مجتمع

يحدث في لبنان .. قوانين من عهد الانتداب تحط من قيمة النساء

جنسيتي حق لي ولأسرتي

ميرنا سركيس-بيروت- مجلة ميم

قد يُعتقد ولوهلة أولى، أن لبنان المتعارف عليه بأنه جنة للحريات – وهي مسألة نسبية – وهو أيضا موطن المساواة بين مواطنيه ومواطناته، وهم بحسب المادة السابعة من الدستور، يتمتعون بالمساواة في الحقوق المدنية والسياسية، ويتحملون الواجبات دون تمييز أو تفضيل. لكن ذلك لا يعدو كونه نصّ لم يعرف بعد سبيلا الى حيّز الواقع، وتطبيقه دونه عقد كثيرة عنصرية، طائفية وذكورية.

 

قانون الجنرال ساراي 

في هذا المعنى يخالف قانون الجنسية اللبناني الدستور، إذ يحصر رابطة الدم بالأب ويحرم السيدات المتزوجات من أجانب حق منح الجنسية لأزواجهن وأولادهن.

يعود هذا القانون – كما قوانين لبنانية كثيرة – الى زمن الانتداب الفرنسي، وقد تم وضعه عام 1925، أيام حكم المفوض السامي الفرنسي الجنرال موريس ساراي..

تقول كريمة شبّو، منسّقة حملة جنسيتي حق لي ولأسرتي، لـ”ميم”: “كل سنة نحتفل بذكرى استقلالنا عن فرنسا لكن لا زلنا محكومين بقوانينها، هذه القوانين عُدِّلت في اوروبا في بداية القرن الماضي ولكنها سارية عندنا”.

 

العنف القانوني

لرفع هذا الغبن اللاحق بالنساء وللحد من تداعياته المزرية من معنوية واقتصادية على حياة أسرة المرأة المتزوجة من أجنبي، انطلقت حملة جنسيتي حق لي ولأسرتي من لبنان وشملت معظم الدول العربية، ومن أبرز أهدافها الموضوعة، تحقيق المواطنة الكاملة للنساء من خلال إصلاح قوانين الجنسية والتنفيذ الكامل لاتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

وبعد نحو سبعة عشر عاما على انطلاقها، عدّلت حوالي تسع دول عربية قوانين الجنسية فيها لصالح المرأة باستثناء لبنان. لم ينل هذا “العنف القانوني” كما تصفه الحملة من العزيمة، لا سيما بعد أن تحولت قضية النساء إلى “قضية رأي عام، يتم تناولها من منطلق حقوقي إنساني، وبعد أن خرجت من كونها فقط قصص قهر ومعاناة تخص المعنيين بها..” بحسب كريمة شبّو.

 

كريمة شبو في حديثها للإعلام

 

فزّاعة التوطين 

اصطدمت ولا تزال مطالبات حملة “جنسيتي حق لي ولأسرتي” برفع التمييز ضد النساء بجدار من التعنت والفوقية من جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية، تتسلح الحملة بالدستور اللبناني الذي يقول بالمساواة بين اللبنانيين، وبالمواثيق والاتفاقيات الدولية التي وقع عليها لبنان، وهي مناهضة للعنف وللتمييز، وبينها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتتحجج الجهات الرافضة لإنصاف النساء بأن منح الجنسية لأسرة المرأة يخلّ بالديمغرافيا ويفتح الباب أمام توطين السوريين والفلسطينيين..

يكررها وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل بصراحة، ويغرّد في مناسبة اليوم العالمي لمكافحة العنف ضد النساء “مساواة المرأة والرجل بحق إعطاء الجنسية للأولاد ما عدا الدول التي تشكل خطر التوطين”.

تردّ منسقة حملة “جنسيتي حق لي ولأسرتي” كريمة شبّو بأنه: “لا يمكن ان يكون هناك مساواة مع كلمة ما عدا التي يشترطها الوزير باسيل، هذا ابداع في التعبير عن العنصرية.. وازدراء للمرأة اللبنانية التي تعطي الحياة ولا تعطي الجنسية إلا بحالة واحدة، اذا صرّحت بأن ابنها غير شرعي وارتضت أن يدوّن على أوراقه الثبوتية بأنه لقيط”.

