مجتمع

سرديّة القمع كما ترويها النساء العربيّات الضحايا .. ساديّة الدكتاتور العربي

مجتمع

روايات التاريخ كما يكتبها الحكّام أو المحمولون على “عدم قول الحقيقة كاملة” وآخرون، ليست هي روايات التاريخ كما يرويها الضحايا في كلّ مكان من العالم، فالسرديّة المهيمنة هي بالضرورة سرديّة الأقوى التي تحاول حجب الشمس عن الأرض، فعلى قارعة كل طريق وفي كل ركن وحتّى بين النسمات أنين الضحايا يعكّر صفو الجو ويكشف الصورة الأخرى لعالم غير عادل.

روايات الضحايا كثيرة ومختلفة، غير أن بينها جوامع كـ”جوامع الوجع” ليست بأي حال نفسها كما يرويها الرجال وكما ترويها النساء، خاصّة إذا تعلّق الأمر بضحايا نظم الحكم المستبدّ في كلّ مكان وفي العالم العربي أيضا، فهي روايات كحدّ السكين قاتلة وكاشفة فاضحة لتوحّش نظم فاشيّة، معها تغيب الشمس في جميع أشهر السنة.

السجينة السياسيّة التونسيّة بسمة البلعي قدّمت ذات ليلة في إطار جلسات الإستماع العلنية التي تعقدها هيئة الحقيقة والكرامة ضمن مسار العدالة الإنتقاليّة، تفاصيل إنقلاب الزمن عليها وإنقلاب خريفها شتاء وربيعها صيفا حارقا لا يبقي خضرة على الأرض، وسردت تحت الدموع قصّة تحوّل “العمل الخيري” الذي تطوّعت لأجله معتقدة أنها تحاول إنقاذ محتاجين، إلى تهمة قادتها إلى المخافر، ومن ثمّة إلى السجن أين مورست عليها أبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي.

 

 

“لم يعد عندي شيء، حتّى الأمل في المستقبل أو الأمل في الإنجاب..” بهذه الكلمات لخّصت البلعي نهايات سنوات عجاف سقطت أوراق الأشجار فيها في فصل الربيع وإحتجبت القمر غضبا في ليلة المنتصف، هذه كانت المحصلة الأليمة في النهاية، حتّى فكرة العدالة وردّ الإعتبار نفسها لم تعد كافية لتعيد إليها أشياء ثمينة ذهبت دون رجعة.

في لحظات الإستماع إلى شهادة بسمة البلعي التي دامت سنوات توقّفت فيها عقارب الساعة عن الدوران حتى كادت تنقلب إلى الإتجاه المعاكس، تحضر صورة عذابات النساء في كلّ شبر من الأرض يحكمها دكتاتور يقمع شعبه وتستبيح أجهزته التنفيذيّة القمعيّة كلّ من يدبّ فوقها بأبشع الطرق.

 

غير بعيد عن بسمة، في فلم “الصرخة المكبوتة” الذي بثّته القناة الفرنسيّة الثانية قبل أيام تروي “مريم خليف” من محافظة حماة السوريّة، أن النظام طاردها 4 أشهر بسبب مساهمتها في علاج المصابين، وتمكن من القبض عليها داخل منزلها الذي عادت له خلسة لتفقّد أبنائها ووالدتها.

 

مريم التي بدت آثار الإنهيار النفسي بادية على تقاسيم وجهها، قالت أن عناصر النظام اقتادوها بطريقة مهينة أمام المارة، ودون السماح لها بارتداء الحجاب، وقاموا بضربها وركلها بأقدامهم بعد وضعها داخل عربة مصفحة وروت كيف تم اغتصابها ورفيقاتها، وكشفت أن عناصر النظام كانوا يتناوبون في كل ليلة على اغتصابها، مضيفة أن الفترة الصباحية تكون للضرب المبرح، والفترة المسائية للاغتصاب.

الروايات من تونس وسوريا ليست الوحيدة في الوطن العربي، ففي الوقت الذي تمنع فيه المصريات من الكلام، أورد تقرير الإتحاد الدولي لحقوق الإنسان شهادات لمصريات تعرّضن للتعذيب دون الكشف عن هوياتهنّ، وفي الشهادات تقول إحداهنّ “عصبوا عيني، شدوا الوثاق على يدي، تحرشوا بي، شعرت بنواياهم، رجوتهم ألا يفعلوا ذلك، لم تشفع دموعي لديهم، صرخت فهددوني بالقتل، واصلت الصراخ، فعلوا ما أرادوا، وكرروا الفعلة بذات الوحشية عدة مرات طوال اليوم”.

وقبلها كانت الناشطة سميرة إبراهيم التي شاركت في ثورة 25 يناير قد نشرت شهادة مفزعة عن تعامل السلطات في البلاد مع شباب الثورة صارخة “كانوا بيندمونا على يوم 25 يناير، كهربوني في بطني وشتموني، ذلونا، كنت بتمنى الموت”.

الصرخة التي تطلقها نساء عربيات تعرّضن لأبشع أنواع التعذيب والتنكيل من أجهزة نظم قمعيّة، لا تقتصر على البلدان التي تمكّنت فيها الهيئات الحقوقيّة أو الجمعيات ووسائل الإعلام من توثيق بعض الشهادات، أو تمكّنت فيها الشعوب من النجاح في إسقاط الدكتاتوريّة، ولكنّها صرخة تجعل النساء العربيّات شريكات في إعادة تصحيح التاريخ من خلال كشف ملابسات “الغرف السوداء” أين تموت الإنسانيّة قبل أن تدخل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد