مجتمع

دول عربيّة تستعمل الصراع “السني- الشيعي” غطاء للتطبيع

#عربيات_ضد_التطبيع

شيماء العباسي- مجلة ميم

من دروس التاريخ أن تكون اللحظات المفصليّة وخاصّة الهزائم والإنكسارات كاشفة للكثير من الخفايا والتحالفات التي تبدع “مساحيق” المناورة في تزيينها فيكون بين ضفتي الموقف والخيار أو التحالف والإستراتيجيا خيط رفيع جدّا لمن يتتبّع القضايا والمسائل الجوهريّة الرئيسيّة فحسب دون السقوط في الثانوي أو الهامشي.


قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن القدس كشف عن خارطة توازنات وتحالفات جديدة في الشرق الأوسط وحتّى خارجه ليست جديدة بالكامل ربّما ولكنّها لم تكن بهذا الوضوح من قبل لعلّ أبرز عنوان لها إستقواء الكيان الصهيوني بـ”تحالف سنّي” وإستقواء الثاني بالأوّل في نفس الوقت ضدّ “عدوّ” مشترك هو في نفس الوقت “عدوّ” الولايات المتّحدة الأمريكيّة رقم واحد في المنطقة وهي إيران.


يدرك ترامب أن دول الشرق الأوسط العربيّة عاجزة عن مواجهة التزايد المستمر للنفوذ الإيراني في لبنان وسوريا والعراق واليمن وقد بلغت تهديدات طهران للرياض مثلا حدّ إستهداف العاصمة السعوديّة بصاروخ إيراني من طرف الحوثيين قبل أسابيع قليلة من قرار ترامب في حادثة إعتبرتها الرياض بمثابة إعلان حرب.


من خلال عجزها عن مواجهة إيران دون دعم أمريكي أساسا وغربي عموما، وخاصّة من خلال تواتر مقوّمات التطبيع الكلّي والشامل إقتصاديا وأمنيا وثقافيا مع الكيان الصهيوني، أدرك ترامب أن اللحظة باتت سانحة لتسويق حليف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط كحليف “إستراتيجي” لدول المنطقة المدعومة أمريكيا في مواجهة إيران.


يشير قرار “ترامب” إلى أنه يرى أن الصراع الأساسي في المنطقة الآن هو بين الدول العربية السنية وإيران، وأن الأولى لذلك على استعداد للتقارب مع إسرائيل، كما أنها بحاجة إلى الدعم الأمريكي في هذه المواجهة، وبالتالي فإن النظم والحكومات سوف تتقبل هذا القرار، ولو ضمنيًّا.


كلّ هذه المؤشّرات وغيرها تقود إلى الإستنتاج نفسه، إذ يظهر جليا أن “محور الإعتدال” المتشكّل في منطقة الشرق الأوسط منذ سنوات يستعمل غطاء الصراع الطائفي السنّي/الشيعي للتطبيع مع الكيان الصهيوني حتّى بالتخلّي عن القدس وفلسطين برمّتها إن إستوجبت “الحرب” تلك التحالفات أو إستوجب بقاء هذه النظم أساسا الإنسلاخ عن قضايا أمّتها والإرتماء في أحضان المحتلّ.


لأنّها تخشى من الأغلبيّة الشيعيّة لسكانها، لا تمانع البحرين في تبادل الرقصات والزيارات والمعاملات وحتّى التعازي والمعايدات مع الكيان الصهيوني ولأنّها تخشى “تمدّد الهلال الشيعي” تقدّم دول السعوديّة والإمارات كلّ التنازلات من أجل قوّة عسكريّة كبيرة تحميها وجدتها في الولايات المتحدة الأمريكيّة وحليفتها إسرائيل، المستفيد في نهاية الأمر طرف واحد فقط فلا تضرّرت إيران ولا تقلّص نفوذها ولا إستقوت دول “محور الإعتدال” بل إستقوى بها الكيان المحتلّ.


لا يمكن إختزال طبيعة الصراع “السني/الشيعي” في المنطقة في عناوين كتلك التي يحدّدها المستفيدون منها بشكل أو بآخر في منطقة الخليج العربي، ولكن الثابت بالمؤشرات الملموسة أن من يحدّدون معالمه من النظام الرسمي العربي لا يفعلون غير إستعماله غطاء للتطبيع ومدخلا لعلاقات متطوّرة مع الكيان المحتل والولايات المتحدة الأمريكيّة ضاربين عرض الحائط بقضيّة وحقّ أرض عربية فلسطينية باقية ما بقي الزعتر والزيتون.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد