رأي التحريرغير مصنف

عربيّات ضد التطبيع  

#عربيات_ضد_التطبيع

 

في محاولة لحرف الصراع عن وجهته الصحيحة، يتجه النظام الرسمي العربي الى التخلص من كل التزاماته الوطنية والقومية والإسلامية حلقة بعد اخرى، ومن ذلك اعادة ترتيب سلم الاولويات وتحديد الأعداء، حتى غدت قضية فلسطين والقدس في أسفل اجندة الاهتمام، ان كانت موجودة عليها أصلا ..

والادهى من كل ذلك انخراط بعض الدول العربية، وخاصة الخليجية منها، في نسج علاقات سياسية واقتصادية وثقافية، بادية وخفية  مع دولة الاحتلال الاسرائيلي.

وقد توالت زيارات وفود وشخصيات عربية وخليجية، رسمية وغير رسمية الى اسرائيل وتتالت الأخبار عن تنسيق مع اللوبيات الصهيونية واليمينيّة المتطرفة في الولايات المتحدة الامريكية وفِي اكثر من عاصمة غربية بزعم مواجهة التهديد الإيراني، ثم خطر التغيير في المنطقة، مع تنامي هاجس الخوف من انتشار الديمقراطية وارتفاع المطالب الشعبية بتقييد الحكم المطلق بقوة الدساتير والمؤسسات السياسية.

وهكذا، عمل هذا المعسكر على تخريب الوضع العربي ببث الفتن الداخلية وزرع الحروب الأهلية، في ليبيا واليمن والعراق، ودعم الانقلابات العسكرية وتخريب التجارب الديمقراطية الوليدة في المنطقة.

ثم استكمل هذا المشوار بالتحالف المفضوح مع اسرائيل لضمان الغطاء الامريكي الذي تراه هذه الحكومات بمثابة أوكسيجين الحياة له.

وبموازاة ذلك، سعى “معسكر الإعتدال” هذا  الى مواراة مساره التطبيعي خلف واجهة من الانفتاح الثقافي والفني ومحاولة استغلال وضعية المرأة بعدما تم تغييبها وحجبها عن الحياة العامة بتوجهات دينية متشددة كانت تستميت في فرضها على العالم الاسلامي.

خلال العقدين الاخيرين، كان الشعار الرئيسي الذي يتستر به تيار التطبيع هو مزعم الأخذ بيد الفلسطينيين في مشروع التسوية والسلام.  اما اليوم، فقد بات المسوغ الأبرز هو لجم الخطر الإيراني والتصدي للارهاب الذي ساهمت هذه الدول نفسها في زرعه، عبر بث الفتن الطائفية وثقافة التشدد الديني ومنع مسار الحرية والتغيير السياسي.

وهكذا بدأ يطفو الحديث  بصورة فجة عن تحالف ما يسمى بمحور الاعتدال بين العرب والاسرائيليين.

قبل اسابيع قليلة، دعي وزراء خارجية العرب للاجتماع على عجل في القاهرة للنظر في نقطة واحدة أدرجت على جدول الاعمال:  كيف يواجه العرب الخطر الإيراني؟

اما فلسطين والقدس، فلم تردا ولو عرضا في بيان الاجتماع الذي ارتفعت فيه الأصوات مطالبة بالذود عن الأمن القومي العربي والمصالح العربية العليا..

 مصطلحات باتت طَي النسيان  وتلاشت منذ سنين من القاموس العربي الرسمي، ولم تنبش الا للهروب من تبعات تحمل اعباء القضية الفلسطينية ومواجهة الخطر الحقيقي، وليس الافتراضي..

طبعا، هذا لا يعني تزكية السياسة الإيرانية وحساباتها القومية والمذهبية الخاصة، ولكن ذلك لا يبرر تغيير وجهة الصراع وتحديد هوية العدو..

في  2002، اطلق الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز في قمة بيروت ما عرف بالمبادرة العربية التي طرحت تطبيع العلاقات مع اسرائيل مقابل السلام وتطبيق قرارات الشرعية الدولية.

الا ان الأمور ما فتئت تتدحرج نحو تطبيع الدول العربية للعلاقة مع اسرائيل من دون أمن ولا سلام ولا شرعية.. وقد استخدمت هذه المبادرة ولا تزال  غطاء للتخلص من اعباء القضية الفلسطينية ومد جسور التواصل والتعاون مع دولة الاحتلال..

وهكذا، احلت هذه المبادرة بوعي او دون وعي ما كان يعد محرما، فغدا ما كان محتشما سلوكا اعتياديا، وبات ما كان يوارى خلف الأبواب المغلقة وتحت جنح الظلام يجترح جَهْرًا في واضحة النهار.

إزاء هذا المشهد المريع، لم يجد الشارع العربي بدا من التحرك، بعد القرار الامريكي بنقل السفارة الامريكية للقدس عاصمة لاسرائيل، كي يعيد البوصلة الى وجهتها السليمة باتجاه فلسطين والقدس ونحو العدو الحقيقي وليس المتوهم: اي الاحتلال الذي يلتهم الارض ويفرض الاستيطان ويهود القدس.

حالة الاستفاقة الشعبية العربية والاسلامية هذه من شأنها أن تعيد ترتيب سلم الأولويات وتثبت حقائق التاريخ والجغرافيا، لتقول للنظام الرسمي العربي: مصدر التهديد الرئيسي هو اسرائيل، هناك وجهة كل من يدعي الحرص على حماية الأمن القومي والدفاع عن المصالح العربية، وهناك تتحدد هوية من يتبوأ القيادة الإقليمية، بلا منازع.

ليس مطلوبا اليوم منكم تجييش الجيوش او شن حروب من اجل فلسطين، رغم الأسلحة المكدسة والاموال المهدرة، بل مجرد التعبير عن موقف سياسي موحد ضد الصلف الامريكي-الاسرائيلي، والالتزام بالحد الأدنى من المصالح العربية، والإنتهاء عن اللهث العبثي وراء التحالفات مع اسرائيل ولوبياتها.

لقد استغلت قضايا المرأة في بعض الدول العربية ولا تزال،  وامتصت حتى العظم بغية تمرير التطبيع والتآمر على القدس والمصالح العربية العليا. لذا، رأينا في مجلة ميم أن نطلق حملة “عربيّات ضد التطبيع” للتصدي لمساعي تزييف الوعي العربي وتحمل مسؤوليتنا كاملة في الدفاع عن فلسطين في ظل التخاذل الرسمي العربي المقيت، وضم جهودنا الى الحراك الشعبي العربي والإسلامي والدولي المتنامي من اجل القدس.

تهدف هذه المبادرة الى تعبئة الطاقات النسوية في مختلف مواقع العالم العربي في مواجهة مشروع التطبيع، خاصة مع اتجاه بعض الدول العربية الى إقامة علاقات سرية ومعلنة مع دولة الاحتلال ومحاولة تشويه حقائق التاريخ والجغرافيا لتصفية القضية الفلسطينية، بزعم وجود مخاطر وتحديات اخرى أكثر اهمية وأولوية.

وتسعى هذه المبادرة إلى مد جسور التواصل والتنسيق بين مختلف الهيئات والفعاليات  وسائر القيادات والرموز النسوية، من مثقفات وكاتبات وناشطات مجتمع مدني، من اجل معاضدة الجهود وتعزير وحدة الصف العربي في مواجهة الاحتلال ومحاولات التضليل  وتزييف الوعي السياسي للمرأة العربية، عبر إلهائها بمظاهر انفتاح مضلل يتلخص في الترخيص لها بقيادة السيارة أو حضور حفلات غناء ورقص، في حين يلجم صوتها في القضايا المصيرية، وفِي مقدمتها الاحتلال والدكتاتورية والحكم الفردي والاحتماء باللوبيات الصهيونية وبإدارةٍ هي الأكثر تطرفا في التاريخ الأمريكي..

ستعمل هذه المبادرة على استثمار أدوات التواصل الاجتماعي من فايس بوك وتوتير، وغيرها للتعريف بنفسها والتواصل مع أوسع نطاق ممكن من الجمهور النسوي في العالم العربي وخارجه.

كما سنسعى لتنظيم الندوات والمؤتمرات وورشات العمل، في العواصم العربية وغيرها، بغية مد جسور الحوار والتنسيق بين مختلف المنظمات والفعاليات النسوية العربية وبناء برنامج عمل مشترك في مواجهة مشاريع التطبيع والهروب من القضية الفلسطينية.

نرجو من جمهورنا التفاعل مع هذه الحملة وضمان نجاحها في الوصول الى أهدافها الكبرى من اجل قضية فلسطين والقدس ومصالح امتنا العربية.

ليس لأحد الحق في الحديث بالنيابة عنا واستغلال ما سلبنا من حقوق لمواراة سوأة الإستبداد والتطبيع.. نحن العربيات مخولات لتحديد قضايانا وأولوياتنا بأنفسنا، دون وسيط يتاجر بنا ولا وصي يقامر بمصير أمتنا. 

الوسوم

سمية الغنوشي

رئيس تحرير مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد