مجتمعدين وحياة

“الحجاب” بين دعاوى التنميط والتضخيم والتمييع

مدونات

 

إن الحديث عن “الحجاب” و”لباس المرأة” يندرج ضمن سياق واسع يرتبط بما يسمى بـ”الصحوة”، إذ عرفت العقود السابقة إسهالا في الكتابة عن المرأة من مختلف التيارات الفكرية، وما يعنيني هنا الأدبيات ذات الطابع “الإسلامي” إذ وقعت في تضخيم الحجاب وتنميطه ثم لاحقا تمييعه.

كان من مخرجات اليقظة الدينية والصحوة الإسلامية أن تضخم الحديث في عدد من الأحكام الشرعية، واختلط فيها الثقافي بالديني دون تفريق، ويعد الحجاب مثالا صارخا على هذا التداخل الفج، إذ ارتبط التزام المرأة في عدد من الكتابات ذات الطابع الإسلامي “حصرا” بالحجاب، وقد وقع شطط كبير في بيان شروطه وأوصافه حد التضييق والتعسف بنقل مخرجات بيئة ثقافية إلى بيئة أخرى تحت مسمى “الدين”، ومن ثمّ؛ قام خلاف معروف بين المنتمين للتيار الإسلامي حول “شروط الحجاب”.

والناظر في هذه الأدبيات يجد أنه كثيرا ما يحصر تدين المرأة في التزامها بـ”الحجاب” الذي عرف شططا على مستوى شروطه

وأوصافه بل وحتى ألوانه، فنجد بعضهم يحصره في الألوان الداكنة، وبعضهم يضع شروطا لطوله وشكله بين من يقصره على الجلباب ولا يرى غيره لباسا شرعيا، علما أن شروط الحجاب التفصيلية من قبيل شكله ولونه أمر موكول للثقافات التي تبدع أشكالا متغيرة تتوفر فيها الشروط العامة للحجاب الذي يجب أن يكون ساترا للجسد كاملا عدا الوجه والكفين، وتحقيق الستر بشكل جميل لا يتعارض ومقاصد الشرع.

ومن ثمّ؛ فإن شكل الحجاب خاضع لمقتضيات “التدين” التي تقتضي التنوع، مما ينتج عنه أشكال مختلفة في شكلها، متفقة في مضمونها؛ فالبيئة المغربية غير البيئة الماليزية غير التركية غير السعودية غير الأوربية، فكيف يمكن إلزام الناس بجلباب على هيئة واحدة في مختلف الأقطار؟

إن رؤية “التنميط” التي تجعل الحجاب شكلا واحدا تتقاطع ورؤية “التضخيم” التي ترى الحجاب هو أصل الأحكام الشرعية المرتبطة بالمرأة، حتى تماهى عند بعضهم “إسلام المرأة وحجابها”!

إن القصد من الحجاب محدد، ويتمثل في ضبط حدود حركة الجسد الأنثوي في المجال العام ليتم التعامل وفق معايير “إنسانية”، ومع أفول التيار السلفي وتراجع الإسلام السياسي، شاهدنا انقلابا جديدا على الأحكام التي كرستها هذه التوجهات دون فصل بين التدين والدين، بل اعتبر كثيرون أن الحجاب من مخرجات “الإسلام السياسي”، فقوبل تضخيم فكرة “الحجاب” بنقيضها، وانقلب هرم القيم لنصير أمام تمييع واضح.

وليس غرضي هنا مناقشة هذه الحيثيات، وإنما مناقشة من رام إلغاء ونفي حكم الحجاب من منطلق إعادة تأويل النصوص الشرعية، ويعتبر قوله عز وجل: “يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين” [الأحزاب:59] الأصل القرآني في وجوب الحجاب على المرأة، ولما كانت الآية عامة ولا تظهر ماذا يكشف من المرأة جاء حديث أسماء المعروف، والمختلف في صحته، ليبين ما يكشف من جسد المرأة.

 

يلزم فهم الحجاب في ضوء مقاصده التي تؤطره، فالحجاب يرتبط بلباس المرأة في أمام غير المحارم، ويؤطر حركتها في الفضاء العام، وأكبر مقصد مرتبط بالحجاب هو الاستعفاف، ولو تأملنا القرآن لوجدنا أن هناك أكثر من آية تدل على الحجاب، خصوصا تلكم الآيات التي تحث على “الاستعفاف الجسدي” أي طلب العفاف في ستر الجسد؛

 

في الآية السابقة ذكرت علة الحجاب وهي “أن يعرفن”، وقد تباين تفسيرها؛ فمثلا الجابري  يرى أن الحجاب كان جزءا من معهود العرب قبل الإسلام، أي من عاداتهم الاجتماعية، كما يرى أن الحجاب شرع للتفريق بين الإماء والحرائر؛ ذلك أن الزنى كان متفشيا في العرب حتى ظهور الإسلام، وكانت هناك دور خاصة للدعارة بالإضافة إلى وجود الإماء اللواتي يقبل منهن الزنى والفاحشة والنساء الأجنبيات من جنسيات غيرعربية، وفيما بعد غير مسلمات. ومن ثم كان الخوف على المرأة من الزنى محصورا في النساء “الحرائر” وهن اللائي تربطهن قرابة الدم مع الرجال الأحرار، أي الذين لهم نسب معروف في إطار القبيلة، ومن أجل تحصينهن لجؤوا إلى حجبهن عن الأنظار بهذا النوع أو ذلك من الحجاب، ثم فرضوا السفور على الإماء حتى يتميزن عن الحرائر” [مواقف:ص15]

ومن ثم، فإن الجابري يرى أن أجزاء أساسية من هذا الحكم لم تعد قائمة في عصرنا، فمن جهة لم تعد النساء اليوم يقمن في بيوتهن ولا يخرجن إلا لقضاء الحاجة في الخلاء.. ومن جهة أخرى لم تعد هناك في عصرنا إماء ولا عبيد، فالمرأة تخرج لوحدها ولا حاجة لها إلى من تتميز به لتعرف كامرأة حرة تستوجب احترام الرجال والشباب.

وذهب كثير من أنصار هذا التوجه إلى نفس الرأي [ينظر مثلا: دوائر الخوف: نصر حامد أبو زيد، ص122].

ويثار هنا سؤال: على فرض صحة التفريق بين الإماء والحرائر، فإن مقتضى قوله تعالى “يعرفن” أن يكشف الوجه لا الشعر، إذ بالوجه تعرف المرأة لا بشعرها، إضافة إلى أن الواجب ليس تعطيل حكم الحجاب لانعدام سببه، وهو انعدام الإماء، فالإماء وإن انعدمن فالحرائر موجودات فيوجد الحكم بوجوده لقيام سببه وعلته أصالة، والأصل في الأحكام الشرعية الديمومة إلا ما استثني.

وإذا استحضرنا أن الشرع يتشوف للحرية كما هو معلوم، فكيف يناط حكم بهذه الأهمية بمنظومة “العبودية” و”الرق” التي يروم الشارع إلغاءها؟ إن حكم الحجاب يناط بمنظومة الحرية، كما أنه يكفل حركة المرأة بكل تحرر في الفضاء العام، ويضبط حدود الجسد الأنثوي دون تقديس أو تدنيس.

كما أن المتأمل للتشريع الإسلامي يجده دوما يفرق بين تشريعات الحرائر والإماء، وتتميز الأحكام التي تخص الإماء بنوع من التخفيف، ويمكن التمثيل لذلك بحد الجلد مثلا؛ فعقوبة الأمة إذا زنت نصف عقوبة المحصنات من المؤمنات، كالجلد مثلا، حيث ينصف إلى خمسين جلدة كما جاء في [سورة النساء:25].

 

خلاصة المقال في هذا الجانب أن المفروض أن يرتقي الحكم لا أن يتسفل، ومتفق أن الحرة تتحجب، فالأصل أن تكثر الحرائر لا الإماء، كما أننا إذا عرفنا أن الشرع متشوف إلى نزع نظام العبيد، فإنه لا يمكن أن نتصور أن تشريعات القرآن من هذا القبيل، لأنها ستصير تشريعات تاريخية لا تناسب زماننا.

وبعيدا عن هذا النقاش المهم، فإنه يلزم فهم الحجاب في ضوء مقاصده التي تؤطره، فالحجاب يرتبط بلباس المرأة في أمام غير المحارم، ويؤطر حركتها في الفضاء العام، وأكبر مقصد مرتبط بالحجاب هو الاستعفاف، ولو تأملنا القرآن لوجدنا أن هناك أكثر من آية تدل على الحجاب، خصوصا تلكم الآيات التي تحث على “الاستعفاف الجسدي” أي طلب العفاف في ستر الجسد؛ قال تعالى: “والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن” [النور:60].

إن طلب العفاف في هذا السياق موجه للراغبة عن النكاح من النسوة القواعد، وفسرت القواعد بمن قعدت عن الحيض وقيل من قعدت عن النكاح ورغبت عنه، لكن نجد الآية ذكرت القواعد وقيد عدم رجاء النكاح بشكل منفصل، مما يدل أن الرغبة عن النكاح مع الكبر في السن هما مناط رخصة التخفف في الثياب بقيد عدم التبرج بزينة.

فنرى كيف أن الله سبحانه حث  القواعد من النساء على الاستعفاف، ورخص لهن التخفف من اللباس من غير تبرج بزينة، لكنه استحب التعفف إبقاء على الأصل، مما يكشف لنا عن ضابط رئيس من ضوابط التعامل مع الجسد وهو الستر، وعدم التبرج بالزينة.

وبمفهوم المخالفة نعرف أن غير القواعد من النساء، أي من ترغب في النكاح أو يُرغب فيها، وَجَب عليها الاستعفاف.

لكن هذا الستر لا يصل إلى درجة إلغاء الجسد الأنثوي بتغطيته كاملا، بل يترك مجالا لكشف الزينة الظاهرة “ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها” [النور:31]،  وهذه الزينة الظاهرة هي التي بينتها السنة في الوجه والكفين، مع الاختلاف في القدمين، حتى يتحقق مقصد التعارف والتواصل بين الناس، ولا يتم قصر النظر على الجسد في الجوانب الشهوانية، مصداقا لقوله عز وجل: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير” [الحجرات:13]

لذلك فإن فهمنا لحكم الحجاب يجب أن يتم في ظل المقاصد الكلية كالاستعفاف، وتجنيب المرأة الأذى والارتقاء بكل أنثى إلى مصاف الأحرار، لا تسفلها إلى لباس الإماء.

إن معارضة حكم “الحجاب” ما هو في العمق إلا انقلاب على منظومة “التضخيم” و”التنميط” إضافة إلى هيمنة “السيولة” على العقول والمجتمعات.

إن الانقلاب على نماذج “التدين” لا يلزم منه الانقلاب على أصل “الدين” وقيمه، بل ينبغي في هذه المرحلة الانعطافية التمييز بين أنماط “التدين” وحقيقة الدين وجوهره، والرجوع إلى أصول الأحكام وأدلتها الشرعية وتقليب النظر في تفسيرها وتأويلاتها من أجل الرقي بحال الأمة نحو يقظة حقيقية تحيي الأرواح الموات.

الوسوم

جميلة تلوت

باحثة في الفكر الإسلامي من المغرب

مقالات ذات صلة

اترك رد