكوست جديد في حق الفلسطينيين والعرب، أبطاله ضحايا هولوكوست الأمس!

 

أن تعمد الجامعات (باعتبارها محاضن إعداد الأجيال الجديدة وتكوينها تكوينا مواطنيا يقطع مع ما رسب من ثقافات مُترعة بالتمركزات الجماعوية، طائفية وإثنية وقبلية وجهوية)، إلى تنظيم وتأطير نشاطات أكاديمية تنصف كل التنوع المجتمعي دون خضوع إلى تعليمات سلطوية تعمل على إعادة إنتاج مزاج عام جماعوي مضطهد يضيق بالمختلف، لهُو من صميم المهمات الديمقراطية الموكولة إلى الجامعات لتثوير بُنى المجتمع. وفي صلب هذه الرسالة الموكولة إلى جامعات إنتاج المعنى يأتي الإستهواد أو الدراسات اليهودية. إذ لا فرق بين دراسة مظاهر حضارة المسلمين أو المسيحيين أو اليهود، ولا فرق بين دراسة الظاهرة القبلية أو التنوع الديني أو الإثني… لكن ذلك مشروط بإستراتيجية مجتمع ومشروع وطن، لا تنفيذا وانخراطا في مشاريع معادية كالمشروع الصهيوني الذي لم تسلم تونس من عدوانيته واستباحة مجاله السيادي عديد المرات!

 

مشروع صهيوني أصبح محل محاكمة أكاديمية من داخل جامعاته، فالمؤرخ الإسرائيلي Benny Morris  أعد أطروحة ضخمة استند فيها إلى أرشيف الكيان الصهيوني لعام 1948 لفضح التهجير القسري الفضيع الذي لحق الفلسطينيين جراء الغزو الصهيوني.

والمؤرخ Ilan Pappe  بحث بشكل عميق تناقضات المشروع الصهيوني مع التاريخ والواقع، واعتبر أن ما تعرض له الفلسطينيون من تطهير عرقي جريمة ضد الإنسانية.

والمؤرخ Shlomo Sand  فكك بعمق أساطير اختلاق الشعب اليهودي واختلاق أرض إسرائيل معتبرا أنها أساطير في جوهرها مسيحية رأسمالية غربية وليست لها أسس يهودية.

وكذا كتب Keith Whitelam  مؤلَّفا جذريا عنوانه اختلاق إسرائيل القديمة وإسكات التاريخ الفلسطيني. 

 

أما عن جريمة الهولوكوست، فقد تناولها عالم الاجتماع البولندي (اليهودي) Zygmunt Bauman  في مؤلف ضخم الحداثة والهولوكوست تناول فيه جذور العداء لليهود في أسس الحداثة الغربية.

واعتبر أن جريمة الهولوكوست ارتكبت بتعاون كامل بين مؤسسات الأكاديميا الألمانية ومؤسسات الدولة النازية. وكذا اشتغل Gianni Vattimo  وMichael Marder  وآخرون على تفكيك الصهيونية ونقد ميتافيزيقا سياسية.

يقول المؤرخ الإسرائيلي Ilan Pappe المنخرط في نشاط حملات المقاطعة الأكاديمية للجامعات الصهيونية:

“تأثرت بما اطلعت عليه في السجلات التاريخية، وباعتباري مؤرخا محترفا انتابني ذهول عميق أمام عمق التضليل الذي استند إليه المشروع الصهيوني وشموله، انصب اهتمامي على نحو خاص على أحداث عام 1948، وعندما اكتشفت كيف جرى الترحيل الممنهج للفلسطينيين، وجدت نفسي أمام خيارين، إما المشاركة في الجريمة أو مواجهتها بكل ما أوتيت من قوة، فاخترت الحل الثاني وتعرضت للطرد من الجامعة التي كنت أعمل فيها واضطررت لمغادرة البلاد، لكن لا يمكن لكل ذلك ولا حتى التهديد بالقتل أن يغير رأي المرء عندما يقرر الإحجام عن المشاركة في ارتكاب جريمة، والتطهير العرقي الذي تعرض له الفلسطينيون جريمة ضد الإنسانية”.

  • ترى هل أصاب العمى هؤلاء الأكاديميين التونسيين الذين لا يرون غضاضة في التعامل مع مؤسسات أكاديمية تساهم في تنفيذ هولوكوست جديد ضد الفلسطينيين والعرب عموما؟

 

  • الجامعات ومراكز البحث الصهيونية خادمة لمشروع عنصري إبادي كولونيالي وظيفته تنفيذ هولوكوست ضد الفلسطيين والعرب من النيل إلى الفرات، فعن أي تعاون علمي يتحدث هؤلاء المطبعون؟

 

  • ترى لماذا يصر هؤلاء المطبعون على خلط نشاطات أكاديمية (هي في جوهرها علمية ومواطنية يمولها المال العام) بأجندات خارجية عدوانية عنصرية، مما يجعل كل أنشطتهم تصب في خراج مشاريع ومخططات عدوانية لم تسلم منها تونس!

 

  • لماذا يصر هؤلاء المطبعون على الزج بالجامعات التونسية ومؤسساتها الثقافية في نشاطات معادية للسلام وحق الشعوب في تقرير مصيرها؟

لكن كل هذا لا يمنعنا من توجيه ملاحظات لبعض ما يشوب النشاطات المقاومة للتطبيع الأكاديمي أو الفني أو الرياضي وغيره…  فالتعصب الديني أو الشوفيني ضد حمَلة العقيدة اليهودية دونما تفريق بينهم والصهيونية، لهُو قمة الانخراط في المشروع الصهيوني الذي يقوم على مغالطة وتزييف متعمد عندما يحوّل اليهودية إلى إثنوس (شعب).

الانخراط في سُعار طائفي غوغائي لهُو قمة الانخراط في أساطير الدعاية الصهيونية القائمة على الترويج لصراع ديني بين المسلمين واليهود.

 

  • ترى كم استفادت وتستفيد الصهيونية من شعار “خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود”؟ ألا ينخرط هذا الشعار في السردية الصهيونية المروّجة كون الدولة اليهودية محاصرة بمحيط من الحقد والتعصب الإسلامي لأقلية من اليهود؟

هل الأصل في ما فعله النبي محمد هو دستور الصحيفة الذي اعتبر اليهود أمة من مكونات شعب المدينة المنورة لهم ما للمسلمين من حقوق وواجبات، أم في معركة خيبر التي كانت معركة عابرة ضد من خانوا دستور المدينة (بما يعبر عنه اليوم بالخيانة الوطنية) وليس على قاعدة أنهم يهود؟

  • ترى كم استفادت الصهيونية من شعار متهافت “سنلقي باليهود في البحر” في زمن لم يستفق فيه العالم بعد من صدمة جريمة الهولوكوست؟

لن ينتصر العرب على الصهيونية إلا متى قاوموها بمشروع وطني مواطني اجتماعي يعترف بكل التنوع الثقافي والديني المضطهد ويمكنه من كل الحقوق الاقتصادية والسياسية والثقافية الرمزية على قاعدة المواطنة بعيدا عن منطق الأقلية والأغلبية.

مشروع وطني مواطني اجتماعي يحضن التنوع الاثني والديني والمذهبي لتحصينه ضد تضليل مشاريع الاستتباع الخارجي طورا باسم الصليب لاستدراج المسيحيين العرب كما زمن الحروب الصليبية، وطورا باسم نجمة داوود لاستدراج اليهود العرب كما فعلت وتفعل الصهيونية، وطورا باسم الثأر للحسين كما تفعل الصفيونية الشاهنشاهية!

 

  • الهولوكوست جريمة غربية ضد مواطنيها من حملة العقيدة اليهودية.

 

  • الصهيونية اختلاقٌ غربيّ للتخلص ممن نجوا من المحرقة، والزج بهم في تركيز كيان عنصري إبادي وظيفي، مهمته حرمان أمة العرب من تقرير مصيرها.

 

  • نحن العرب لم نرتكب جريمة الهولوكوست حتى نعتذر عنها يا حضرات!

 

  • نحن العرب لم نرتكب جريمة الهولوكوست حتى ننكر وقوعها يا حضرات!

 

  • نحن فقط منخرطون في مقاومة مشروع صهيوني عنصري إبادي رأسمالي غرباوي وظيفته تنفيذ هولوكوست جديد في حق الفلسطينيين والعرب، أبطاله ضحايا هولوكوست الأمس! 

 

*الإستهواد الأكاديمي: اجتراح مفهومي كما الاستشراق والاستعراب والاستغراب والاستفراق 

الأمين البوعزيزي

كاتب وباحث جامعي من تونس

 

كل المقالات والتدوينات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها، لا عن مواقف المجلة بالضرورة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد