منوعاتثقافة

السلطان عبد الحميد الثاني ورفض الاستيطان اليهودي

#عربيات_ضد_التطبيع

كان للدولة العثمانية، موقف تاريخيّ بنصرة القضية الفلسطينية والدفاع عنها، منذ بدء حركة الهجرة اليهودية  في ثمانينات القرن التاسع عشر(1876)، وقد برز ذلك من خلال شخص السلطان عبد الحميد الثاني، الذي رفض الاستيطان اليهودي في فلسطين، خلال فترة حكمه التي امتدت 33 عاما.

 

والسلطان عبد الحميد الثاني، هو السلطان الرابع والثلاثون، من سلاطين الدولة العثمانية، تقلد الحكم في 31 أوت/ أغسطس 1876 ميلادية، في فترة كانت البلاد تعرف مرحلة مالية صعبة، وأزمات سياسية حادة، تهدف إلى إضعاف الدولة العثمانية.

كان سليل الأسرة الحاكمة، فهو أحد أبناء السلطان عبد المجيد، الأربع،  ولد في الحادي والعشرين من أيلول سنة 1842،  من أم أرمنية الأصل. وتولى مقاليد الحكم وهو في سن 34 من عمره.

 

 

تزعم السلطان عبد الحميد الثاني، سياسة الاتحاد الإسلامي، التي كانت تهدف للم وحدة المسلمين وجعلهم صفا واحدا، وقد استعان في ذلك بالمفكر العربي جمال الدين الأفغاني، ونامق كمال، من الدولة العثمانية، وحرص على إضفاء مظاهر الزهد على سلوكه، وممارسة الشعائر الدينية علنا، كما أحاط نفسه بجملة من العلماء.

 

رفض الهجرة اليهودية 

عرف السلطان عبد الحميد الثاني، برفضه المطلق، لهجرة اليهود إلى فلسطين، خاصة بعد أن بدأت التحركات الغربية وعلىرأسها بريطانيا تعمد، إلى تسفير اليهود إلى فلسطين، حيث نشطت حركة تهجيرهم، منذ ثمانينات القرن التاسع عشر، بداية من سنة 1876م، قبل وعد بلفور، الذي كان يرمي إلى منح أرض فلسطين لليهود. وقد توضح ذلك من خلال مواقفه وسياسة الرفض وصموده أمام إغراءات بعض الحكومات الغربية.

ولم يسمح السلطان عبد الحميد الثاني، لليهود، في تلك الفترة، بالدخول لفلسطين إلا للحج، ومنعهم من الإقامة والاستقرار في كل شبر وكل مدينة من فلسطين، كما رفض أن يبيع لهم الأراضي.

 


وأصدر عدة قرارات حكومية تمنعهم من تمديد الإقامة أكثر من شهر في القدس، ثم تمددت هذه الفترة لتصبح 3 أشهر، بتدخل بريطانيا سنة 1888، التي بذلت جهودها للتخفيف من شرط الإقامة الزمني لليهود.

و لتشديد المراقبة على التحركات اليهودية، التي كانت تتجه أطماعها الى فلسطين، قام السلطان العثماني، بنقل سنجق القدس التابع لوالي دمشق إلى متصرفية الباب العالي، أي إلى مقر الحكومة مباشرة.

وفي 30 ديسمبر/ كانون الأول 1892، أصدر، قانونا يقضي بعدم السماح ببيع الأراضي الحكومية لليهود حتى لو كانوا عثمانيين من رعايا الدولة.

وذكرت بعض المصادر أنه نتيجة لازدياد شعور السلطان بالتحرك اليهودي، أبلغ المبعوث اليهودي “أوليڤانت” أن باستطاعة اليهود العيش بسلام في أية بقعة من أراضي الدولة العثمانية إلا فلسطين، وأن الدولة تُرحب بالمضطهدين، ولكنها لا تُرحب بإقامة دولة دينية يهودية فيها.

محاولات استمالة

نتيجة لموقفه الثابت، الرافض للاستيطان اليهودي في فلسطين، بذلت بريطانيا عدة محاولات لإقناعه، باءت كلها بالفشل، وقد تميزت هذه المحاولات بتركيزها على الإغراءات المالية والجانب المادي، نظرا للأزمة، التي كانت تمر بها الإمبراطورية العثمانية.

كما عمدت إلى البحث عن طرق أخرى لإقناعه، بقبول العروض البريطانية وقبول اليهود، ومن أبرزها سنة 1901، حيث بادر “ثيودور هرتزل”، إلى محاولة إقناع السلطان عبد الحميد بإصدار قانون يسمح لليهود بالهجرة إلى فلسطين ومنحهم حكما ذاتيا، مقابل دفع الجزية، لكن عبد الحميد ثبت على رفضه القاطع.

 

“ليحتفظ اليهود بأموالهم وملايينهم  وإذا مزقت يوماً دولة الخلافة فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن.

السلطان عبد الحميد

 

وثيقة شاهدة 

تظل عبارات السلطان العثماني، عبد الحميد، التي وجهها إلى تحسين باشا، رئيس كتّابه، شاهدة على موقف تاريخي، وذلك بعد رفضه استقبال الوفد اليهودي في اسطنبول، الذي أراد مقابلته وعرض مساعدات مادية ومالية، للدولة العثمانية حتى تقبل بيع أراضٍ في فلسطين لليهود.

قال السلطان عبد الحميد: “انصحوا الدكتور هرتزل بألا يتخذ خطوات جديدة في هذا الموضوع، إني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الأرض،  فهي ليست ملك يميني بل ملك للأمة الإسلامية، التي جاهدت في سبيلها وروتها بدمائها. فليحتفظ اليهود بأموالهم وملايينهم وإذا مزقت يوماً دولة الخلافة فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن؟ أما وأنا حيّ فإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من الدولة الإسلامية، وهذا أمر لا يكون. إنني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة”.

ورغم موقفه الثابت، واصل هرتزل، محاولاته ومساعيه، من أجل تشريع الوجود الصهيوني في فلسطين، من ذلك مثلا، أنه طلب من السلطان عبد الحميد، إنشاء جامعة عبرية في مدينة القدس للشبان الأتراك، فرفض السلطان ذلك وفي سنة 1903، منع السلطان نشاط مؤتمر صهيوني في فلسطين وحظر نشاطهم السياسي.

واستمر الكر والفر ومحاولات منع تقدم الاستيطان الصهيوني، إلى أن تم الانقلاب على السلطان عبد الحميد سنة 1909، حيث تم نفيه إلى مدينة سالونيك اليونانية، أين أقام تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته في 9 فبراير 1918.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد