مجتمع

المرأة الفلسطينية .. وتحديات الانقسام والمصالحة

مدونات

 

مما لا شك فيه أن النساء عموماً هن من أكثر شرائح المجتمع الفلسطيني ابتهاجاً وفرحاً بإنهاء حالة الانقسام السياسي وعودة روح الوحدة بين ابناء المجتمع الفلسطيني بأطيافه السياسية والوطنية والاجتماعية المختلفة. بل لعبت الحركة النسوية على امتداد سنوات الانقسام العشرة الماضية دوراً متقدماً في اطلاق العديد من المبادرات وقيادة الكثير من الفعاليات التي هدفت الى تعبئة المجتمع الفلسطيني عموماً وتنظيم حركته باتجاه الدفع لإنهاء حالة الانقسام.

وكانت النساء الفلسطينيات في طليعة المبادرين إلى الترحيب بالتطورات الإيجابية في ملف المصالحة وانهاء الانقسام الفلسطيني والذي تمثل في الزيارة التي نظمتها الحكومة الفلسطينية الى قطاع غزة في الثاني من تشرين اول الحالي.

وسرعان ما بادر الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية في اليوم التالي الى الدعوة لاجتماع موسع للأطر والمؤسسات النسوية صدر عنه بيان أشارت أولى فقراته إلى الترحيب بالتطورات الحاصلة في ملف المصالحة، والدعوة الى تعزيزها وتجذيرها والتصدي لأية معيقات قد تقف في طريق اتمامها.

لعل هذا الأمر أحد أهم المؤشرات، ليس فقط على الدور الهام الذي تلعبه النساء عموماً في مجمل النضال الوطني التحرري الذي يخوضه المجتمع الفلسطيني في سبيل الخلاص من نير الاحتلال، وبما يفتح الطريق أمام تطور وتقدم هذا المجتمع. وإنما أيضا تعبير واضح عن انخراط النساء في مجمل حياة المجتمع وقضاياه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ووضعها في أولويات النساء ومؤسساتهن على اختلافها.

وانخرطت النساء الفلسطينيات، إلى جانب هذا الدور الوطني الهام، في نضال طويل وعنيد من أجل حقوقهن الديمقراطية والاجتماعية، في ظل بيئة اجتماعية- اقتصادية- سياسية وقانونية صعبة ومعقدة، ويتداخل فيها الموروث الثقافي مع الوضع السياسي، والبيئة القانونية مع وجود الاحتلال، والانقسام السياسي والجغرافي مع وحدة الحقوق وعدم إمكانية تجزئتها.

كل ذلك أضاف لنضالات الحركة النسوية تعقيدات فوق تعقيدات، وإتضح في المحصلة النهائية أن النتائج التي تحققها صغيرة ومتفرقة هناك وهناك، واحياناً لا تكاد ترى بالعين المجردة، وفي التطبيق العملي على أرض الواقع.

وإذا كان هناك من استطاع أن يدرك المغازي والسلبيات الحقيقية للمعاني والتطبيقات السلبية لحالة الانقسام السياسي، فإن ّالنساء عموماً ستكون في طليعتهم. فقد خبرت النساء على امتداد العشر سنوات الماضية زيادة في حالة التفكك والتشرذم الاجتماعي والوطني، وانعكست اكثر تجلياته السلبية على النساء، عبر ارتفاع وتيرة العنف ضدهن، وزيادة انتهاك حقوقهن في مختلف المجالات وعلى كافة الاصعدة.

وانعكست حالة تعدد السلطات والسيطرة السياسية والقانونية في زيادة الصعوبات والتعقيدات التي تواجه محاولاتهن المستمرة للتصدي للعنف ومواجهته، وتحصيل بعض الحقوق المنتهكة، فضلا عن معاناتهن الناتجة عن استمرار وجود الاحتلال وسياسته القمعية ضد المجتمع الفلسطيني عموماً، والتي طالت في أصعب درجات انعكاساتها السلبية النساء الفلسطينيات.

وعلى امتداد سنوات الانقسام، لم يخل خطاب الحركة النسوية، سواء من خلال الدراسات والبيانات وخلال  الاجتماعات والندوات وورش العمل والمؤتمرات… وغيرها من الإشارة بشكل أو بآخر إلى أن أهم التحديات والصعوبات التي تواجهها النساء هي حالة الانقسام والتفكك السياسي، والمطالبة بتجاوزها والتغلب عليها.

وكذلك في تعداد الجوانب السلبية المترتبة على ذلك على النساء خاصة والمجتمع الفلسطينية عامة. وفي مقدمتها  تراجع دور السلطة التشريعية سواء من ناحية سن التشريعات والقوانين، أو الرقابة على أداء السلطة التنفيذية من ناحية أخرى، وفي كلتا الحالتين كانت النساء في مقدمة المتضررين.

ومع استمرار حالة الانقسام وأخذ الرئيس الفلسطيني نهاية عام 2007 على عاتقه سن القوانين والتشريعات الجديدة، استنادا إلى نص المادة (43) من القانون الأساسي التي تعطيه صلاحية ذلك، لسد الفراغ القانوني الناتج عن غياب انتظام المجلس التشريعي.

وبصورة إجمالية لم تتعد تلك المتعلقة منها بحقوق النساء نسبة 2% من مجموع القوانين التي أصدرها الرئيس الفلسطيني خلال عشرة اعوام، التي زادت عن (140) قرار بقانون، وكان أبرزها القرار بقانون رقم (7) لسنة 2011  لتعديل المادة (304) من قانون العقوبات الأردني رقم (16) لسنة 1960 الساري في الضفة الغربية، والمادة (18) من قانون العقوبات رقم (74) لسنة 1936 الساري في قطاع غزة.

وهي لم تؤد الى معالجة التمييز الواقع ضد النساء، او مواجهة حالات قتل النساء، خاصة تحت مسمى “شرف العائلة” وهو ما تطلب قرارا آخر لتعديل المادة (98) من قانون العقوبات الاردني. وهاتان المادتان لهما صلة بما اصطلح على تسميته “العذر المحلل والمخفف”، الذي كان يشكل ارضية قانونية مشجعة للعنف ضد النساء وقتلهن، وقاعدة لتخفيف عقوبات مرتكبي الجرائم ضدهن.

اما في قطاع غزة، فقد واصل المجلس التشريعي عقد اجتماعاته وممارسة عملية التشريع ولم يكن للنساء أي حصة ايجابية في ما يقارب من (50) قانون أقرّها المجلس طوال السنوات العشرة.

وهكذا فقد كان الانقسام سبباً في عدم صدور قوانين وتشريعات ناضلت الحركة النسوية سنوات طويلة من اجل تشريعها. وبقيت أغلب التعديلات المقترحة على بعض القوانين، ومشاريع قوانين اخرى كالعقوبات والاحوال الشخصية، والتي تم تطويرها خلال عدة سنوات بمشاركة قطاعات واسعة اجتماعية ومؤسساتية رسمية وغير رسمية حبيسة الادراج.

وكانت مجمل التمنيات والطموحات التي عبر عنها الخطاب النسوي تدور في اطار عقد الكثير من الآمال على ان انتهاء الانقسام وانتظام عمل السلطة التشريعية وعودتها الى ممارسة دورها ستشكل مدخلاً يعزز امكانية تعديل عدد من التشريعات، وتشريع عدد آخر منها سيسهم في توفير أرضية قانونية تعزز جهود مكافحة العنف ضد المرأة، وتمهد الطريق لتعزيز فرص تغيير الموروث الثقافي التقليدي القائم على الاضطهاد والتمييز ضد المرأة.

يقولون ان النساء دائماً هن اول المتضررين، وآخر المستفيدين.  وهي مقولة اكتسبت نوعاً من الشمولية والتعميم، ليس على المستوى الفلسطيني فقط، وانما في السياق العالمي. فكانت النساء دائماً اكثر الشرائح والفئات تضرراً في زمن الحروب والنزاعات المسلحة، وهو ما اثبتت التجربة العالمية صحته، وزاد وضوحه خلال السنوات الأخيرة في محيطنا العربي، وخلال أحداث ما اصطلح على تسميته “الربيع العربي”، الذي شهد عمليات قتل وتشريد واسعة كانت النساء أكبر ضحاياه.

وتحملت النساء أعباء القتل المباشر لهن والاعتقال والتهجير والاستغلال الجسدي والجنسي وغيرها من أشكال العنف وانتهاك الحقوق، فضلاً عن تحمّلهن أعباء إضافية في رعاية الأسر التي تشتت وتشردت و/أو فقدت مصادر دخلها ورزقها. وفي كل الحالات التي كانت تلوح فيها في الأفق بوادر لإنهاء حالات الصراع وإيجاد الحلول، فإنه يجري في الغالب استثناء النساء ليس فقط على مستوى المشاركة في صناعة الحدث، وإنما في تقدير والاهتمام بحاجاتهن ومتطلباتهن أيضا.

أما الآن وقد بدأت تلوح في الافق اولى البشائر لإنهاء حالة الانقسام فإن هناك العديد من التحديات، او على الأقل التساؤلات التي تطرح نفسها. وفي مقدمتها: هل ستنعكس ايجابيات الوحدة وانهاء الانقسام على النساء؟

ربما يكون من المبكر الإجابة الواضحة على السؤال الذي يمكن ان يتفرع عنه اسئلة وتساؤلات أخرى. لكن هناك العديد من المؤشرات التي تتطلب الانتباه لها وفي مقدمتها دور النساء في صناعة القرار السياسي.

فإلى أي مدى شاركت النساء في القرارات التي قادت إلى مجمل التطورات الحاصلة في موضوع انهاء الانقسام؟

والى أي مدى يمكن ان تشارك في القرارات اللاحقة المرتبطة بمجمل تفاصيل تطبيق ما يجري الاتفاق عليه على ارض الواقع؟

واين سيكون مكان المرأة وقضايا في سلم الأولويات من بين القضايا المطروحة على طاولة البحث التفصيلي لإنهاء حالة الانقسام؟

بين العام 2007 واليوم هناك الكثير من المعطيات التي فرضت نفسها وفي مقدمتها توقيع السلطة الفلسطينية على سلسلة من المعاهدات والاتفاقيات الدولية ومنها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو” دون اية تحفظات على موادها وبنودها.

وهو ما يضع على الطاولة، وأمام كل الأطراف جملة من التحديات التي يتوجب التعاطي معها وتضمينها في الاولويات الرئيسية لإتمام وتكريس المصالحة وإنهاء الانقسام.

أما التحدي الرئيسي الذي يطل برأسه أمام الحركة النسوية خاصة، ومجمل القوى الديمقراطية عموماً فهو هل سيشكل انتظام عمل السلطة التشريعية فرصة للنساء أم سيكون بمثابة تحدي جديد؟

من المعروف ضمنا ووفق النظام الأساسي الفلسطيني ان مجمل القرارات بقوانين التي أصدرها الرئيس الفلسطيني سيجري عرضها على المجلس التشريعي في أول جلسة يعقدها عند انتظام عمله.

وهذا يعني أنه حتى تلك “الإنجازات” البسيطة التي استطاعت الحركة النسوية تحقيقها، والتي كما أشرت إليها أعلاه لم تتعدّ نسبة 2%، ستكون محل نقاش في المجلس التشريعي. وفي ظل التركيبة الحالية للمجلس التشريعي، ما هو مصير بعض القوانين والتشريعات المفصلية التي قبعت في الإدراج لفترة طويلة كقانوني العقوبات والاحوال الشخصية؟

وحتى تلك “الإنجازات” البسيطة هل ستصمد أم ستكون كلها في مهب الريح؟

نبيل دويكات

كاتب من فلسطين

الوسوم

نبيل دويكات

كاتب فلسطيني

مقالات ذات صلة

اترك رد