سياسة

ما اسم “داعش” في جزئها الثالث؟

كانت تُسمَّى "القاعدة" فأصبحت تُسمّى "داعش" ومَن يدري ما اسمها في جزئها القادم!

 

يحكَى أنَّ على الفنِّ نقلُ صورةِ الواقع، وعلى المسلسلات والأفلام المعروضة على الشاشات أن تعكسَ شيئاً من مشاكل وحقيقة الحياة، إلَّا أنَّ العجب مِن أن يتبدّل الحال فيصبح الواقع هو ما يستشفُّ أحداثه من المسلسلات والأفلام، وهو ما يتعلَّم من المشاهد كيف تكون الدراما والتحفيز وصياغة المواقف.

لطالما استغربت قديماً مِن مسلسلٍ عربيٍّ كان يعرض على الشاشات وأقول في نفسي: لماذا يتبدّل اسم هذا المسلسل من جزءٍ إلى آخر، لماذا كان اسمه “الجوارح” ثم أصبح “الكواسر” ثم “البواسل” ثم “الفوارس”؟ لماذا لم يكتف بأن يحتفظ بنفس الاسم لكن يتبعه برقم يدلُّ على عدد الأجزاء؟ وليت استغرابي استمرَّ على عالم الدراما فحسب، وليت فنَّ تغيير المسميات للفت الأنظار واستمرار الإثارة بقي شأناً مُناطاً بالفن والتمثيل ولَم ينتقل ليصبح أسلوباً سياسياً في واقع الحياة.

كانت تُسمَّى “القاعدة” فأصبحت تُسمّى “داعش” ومَن يدري ما اسمها في جزئها القادم! فكلّها وجوه عملةٍ واحدة تُستخدَم في بلادنا لتكونَ حجَّةً لمن ليس له حجة ليدمِّر البلاد ويعيث فسادا. تتغير المسميات ويبقى المؤدى واحد: مجموعة مجرمين يحدثون في البلاد خراباً، فيشكّل وجودهم خطراً؛ فيأتي مَن وضعهم يريد مقاومتهم، فيحتل البلاد، ثمّ يختفي المجرمون في يومٍ وليلة بعدما يتمكن المُخرِّبُ الأكبر من احتلال البلاد وتدميرها وتهجير وإيذاء أهلها!

وبعيداً عن السياسة وأحداثها وتطوراتها، فالعجيب فينا كأفراد أننا في كلِّ مرةٍ نحاول دفع تهمة الإرهاب عن أنفسنا، ونصدّقُ حبكة أنّ متطرفين دينيين هُم مَن سمحوا بهذا الخراب، فنبدأ بالتنكيلِ بهم ونحاول جاهدين إظهار المشهد الديني في حلّة حمامة السلام التي لا تعرف شدةً أبداً. ويتعدّى الأمر ذلك إلى مرحلة يخاف فيها كثيرون من إظهار أي معلَمٍ يدلّ على دينهم أو التزامهم كحجابٍ أو صلاة أو غير ذلك. ويزداد الأمر سوءاً أكثر فأكثر في اللحظة التي يخاف فيها المشايخ والمصلحون مِن بثِّ الروح الدينية الإيمانية بين الناس خوفاً من أن يُحسبوا على الإرهاب.

 

  لماذا يختفي المصلحون الحقيقيون عن الواقع؟ لماذا ينأون بأنفسهم عن مشهد الحدث وهم المدركون لخطورة تمييع الأحداث وإضاعة الحقائق؟

 

مسلسلٌ ثابتُ الأحداث، متغيرُ الأسماء، يملك أن يبدّل حياتنا رأساً على عقب، ونخسر باسمه أرواحاً وحضارة. ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يزداد لنجد أثره هزيمةً نفسية تُبَثُ بيننا.

إنّ ردات الفعل لا تُحدث تغييراً، وإنّ الخطاب الديني الذي يتحوّل من كونه بنائيٌ إصلاحيٌ إلى حالةٍ من ممارسة دور الدفاع ما هو إلا شأنُ الضعفاء الذين ارتضوا أن يكونوا دميةً يحرِّكها مخرجوا مسرحيةٍ في مسرح الدمى. شأن الضعفاء الذين صدّقوا كذبة المسميات فأصبحوا يحاولون بجهد وتصميم كي يتخلّصوا من سِمَتِهم ومظهرهم وشكلهم وأفكارهم، وأصبحوا يسعون بكلِّ ما أوتوا من قوة ليظهروا في مظهر مَن لا هوية له، في محاولة لإقناع النفس بأن الشخصية المتضاربة هي الشخصية المتوازنة.

 

تتغير المسميات ويبقى المؤدى واحد: مجموعة مجرمين يحدثون في البلاد خراباً

 

وفي خضم كلِّ هذه المسميات والدراما الفعّالة في المجتمع، يراودني سؤال بإلحاح: لماذا يختفي المصلحون الحقيقيون عن الواقع؟ لماذا ينأون بأنفسهم عن مشهد الحدث وهم المدركون لخطورة تمييع الأحداث وإضاعة الحقائق؟ لماذا ينظرون للهزيمة النفسية التي وصلَ إليها كثيرون فيكتفون بأن تكون نظرتهم هذه نظرةَ البائس الذي لا ينظرُ لشخص على وشكِ مفارقة الحياة ولا يملك في يده حولاً ولا قوة.

ما الذي يمنع المصلحين الحقيقيين مِن ممارسة الدور الذي آمنوا به منذ اللحظة الأولى التي اختاروا فيها الإصلاح درباً؟ وهم الذين منذ تلك اللحظة أدركوا أن الدرب محفوفٌ بالتضييق والأذى مادةً ومعنى، ما الذي يجعلهم يرضون بدور المشاهد المتابع بصمت وسلبيةٍ أحياناً، دون أن يتخذوا خطوةً واضحةً تعيد لهم دورهم في إثراء المجتمعات؛ الدور الذي افتقدوه وتنحّوا بشكلٍ واضح عنه منذ الجزء الأول من هذا المسلسل المُمتَد.

أخافُ من هذه الرهبة التي وقعت في أنفُسِ النّاس جزءاً تلو آخر، أخاف من الأثر الذي أصبح متمكناً من قلوب كثيرين والذي يحملُ جزءاً كبيراً من الشبهات التي لربما تُهلِكُ كلّ إيمان. أخافُ من عدم تحرّكنا، ومِن قلّة سعينا، ومِن تسليمنا للواقع على أنَه أمرٌ مُسلّمٌ به.

علّه يطول حضور الجزء الثالث أو يقرب، وعلّه يأتينا بحلة مختلفة تماماً، لكنّ الثابت فصلاً وقطعاً أنه ما دام هذا العدو موجودا، فمكره موجودٌ معه أيضاً؛ ولذا فالأصل أن نستبق الحدث ونقوي أنفسنا ونفند كلّ هزيمة حلّت علينا. أما عدا ذلك فنحن نضيع من الوقث أكثره ومِن العمرِ أغلبه.

 

الوسوم

نور أبو غوش

مدونة من الأردن،  تكتب في القضايا الاجتماعية

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق