ثقافة

الروائي الجزائري عبد الرزاق بوكبة: لا فرق بين كاتب يستحضر مشهدا جنسيا لدواع إباحية وكاتب يستبعده بنزعة أخلاقية

حوار مجلة ميم مع الروائي الجزائري عبد الرزاق بوكبة

حاوره: حسام الدين ربيع- الجزائر 

كتب في القصّة والرّواية والشعر والسيرة واليوميات والمقال الثقافي، لافتا الانتباه إلى تميّزه في هذه الأجناس كلّها، كما تميّز في برامجه الإذاعية والتلفزيونية، ومساعيه الثقافية الهادفة إلى خدمة الثقافة والمثقفين في الجزائر. 

تحدث الروائي الجزائري عبد الرزاق بوكبة لمجلة “ميم” عن قضايا كثيرة منها منطلقاته الإبداعية، وفلسفته في الكتابة التي أصدر فيها 11 عنوانا ترجم بعضها إلى الإنجليزية والألمانية والكردية، وتناول الحوار ملفات الجوائز الأدبية وصراع الأجيال في الأدب والاتهامات الموجهة للمثقف العربي.. وغيرها.

                          

عادة ما يُطرح سؤال البدايات على الكتّاب الهواة، بينما هو مهمّ لمعرفة سياقات تشكّل الاسم المكرّس. كيف كان ميلادك الأدبي؟ 

لستُ كاتبا أسطوريا، لكنني كاتب صنعته أسطورة. ذلك أنني كبرت في قرية تستشير شيخ الزّاوية التي تنتمي إليها في الصّغيرة والكبيرة، بما في ذلك شراء بغل أو بيع ثور. لذلك لم تعارض العائلة قرار أبي بأن يستشير الشّيخ في قرار تطليق أمّي بسبب تأخر حملها. وكان قرار الشّيخ ألّا تطلقها، فسيولد لكما طفل يكتب كتبا يقرؤها الناس.

لقد تشرّبت أسرتي ومحيطي الصّغير قناعة أنني سأكون كاتبا، ونقلا إليّ هذه القناعة منذ صغري، فتشرّبتها بدوري. لذلك تنهد أبي عميقا حين وقع بين يديه كتابي الأوّل “من دسّ خفّ سيبويه في الرّمل؟” عام 2004.

وقال: “لم يكذب الشيخ”. صحيح أنني انفصلت عن هذه النبوءة لاحقا بعد أن صارت الكتابة عندي مشروعا خاضعا لوعي خاص، لكنني لا أنكر كونها فخختني بطموح الكتابة مبكرا، وبشغف القراءة الذي جعلني أقرأ كتبا أكبر من سنّي وأصرف على الكتب أكثر من الألبسة.

 

 غالبا ما يشكل المكان الذي ترعرعت فيه حيّزا من كتاباتك، حتى صارت قريتك “أولاد جحيش” من أشهر القرى في المشهد الأدبي الوطني والعربي. أتعتقد أنّ هناك كتابا يتحاشون ذكر مكان ميلادهم وأصبح يشكل لهم عقدة؟ برأيك لماذا وهل تراه تجاهلا للأصل؟ 

المكان وعاء الذاكرة الأولى التي تبقى، من غير أن نشعر أحيانا، خزاننا في الكتابة. فالمكان الذي رأينا فيه الشمس ونطقنا أول كلمة، واكتشفنا الفرح والحزن والخوف والحلم والجسد لأول مرّة، يملك سلطة خاصّة علينا. وأنا لم أكتب قريتي في نصوصي السردية من باب النكوص والتبرم من المدينة، فكوني أنتصر للخطاب الحداثي يبرمجني عفويا على الانتصار لخطاب المدينة، لكنني كتبتها من باب الوفاء لتلك اللحظات الإنسانية العميقة التي شكلت أوجه وعيي الأوّل.

لا أغامر بالقول إن إعراض بعض الكتّاب عن استحضار قراهم في كتاباتهم ثمرة لشعورهم بعقدة ما، ذلك أن الكتابة خيارات مختلفة من تجربة إلى أخرى، غير أنني أقول إن العبرة ليست بأن تذكر قريتك أو مدينتك مجرّد الذكر، بل بأن تكتبها بشروط الكتابة أصلا. أي أنك مطالب بصفتك كاتبا بأن تكون وفيا لشروط الفن قبل أن تكون وفيا لشروط المكان. هنا أشير إلى أن بعض الأقلام تاجرت بكونها طالعة من أمكنة معزولة أو مغمورة أو مهمشة أو تنتمي إلى أقلّية ما، معتقدة أن ذلك يمنحها مصداقية ما، بينما لا مصداقية خارج الجمال.

 

فتحت نافذة على أدب البيت في الجزائر، من خلال كتابك الجديد “يدان لثلاث بنات”. لماذا يقلّ عند كتابنا هذا النوع من الأدب خاصة وأنه ينقل الحميميات بين أفراد الأسرة؟ 

ندرة هذه الحساسية الأدبية في المشهد الأدبي الجزائري ثمرة طبيعية للثقافة الاجتماعية السّائدة، حيث يبنى البيت الجزائري مفتوحا على الدّاخل لا الخارج، انسجاما مع ثقافة “الحريم”، وعادة ما تبقى النوافذ والأبواب مغلقة، وإن فتحت فمرفوقة بستارة، وإلا عدّ ذلك عيبا في نظر الجيران والعابرين. كما أن الجزائري يعتبر من العيب أن يتحدث عن زوجته وبناته البالغات، فإخفاء النساء من كمال رجولته. ورغم أن التحوّلات الاقتصادية مثل خروج المرأة للعمل والتعليم، فعلت فعلتها في تغيير العادات والرؤى السّائدة من زاوية تحرير حضور المرأة الجزائرية، إلا أن ثقافة الحريم بقيت سائدة.

كتاب يدان لثلاث بنات

إنني أنا نفسي تعرّضت إلى إكراهات من داخل وخارج البيت، حين شرعت في نشر يومياتي العائلية في “فيسبوك”، ثمّ جمعها في الكتاب المذكور عن دار “الجزائر تقرأ”. بحجّة أنني أنشر غسيلي الأسري، وكنت أقول إن بيتي فضاء إنساني بالدرجة الأولى وهو جدير بأن يكون مستثمرة أدبية.

غير أن مواقع التواصل الاجتماعي الجديدة بدأت تذيب الجليد في هذا الباب، بحيث لم يعد الجزائري يجد حرجا في أن ينشر صوره في المطبخ والصالون مع جدته وأمه وزوجته، في انتظار أن تنتقل هذه الروح إلى الكتابة. هنا أشير إلى أن مبيعات هذا الكتاب فاقت مبيعات كل كتبي العشرة التي سبقته.

 

 كتبت في القصة والشعر والرواية والزجل والمقال الثقافي والرحلة والسّيرة والمسرح، أين تفضل أن تكون وما هو أقرب عمل إليك لا يزال في وجدانك وذاكرتك وكأنّك أنت شخصية تلك القصة؟ 

الجنس الأدبي قبل أن يكون شكلا هو رؤية للوجود، علما أن هذا لا ينفي أن هناك هامشا واسعا تلتقي فيه الأجناس الأدبية بحكم أنها تنطلق من الذات البشرية وتنتهي إليها. وتعدّد الأجناس في تجربتي الإبداعية هو ثمرة لتعدّد تجاربي الإنسانية. إذ أكتب الحالة الإنسانية وفق الجنس الأدبي الذي يناسبها.

هل رأيت رجلا يملك أنواعا مختلفة من المركبات؟ فهو يركب الدراجة الهوائية أو الدراجة النارية أو السيارة أو الشاحنة أو الطائرة أو الباخرة حسب المزاج والحاجة وطبيعة المسافة.

لا تنس أن الكتابة مزاج بالإضافة إلى كونها فكر وفلسفة، وقد سردت في الجزء الثاني من كتابي “يدان لثلاث بنات” المعنون بـ”بوصلة التّيه” السياقات التي أحالتني على الكتابة السّردية بعد أن كانت ممارستي شعرية صرفة.

ليس المشكل في تعدد الأجناس الأدبية لدى الذات الكاتبة الواحدة، بل في ذهابها إلى جنس أدبي معين من غير دواع تتعلق بسيرتها ومسارها، كأن تتظاهر أو تخضع لسلطة جنس معين في سوق القراءة والنقد والترجمة والإعلام.

 

إلى أي مدى تركز على الجنس أو الدين والسياسة في كتاباتك خاصة وأنّ هذه الثلاثية “رفعت” كتابا على سلم الجوائز والإعلام؟

عرفتُ بشعار “أنا لا أكتب كي أصير نجما، بل أكتب كي لا أصير حجرا”، أي أن فعل الكتابة لدي فعل مقاومة وحياة، وليس فعل استعراض. من هنا، أخضع في تعاملي مع الموضوعات لمقتضيات السّياق الفني والإنساني. فأستبعد وأستحضر موضوعا أو وجها أو زاوية تناول انطلاقا من تلك المقتضيات. لا فرق عندي بين كاتب يستحضر مشهدا جنسيا بلا داع يقتضيه السياق الجمالي والإنساني في ذلك المفصل بالذات لدواع إباحية، وكاتب يستبعده بلا داع لنزعة أخلاقية.

 

 قلما نرى بوكبة على منصات الجوائز لماذا؟ ألا تعنيك الجوائز الأدبية؟ ألا تشارك فيها؟ أم أنّ لديك أحكاما مسبقة أنّ معظم الجوائز غير نزيهة؟ 

رُشّحت لبعضها من غير علمي، وشاركت في بعضها ولم أفز. غير أنني عموما لست من هواة المشاركة في الجوائز والمسابقات، لسبب يتعلق بعلاقتي المذكورة بالكتابة. أنا لا أكتب لأشتهر بل لأعرقل موتي. وهو رهان وجودي يجعل اهتمامك منصبّا على البحث عن الإضافة والتجاوز على مستوى المتن لا على مستوى الاسم. كثيرا ما يخيفني اسمي الأدبي، فتصبح علاقتي به علاقة عداء. ثم إن بعض الجوائز مثل بعض الوظائف مفخخة سياسيا وأيديولوجيا، حيث يصبح حصول الكاتب عليها وقبوله بها مخلّا بحيائه الأدبي، وهو إن لم يفضّل الحرمان عليها سيفقد مصداقيته. الكتابة ليست نصّا فقط بل هي موقف أيضا.

 

عملت كمقدم برامج في الإذاعة والتلفزيون وتجربتك الأخيرة بالمؤسسة العمومية لم تستمر لماذا؟ 

التحقت بالإذاعة الجزائرية في سبتمبر 2003 إلى سنة 2012، ثم بالتلفزيون من سبتمبر 2005 إلى سبتمبر 2009، حيث قدمت برامج أدبية وثقافية طرحت من خلالها أسئلة الرّاهن وأضأت وجوها وتجارب جديرة بذلك، مع ما رافق ذلك من بعض الإكراهات بالنظر إلى الطبيعة الحكومية للمؤسستين. لم أتصرف يوما على أنني صحفي، بل على أنني مناضل ثقافي مهموم بخدمة التجارب الحقيقية، ويبدو أن هذا التوجه وجد له سندا مؤقتا، ثم اصطدم بخيارات الإدارة الجديدة.

تمّ توقيفي نهاية عام 2009، مما دفعني إلى خوض إضراب عن الطعام لمدة ستة أيام منتصف عام 2010، وانسحبت بمجرد أن أرغمت الإدارة على التعاقد معي من جديد. وقد شرحت سياقات التجربة في كتابي الجديد “يدان لثلاث بنات، ويليه: بوصلة التّيه”.

 

دخلت العاصمة في 2002. كيف كانت تجربتك فيها وكيف غادرتها؟ 

دخلتها بحثًا عن تجارب جديدة، وقد عشتها فعلا، مما أثرى مخيلتي الإبداعية، وانعكس على طريقة وطبيعة كتاباتي. إذ ليس بسيطا أن تغادر قريتك النائية وتستقر في عاصمة البلد وهي تخرج توّا من تجربة العنف والإرهاب، من غير أن تعرف أحدا أو تملك مالا، أو تملك استعدادا لأن تتواطأ ثقافيا وسياسيا وتبقى وفيا لخياراتك. طبيعي جدا أن تصبيك أوحال الطريق، فلا أحد يسلم من الوحل حتى الطيور، لكن ما يعدّ صعبا ومتعبا ومفوّتا لمصالح كثيرة أن تحرص على نظافتك ونزاهتك وخدمتك للغير في ظلّ مشهد سياسي وإعلامي وثقافي محكوم بالمصلحة لا بالمعرفة وبالتخندق لا بالكفاءة. لكنني لست نادما على شيء.

 

ماذا منحتك العاصمة كمبدع وماذا منحت لها بدورك؟ 

منحتني 11 كتابا وثلاث بنات وصداقات عميقة وتجارب فريدة وأنضجت رؤاي، وأنا لم أغادرها مؤخرا إلى مسقط رأسي فشلا أو تبرما أو عجزا أو هروبا، بل لأكتبها بعيدا عنها مثلما كتبت قريتي فيها. لطالما قلت وبقيت وسأبقى وفيا لذلك: ليس خياري سياسيا أو إداريا.

 

المثقف العربي يتهم بالصمت إزاء قضايا يعيشها العالم العربي، فلا موقع له ولا صوت صادر منه تجاه كل ما يحدث، هل المثقف العربي همش نفسه أم هُمِّش؟

من التعسّف تعميم الحكم على الجميع، ففي ذلك ظلم لوجوه ناضلت فعلا ودفعت الثمن غاليا، وصل في بعض المقامات إلى فقدان الحياة أو الوظيفة أو الإقامة في الوطن. إن هناك منظومة ثقافية عربية نزيهة ومخلصة لخطاب الحرية، بالموازاة مع منظومة متواطئة ومغشوشة وإقصائية، والتاريخ كفيل بتقييم الطرفين.

 

شهدنا مؤخرا صراعا وحربا بين الروائيين رشيد بوجدرة وكمال داود وياسمينة خضرة، وصلت حد أروقة العدالة، كيف تنظر إلى هذه الصراعات؟ هل هي صراعات أجيال أم هي حرب مصالح بخلفيات وإيديولوجية معينة؟ 

أنا طرف في الإبداع لا في الصراع، مع التزامي بقول الرأي المناسب بالطريقة المناسبة في الوقت المناسب، ذلك أن المثقف محكوم بقاموس وتصرف معينين يميزانه عن غيره. لا وقاحة ولا جبن في الوقت نفسه. ولا تحامل على المشاريع الإبداعية الحقيقية التي هو مطالب بتزكيتها وتشجيعها والإشادة بها قبل أن يطالب غيره بذلك.

 

 

كاتب جزائري قال “القارئ بالفرنسية ذكي على القارئ بالعربية” بماذا تردّ على هذه الجملة؟

هناك أحكاما لازالت تنتشر في الفضاء الثقافي الجزائري هي ثمرة لسياقات سابقة، وإن عدم الإلمام بالتحولات الموضوعية الحاصلة، بما غيّر معطيات كثيرة منها الفرق بين القارئ والكاتب المعربين والقارئ والكاتب المفرنسين، يدين صاحب الحكم قبل غيره. على الكاتب أن يقدّم نصا كوني الرؤى، قبل الخوض في شكليات تجاوزها الزمن المحلي نفسه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد