مجتمع

تراثنا الفلسطيني ومعركة التحرير

بقلم: زياد العالول

 

لم يعد هناك من يجادل في القيمة التاريخية والدينية والجغرافية لفلسطين، التي تتمتع بقدسيتها في الديانات السماوية الثلاث وأزليتها للتواجد البشري، فمدينة أريحا الفلسطينية يعود تاريخها إلى أكثر من 700 سنة قبل الميلاد.

وإن دل هذا على شيء، فإنه يدل على عراقة التاريخ والتراث الفلسطيني، الذي يربط الفرد بالأرض ويعزز ثقته بنفسه واعتزازه بقوميته.

إن التراث هو ثقافة وحضارة وتاريخ وهوية، وهو يشمل العادات والتقاليد والآداب والقيم والحكايات والأمثال الشعبية والأغاني والرقصات والملابس والأكلات وفنون العمارة والأدوات، وهو باختصار الحياة اليومية بكل تفاصيلها للشعب.

ويمثل التاريخ والتراث أهم محددات الشخصية الانسانية، اجتماعيا وسياسيا وثقافيا، وقد يمتدان حتى إلى الاقتصاد. لذلك

زياد العالول

حرص الكيان الصهيوني على الاستيلاء على هذا الموروث بكل ما يملك من قوة، مثلما حرص على الاستيلاء على الأرض ليجرد شعب فلسطين من العطاء والإبداع والتفكير وإبداء الرأي ليفرض عليه التلقي والتقليد والاستهلاك و ليفقده اعتزازه بنفسه ووطنيته، وبالتالي يسحب منه حقه في الوجود. ولقد سعى حثيثا إلى ذلك مروجا مقولاته المشهورة أن فلسطين هي “أرض بلا شعب” و”شعب بلا هوية”.

من أجل ذلك عكف الكثير من الباحثين والدارسين المستشرقين على دراسة التوراة التي تم تحريفها وادخال أحداث وكلمات بها من الحضارة الكنعانية، وذلك لإثبات أن اليهود هم أول من تواجد على أرض فلسطين.

ثم قام هؤلاء الباحثون بدراسة التاريخ والتراث الفلسطينيين بطريقة مدروسة من أجل تثبيت فكرة أن التوراة هي أقدم كتاب دوّن فيه التراث والتاريخ، وأنه يجب استخدامه كدليل على الآثار في المنطقة. وأن اليهود هم الأصل في كل هذه الحضارة الممتدة في الشرق وتشمل سوريا والعراق والأردن ولبنان ومصر.

وقاموا ببناء مستوطنات اسرائيلية على آثار فلسطينية، وعملوا على هدم وإزالة كنائس ومساجد ولوحات فسيفسائية وأعمدة قديمة لطمس أي شاهد على الحضارة الكنعانية. ثم قاموا بسرقة التراث الفلسطيني وتسجيله في منظمة اليونسكو باسم اسرائيل. وعملوا على  تغيير اسماء القرى والمناطق إلى أسماء عبرية وسرقة وتهريب الآثار والمنحوتات من خلال معابر ليس لنا السيطرة عليها.

ولا يتوقف ذلك عند الآثار والتاريخ والاسماء، بل تعداه إلى سرقة أكلاتنا الفلسطينية ورقصاتنا وتسجيلها بأسمائهم، فعلى سبيل الذكر لا الحصر ينتشر في أوروبا الحمص والفلافل والمفتول على أنها أكلات اسرائيلية.

الكوفية الفلسطينية في أزياء مصممين إسرائليين

أما عن ملبوساتنا ومطرزاتنا فحدث ولا حرج، حيث أنهم حرصوا على اقتنائها منذ اليوم الأول الذي احتلوا به أرضنا.

ولا تغيب عن بالي حادثة روتها لي والدتي عند زيارتها الأولى لبيتنا في المجدل بعد أن استولت عليه الأيادي الصهيونية، حيث أن السيدة الاسرائيلية التي كانت تقبع في بيتنا أخذت تساوم أمي لأخذ ثوبها الفلسطيني الذي كانت ترتديه مقابل مبلغ من المال، فكان رد والدتي “أخذتم أرضنا وجايين تشلحونا (تستولوا على ملابسنا عنوة) ملابسنا”.

أي غطرسة وأي ظلم هذا.. ولكن إن دل هذا على شيء فهو يدل على أن الكيان الصهيوني يشتغل ضمن خطة مدروسة وممنهجة، وأنه قام بتوعية أفراد شعبه بهذه الخطة حتى يتحقق مراده. كما يحرص الاسرائيليون على المثول في المحافل الرسمية بارتدائهم للثوب الفلسطيني.

والأصعب من كل ما سبق ما قامت وتقوم به أيادي هذا الكيان الصهيوني من حرق وتخريب وحفريات تحت المسجد الأقصى بدعوى البحث عن الهيكل المزعوم.

ونراهم في كل عام يلوحون بذكرى المحرقة النازية ليكسبوا استعطاف ومساندة الدول والشعوب مما يعطيهم مسوّغا لما يقومون به من امتصاص لدماء وثروات شعب فلسطين.

إن قوة هذا الكيان الإعلامية والإقتصادية عملت على تسهيل كل خططه السابقة، فقد تم غسل العقول والأذهان من خلال برامج وثائقية وكتب ولقاءات نجحوا فيها بتضليل أغلب شعوب العالم، والمحزن في ذلك عندما يدندن بعض الشباب العربي بأكاذيبهم غير محيط بأنه بذلك يلغي حقه هو في الوجود كعربي.

 

صورة للكوفية الفلسطينية في محل دوريت بارور في تل ابيب

 

الحمص في كتب الطبخ الإسرائيلية

قد تشوه الحقيقة أو تطمس لزمن من الأزمان، إلا أنها تعود وتصدح. وهكذا نرى مجموعة من الباحثين المنصفين يثبتون أن فلسطين كنعانية عربية وأن أسماء المعالم الجغرافية من جبال وأنهار هي دليل قائم على صدق ذلك.

هذا وقد أثبت العديد من الباحثين المنصفين بعد الاعتكاف على ما تبقى من آثار لم تصلها أيدي الاحتلال، على الصلة الوثيقة بين الشعب العربي الكنعاني والأرض وأن ليس للعبريين أسبقية في هذه الارض. وأن لذكر كلمة فلسطين في كتبهم السماوية دليل دامغ عليهم.

لن يتوقف الصهاينة عن استخدام أي وسيلة لتحقيق  أهدافهم،  ووسائلهم في القرن الحادي والعشرين متطورة، تسعى إلى قطع أوصال الشعب الفلسطيني وهدم عاداته وتقاليده وحصر الانسان للعيش بمعزل عن محبيه، فلا يتم توارث الحكايات والأمثال الشعبية والأغاني والرقصات والأكلات والحرف اليدوية من كبار السن محققين مقولة رئيس حكومة الاحتلال الاسرائيلي “الكبار يموتون والصغار ينسون”.

إذا أضفنا إلى ذلك ما يمكن أن يحدثه انتشار التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة من إضعاف لرغبة الالتفات إلى التراث وهيمنة على عقول الأطفال بما يحول دونهم والتزود بتراثهم الأصلي. وكذلك الشتات الذي تعرض له الشعب الفلسطيني وانشغاله بتفاصيل حياته اليومية بما أضعف اهتمامه بتاريخه وتراثه.

إن احياء التراث والمحافظة عليه لا يقل أهمية عن دفاعنا عن الأرض، وهو بحاجة إلى تكاثف جهود بين جميع أبناء الوطن الفلسطيني في الداخل والخارج، ويحتاج إلى دراسات وخطط موحدة وميزانية مرصودة وبرامج إعلامية ومناهج تربوية تشيد بالتاريخ والحضارة الفلسطينية وتفعيل للاتفاقيات الدولية بحماية التراث، والعمل الدؤوب لإثبات زيف ادعاءات دولة اسرائيل، وزيادة الوعي لدى الشعب الفلسطيني في مختلف مواقعه بأهمية المحافظة على التراث وتناقله عبر الأجيال، فالحفاظ على التراث هو وسيلة مقاومة لا يمكن قهرها.

زياد العالول 

كاتب وناشط فلسطيني 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق