مجتمع

السفيرة بيسيرا توركوفيتش: علي عزت بيغوفتش كان واعيا بمخاطر تفكك الاتحاد اليوغزلافي على البوسنة

حوار مجلة ميم مع أول سفيرة  "امرأة"  لجمهورية البوسنة والهرسك

 

بملامحها المرحّبة وابتسامتها العريضة تستقبلك، وتتناول معك أطراف الحديث بعفويّة، ولا يخطر ببالك أن خلف هذا الأسلوب البسيط والبشوش تكمن شخصية لامرأة ديبلوماسية من الطراز الرفيع، فهي أول سفيرة  “امرأة”  لجمهورية البوسنة والهرسك.

تولت  أولى مهامها  الديبلوماسية في كرواتيا، الدولة التي  كانت أثناء العدوان الصربي على البوسنة حليفاً ثم صارت عدوّاً، لتتولّى بعدها سفارة البوسنة في دول مختلفة منها المجر والنمسا والولايات المتحدة والبرازيل.

تُميّزها خلفية ثقافية متنوّعة دينياً وعرقياً، فهي ابنة لأب بوسني مسلم وأم من أصول ألمانية  يهودية، تربّت في كرواتيا ثم انتقلت لتعيش في سراييفو، وتعكف حالياً على تأليف كتاب يتناول حياتها وتجربتها الثرية.

 

حدثينا عن البدايات، النشأة ومرحلة الدراسة 

انفصل والداي في سنّ مبكّرة، فربّتني جدتي لوالدتي في زغرب. كانت كاثوليكية بطريقتها الخاصة، كانت تردد “الله واحد، ولكن الناس يعبدونه بطرق مختلفة، ولا يهم ذلك طالما أنهم يتوجّهون إليه”. ولذلك كانت تؤدي صلواتها في الكنيسة أو الكنيس أو المسجد، بحسب المكان الذي تكون أقرب إليه أثناء تجوالها في المدينة لقضاء حاجياتها.

أنهيت دراستي الثانوية في زغرب، وانتقلت بعدها لسراييفو لأدرس الحقوق، وتزوجت خلالها وأنهيت دراستي وعندي طفلان آنذاك. سجّلت بعدها للدراسات العليا ولكن الظروف والاعتقالات السياسية التي عانى منها مسلمو البوسنة دفعتني للانتقال من بلدي إلى أستراليا حيث كانت تعيش والدتي، وهناك أكملت الماجستير في العدالة الجنائية، وأنهيت بعدها الدكتوراه في الولايات المتحدة.

 

خرجت من سراييفو عام 1983 بسبب الاعتقالات التي دارت في صفوف المسلمين، ما هو موقعك من هذه الأحداث؟ 

أيام اعتقال عزت بيغوفتش ورفاقه، كنت أعمل محامية بإحدى الشركات، وبسبب علاقة الصداقة التي تربطني ببعض المتهمين استدعيت للتحقيق، كان الاستدعاء يتم بطريقة أن يرن عليّ أحدهم ويطلب مني في ظرف ساعة أن أكون حاضرة بمقر الاستخبارات، وهناك يبدأ الاستجواب ويمتد لساعات دون مراعاة أن لديّ ثلاثة أطفال عليّ اصطحابهم من المدرسة والحضانة، كان هناك ضغط نفسي رهيب لإجباري على التوقيع على شهادة معدّة مسبقا تحتوي وقائع مزيفة بحقّ أصدقائي، من أصعب اللحظات في إحدى الليالي حين اتصل المحقق بزوجته سائلا إياها : “هل تعشّى الأطفال؟ هل ناموا؟ ثمّ ينتقدني بقوله كم أنا أم سيئة أسمح لنفسي أن أتأخر ليلاً وأغيب كل هذه المدة عن أبنائي فقط حتى لا أوقع على ما يريدونه! وأصررت على موقفي، ويوم المحكمة، جاءت شهادتي في صالح أصدقائي من المتهمين، وبعد نهاية جلسة المحكمة استأذنت إحدى المتهمات القاضي كي تخاطبني بصورة شخصية، وقالت لي حينها: “شكراً لك أختي، أنت أعدت لي الإيمان بالناس”، ولكن بعد المحكمة لم تتوقف المضايقات والملاحقات، فقررت السفر إلى استراليا حيث تسكن أمي.

 

كيف دخلت العمل الديبلوماسي؟ 

أثناء إقامتي باستراليا، مارست العمل الأكاديمي والعمل السياسي المتخصص بزيادة المشاركة البوسنية في المجتمع الأسترالي، وكنت المندوبة الأولى لحزب العمل الديمقراطي الذي أسسه علي عزت بيغوفتش في أستراليا، وشاركت في اجتماع اللجنة التأسيسية في سراييفو. وفي إحدى العشاءات، تحدث معي بيغوفتش عن قلقه بسبب أن هناك عدداً كبيراً من الناس بدؤوا الخروج من البوسنة بعد تفكك الاتحاد اليوغسلافي، ونشوء واقع سياسي جديد بدولة البوسنة والهرسك، والخوف من نشوب الحرب بسبب ذلك، فسألته: هل تشجّع المهتمين على العودة للسكن في البوسنة؟ قال لي: نعم، ولكن عليهم أن يعوا جيداً المخاطر التي تنتظرهم.

وقتها قرّرت العودة والإقامة في البوسنة، وعملت بعد عودتي على إعداد وإطلاق تلفزيون حياة، كنت أول رئيس تحرير تلفزيون حياة، وأثناء الحرب تحوّل بيتي إلى ستوديو للتلفزيون، وبسبب خبرتي في العمل السياسي في الخارج ونشأتي في كرواتيا، عُيّنت سفيرة في كرواتيا في يناير 1993 بعد سنة تقريباً من نشوب الحرب.

 

في   23  اكتوبر عام 1992، بدأ الصراع بين قوات البوسنة والهرسك وقوات كروات البوسنة الانفصاليين بتأييد من قيادة كرواتيا التي أصبحت سفيرة بها بعد فترة وجيزة من بدء الصراع، حدّثينا كيف كانت ظروف عملك في دولة صارت عدوّاً، وكيف تعاملت مع هذا الوضع؟ 

في المرحلة الأكثر أهمية من  العدوان على البوسنة والهرسك كنت سفيرة لدى جمهورية كرواتيا، التي تحولت من بلد صديق إلى معتد اعتداءً مفتوحاً، كان الوضع  صعباً للغاية. ولكني كنت أحاول جاهدة  الاستمرار ومقاومة التحديات. ألهمني المقاتلون  القوة، هم حقيقة دافعوا ببطولة عن بلادنا. و أعطاني الرئيس علي عزت بيغوفيتش الكثير من الثقة. وكان لي أيضا زملاء رائعون، لديهم ولاء لا نهاية له لأفكار الدفاع عن البوسنة والهرسك.

مرّ من خلال كرواتيا أكثر من مليون لاجئ بوسني، وكانت مهام  سفارتنا هي الأكبر بالنسبة إلى بقية سفاراتنا في دول أخرى. وفي تلك الأيام قدم الكثير من الجرحى الذين لم يلقوا ترحيباً من المستشفيات الكرواتية بسبب الحرب، فقمت بتأسيس  عيادة طبية بمشاركة  ثلاثين طبيباً بوسنياً، وتولت تلك العيادة رعاية الجرحى الذين  طردوا من المستشفيات الكرواتية. كانت هناك جماهير من اللاجئين والمشردين ينتظرون جوازات السفر والوثائق المختلفة.

جميع الإمدادات ابتداءً من المواد الغذائية وانتهاءً بالأسلحة دخلت من خلال السفارة. والمفاوضات السياسية تم تنفيذها تحت إشراف السفارة. بشكل يومي كانت السّلطات الكرواتية تقبض على مواطنينا وتنقلهم إلى أرض المعركة ليكونوا دروعاً بشرية أو يحفروا خنادق على الجانب الكرواتي، ويتعرّضون لإطلاق النيران أثناء الحفر.

أشرفت على توقيع اتفاقية بين الصليب الأحمر ووكالة الإغاثة المصرية على تنفيذ  الأنشطة اللازمة المتعلقة بإعادة تأهيل المشاكل المعقدة الناجمة عن عمليات الاغتصاب الجماعي للنساء بغض النظر عن انتمائهن القومي أو الديني أو العنصري، وكذلك ولادة أطفال نتيجة هذا الاغتصاب. أنشأت المدارس الإقليمية في جميع أنحاء أوروبا لأطفالنا اللاجئين ليتلقّوا التعليم بشكل منتظم. وتعرّض طاقم السفارة لمضايقات عديدة، وكنا في صراع حرب. أحرقوا علمنا، وأغلقوا حساب السفارة البنكي، ضربوا موظفينا، وأطلقوا النار عليّ…

 

وبعد مهمّات ديبلوماسية مختلفة، أصبحت سفيرة في الولايات المتحدة، ما هي أهم الأعمال التي قمت بها  خلال خدمتك هناك؟ 

بيسيرا توركوفيتش في حفل الإفطار السنوي في واشنطن مع مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية السابقة

لدي ذكريات جميلة بشكل خاص من تلك الفترة، لقد استمتعت بعملي في الولايات المتحدة. كانت لي علاقات ممتازة مع وزارة الخارجية. حاولت أن أكون موجودة بين أبناء شعبنا المهاجرين إلى هناك، أزورهم وأقيم تجمّعات لهم ليشعروا بأنه لم يتم التخلي عنهم  ونسيانهم من قبل وطنهم. لقد عملت على نشر ثقافة البوسنة والهرسك، أقمت علاقات جيدة في مجلس الشيوخ والكونغرس في الولايات المتحدة تحولت إلى صداقات شخصية لا تزال موجودة.

عملت على مشاريع مشتركة لإزالة الألغام في أراضي البوسنة والهرسك، وفي التدريب العسكري، وفي ملف المساعدات الاقتصادية… باختصار، أنا مسرورة جدا لقيامي بمهمّة السفارة في الولايات المتحدة.

 

مع هيلاري كلينتون

 

هل كانت هناك تحدّيات واجهتك خلال عملك كونك مسلمة متديّنة وبنفس الوقت تعملين سفيرة في بلدان غير مسلمة؟ 

حسنا، لم يكن هذا مشكلة، قبلوني كما أنا، وقدّروا صفات الجدية في العمل والحزم والإخلاص. كان بإمكانهم الاعتماد على مواقفي وآرائي، لم يكن في محادثاتي مع نظرائي أي تلاعب أو تردّد، وهذا ما منحني المصداقية والثقة من قبل الآخرين، احترمت معتقداتهم وهم بدورهم احترموا معتقداتي.

 

أثناء تقديم اوراق الاعتماد كسفيرة في بلجيكا للملك البرت الثاني

 

لديك أيضاً ابنة وولدان، كيف استطعت الموازنة بين دورك كأم لثلاثة وبين مهامك العملية التي تتطلب الكثير من السفر والتنقّل وأحياناً الدوام الطويل؟

الحمد لله لديّ أبناء رائعون، ولم تكن لديّ مشاكل في تربيتهم. كنت أتحاور كثيراً معهم، قمت بأشياء جيدة لهم وأحياناً كانت لديّ أخطاء، أرشدتهم بأفضل ما يمكنني وبكل القدر الذي أعرفه عن الرعاية والتربية، ولعلّ الصعوبة الأكبر التي تعرضوا لها هي الدخول الدائم لأشخاص جدد إلى حياتهم بسبب  ظروف انتقالنا لأجل  عملي من دولة لأخرى، وهذا التأقلم مع بلد جديد يكون عادة صعباً.

التربية بشكل عام أمر معقد، وحين يكون الارتباط قوياً بين الأم والأبناء، يكون أحد أشدّ امتحانات الديبلوماسية صعوبة.

أستعين دائماً بالله وأطلب منه الغفران فيما لم أنجح والتوفيق لما هو قادم .

استغرق مني الأمر سنوات عديدة لأدرك أن علاقتنا مع الله ضرورية أساسا، لأننا نعمل من تلقاء أنفسنا، وفي الحياة في أصعب اللحظات نحن وحدنا، هو الوحيد الذي يبقى معنا، وبعد أن كبر أبنائي أقول إن الأطفال زهور عطرة تفوح بحسب ما لدينا من التزام، ويمكننا أن نتمتع بهم حتى وقت معين، ولكن تعلقنا الوحيد والثابت، أملنا وثقتنا تبقى بالله فقط، لأن كل شيء آخر عابر، وهو دائما الراحة والأمل.

مريم تولتش

صحفية متابعة للشؤون الأوروبية ومتخصصة في البوسنة والهرسك

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “السفيرة بيسيرا توركوفيتش: علي عزت بيغوفتش كان واعيا بمخاطر تفكك الاتحاد اليوغزلافي على البوسنة”

اترك رد