وتكشف شبّو أن الجنسيات التي يستخدمونها كفزّاعة لعدم تعديل قانون الجنسية تأتي في أدنى الأرقام: “بحسب دراستنا وبحسب دراسة الدولة كذلك، فإن نسبة اللبنانيات المتزوجات من فلسطينيين هي الأقل قياسا بالجنسيات الأخرى ولا تتعدى 0،48%”.

 

 

 التعليم والعمل ومشقاتهما.. 

رغم كل محاولات التطويق، أصبحت حملة جنسيتي حملة عالمية، أما عربيا فقد تبنّت الجامعة العربية ولأول مرة ورقة الحملة في موضوع إصلاح قانون الجنسية في كل الدول العربية، وبات مشروع قانون الجنسية الذي تقترحه في عهدة مجلس النواب اللبناني.. وبانتظار تصاعد الدخان الأبيض، تتابع الحملة تحركاتها الضاغطة باتجاه اقرار القانون ومعها تقديم خدماتها الاستشارية القانونية للنساء المتزوجات من أجانب ومساعدتهن على تسوية اوضاعهن القانونية والاجرائية المعقدة.

 

 

عام 2010، صدر قانون “المجاملة” الذي أتاح لأزواج وأولاد اللبنانيات الاقامة معها في لبنان بدون شروط او حاجة الى كفيل، ليسقط بذلك سيف الترحيل الذي كان مسلطا طويلاعلى رقابهم..

تسوية موضوع الاقامة لم ينسحب على موضوع المدارس الذي يحتاج سنويا لاستصدار استثناء عن وزير التربية، ليتم بموجبه تسجيل أولاد اللبنانيات في المدارس.. توضح شبّو أن “هذا الاستثناء تزامن مع النزوح السوري وتأكيدا على ان أولوية التسجيل في المدارس هي للتلامذة اللبنانيين، لكن هذه الاولوية لا تشمل اولاد اللبنانيات الذين اصبحوا يعاملون معاملة النازحين”. أما بخصوص العمل، “كان هناك قرار يسمح بعمل أزواج وأولاد النساء اللبنانيات من دون اجازة عمل، لأن ذلك يتوافق مع قانون المجاملة، لكن هذا القرار لا يعمل به حاليا من دون ان تقدّم وزارة العمل اي مسوّغات في هذا الشأن”.

 

 

..يرمون ببسّام الى الخارج 

وبشكل متصل، لا يستطيع أولاد الأم اللبنانية المتزوجة من أجنبي دراسة اختصاصات جامعية معيّنة، لأنهم لن يستطيعوا العمل بها مستقبلا مثل الطب والهندسة وأخرى كثيرة.

بسّام من أم لبنانية وأب أميركي، كان يحلم بأن يصبح طيارا في شركة طيران الشرق الأوسط اللبنانية، يقول لـ”ميم”: “لم يتم قبولي لأنني لست لبنانيا بحسب القانون، تحوّلت الى دراسة التجارة وتخرّجت العام الماضي أبحث عن عمل هنا ولكن بدون جدوى، حاليا افكر بفرصة خارج لبنان”.. يضيف: “هذا أمر يشعرني بالقهر كأنهم يرمونني خارجا، لم أعرف غير لبنان بلدا..هكذا فعلوا لأخي الذي درس الطب ولم يستطع العمل بالمهنة..عائلتنا تشتتت، لكن اقول لهم مهما فعلتم سيأتي يوم ونحصل على حقنا بالجنسية..”

 

 

..ويوصلون أشواق إلى حافة الندم.. 

درست أشواق وتخصصت في سن متقدمة لتسد حاجة أسرتها لأنها متزوجة من رجل يحمل الجنسية التركية، تقول لـ”ميم”: “أشعر بالذنب أحيانا لأنني تزوجت وظلمت أولادي، ولأني لم أستطع ايصالهم الى بر اآمن”، تخصص أولاد أشواق في الهندسة والعلاج الفيزيائي وهي اختصاصات لا تضمن لهم العمل باعتبارهم أجانب. يعيدون الجنسية للمغتربين، جلّهم لا يعرفون لبنان، وأولادنا ينتمون الى لبنان قلبا وقالبا، هكذا نشؤوا، رابطة التنشئة تضاهي رابطة الدم التي يتحججون بها”..

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد