مجتمعالرئيسيغير مصنف

الجرافيتي: سلاح الشباب ضدّ السلطة

#عربيات_ضد_التطبيع

 

لطالما عملت الأنظمة الديكتاتورية على تلجيم وتكميم الأفواه من أجل ضبط النظام، فكان الفنّ ضمن رؤيتها الرسمية، أي بما ترغب في أن يكون متوافَقا عليه بما تمليه من معايير وقيم تعزز بها حكمها.

يخضع الفنّ إلى دائرة الرقابة والتدجين، ورغم هذا فإنه يحظى بحيّز هام، فهو بمثابة التدليل على وجود النظام أو شرعنة وترسيخ سلطته، لذلك عملت أغلب الأنظمة القمعية على حشد الفنانين لصالحها، يخوضون الحروب لحسابها ووفق رؤيتها، فأصبحت علاقة الفنّ بالسلطة في هذا الإطار علاقة مندمجة يستمر كل منهما بفضل الآخر وانتهاء أحد منهما هو نهاية الثاني دون شكّ.

في ظلّ هذا الوضع المطبق على الحريات، خرج الشباب إلى مربعات أخرى يحاول فيها أن يصنع تعبيرا فنيّا يعبّر عنه وعن رؤيته للواقع ليبرز حضوره المغيّب عمدا، فكانت الجدران متنفسا لكثير من الشباب الذي دوّن عليها  آراءه وقناعاته بطريقة فنيّة جديدة تسمى بـ”الجرافيتي”، عبّر من خلالها الشباب عن مدى استيعابهم لقيم المقاومة.

إنّ طريقة رسم هذه اللوحات الحائطية هي طريقة بالغة الخطورة، لا سيّما في المجتمعات التي مازالت تعيش الاستبداد، إذ يخرج الشاب ليلا يحاول إخفاء هويته وفي بعض الأحيان ملثما حتى لا يعرف إن صادف وأن شاهده بعض الأشخاص، فهو في هذا المنحى أو الاتجاه الفني لا يرنو إلى الشهرة على عكس الفنان العادي، إنّه فنّان يحاول أن يؤسس فهما جماعيا لعله ينجح في تأسيس فعل جماعي فيما بعد.

شكلت هذه الجدران صفحات مكشوفة للجميع ومقروءة لا تتطلب قراءتها الضغط على أحد الأزرار، يكفي العين أن تتنقل في الشوارع لتدرك مطالبها السياسية والاجتماعية، فتعزز الانتماء بين المواطنين في الفضاء العام لأنّ أغلب الصور أو الجمل المكتوبة تعبّر عن الهمّ الجماعي الحاضر في أذهان الجميع يمينا ويسارا، ولكن لا أحد يستطيع أن يُعلي صوته به خوفا من السجن والملاحقة.

 

الغرافيتي في شوارع القاهرة

 

كانت مطالب الحرية والديمقراطية والقضيّة الفلسطينية وصور المسجد الأقصى أو بعض الجمل الثورية حاضرة في رسومات الجرافيتي، تبرز بسلاسة الوعي الذاتي للشباب ومدى تصديهم لسياسات الأنظمة.

شكلت هذه الرسومات “الجرافيتي”  شكلا من أشكال استعادة الفضاء العامّ من السلطة التي هيمنت عليه، بل وعملت على تدجينه  كتغييب قيم الحرية أو القضية الفلسطينية ليبرز هذا الخطاب مختلفا ومخالفا للخطاب الرسمي.

 

 

لو عدنا إلى ما قبل إعلان ترامب بشأن القدس بأيّام قليلة أو سنوات ماضية، سنجد أنّ أغلب الشوارع العربية في تونس ومصر والجزائر وغيرها قد حملت الهمّ الفلسطيني في رسومات شباب الجرافيتي، فهي تشكل – أي هذه الصور الحائطية – صلتهم بمشروع المقاومة رغم عمل الأنظمة على دحض مفاهيم المقاومة ومحاولة خلخلتها في الذهنية العامة.

لا نستغرب اليوم هبّة الشباب تجاه القضية الفلسطينية فهي حاضرة في أعماقهم ووجدانهم منذ سنوات طويلة رغم اختلاف اهتماماتهم، فالجمهور الرياضي أو النشطاء السياسيون لهم نفس الموقف من فلسطين، إذ وحدت هذه القضية جميع أطياف المجتمع لذلك لم تكن مظاهراتهم الحاشدة مجرّد غضب عفوي وتلقائي تجاه القرار الأمريكي سيخمد أو سينتهي سريعا.

 

 

صحيح أنّ الشباب العربي يعيش عجزا رهيبا وحروبا نفسية صاخبة ومحاولات لتمييعه إلاّ أنّ هذا لم يؤثر على انتمائه إلى محيطه العربي والإسلامي.

إنّ إعادة القراءة في رسومات الجرافيتي على كلّ جدران الدول العربية  تكشف لنا بيسر مدى غضب الحشود العربية تجاه أنظمتها وتبنيها للقضايا العربية، فقد أبرزت هذه الرسومات مدى غضب الشباب قبل سنوات من الثورات العربية ليخرج في بدايتها مناديا بالشغل والحرية والكرامة، واليوم يخرج ليعدّل البوصلة تجاه القدس رغم صعوبة الأوضاع الداخلية وهشاشة الفعل العربي.

 

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد