ثقافة

واسيني الأعرج يحرّر ميْ زيادة من عصفوريتها

حوار مجلة ميم مع الروائي الجزائري واسيني الأعرج

 ميرنا سركيس- بيروت- مجلة ميم 

وقف الروائي الجزائري واسيني الاعرج في رواق دار الاّداب في معرض بيروت للكتاب،تلّف عنقه الكوفية الفلسطينية، وهو يوقع  كتابه “ميْ ليالي ايزيس كوبيا ثلاثمائة ليلة وليلة في جحيم العصفورية”.

واسيني الأعرج

قبل سؤاله لماذا مي زيادة وبماذا نادتك هذه الأديبة اللبنانية الراحلة؟.. فرض الحدث نفسه وحضرت فلسطين وقلبها القدس..

لا يعتقد واسيني الأعرج أن يكون مجرد صدفة إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن نقل السفارة الأميركية إلى القدس بعد فترة وجيزة من الذكرى المائوية لوعد بلفور. ويرى أنّ هذا الإعلان إنما هو: “تجديد للوعد واستمرار في عملية المحو الكلي لفلسطين وللقدس وجعلها عاصمة إسرائيل ومنع الفلسطينيين من الدخول إليها.. إنّهم يقولون: العرب يصرخون قليلا ثم يصمتون، وهنا يكمن الخطر”، وفق تعبير واسيني.

ويدعو الكاتب الجزائري، الفلسطينين والعرب إلى عدم التفريط بحقهم، والدولة الفلسطينية، لافتا في هذا السياق إلى وجوب شكر ترامب “لأنه حرّكنا، وكأننا كنّا أموات، مستسلمين لقدر يصنعه الاّخرون، وشكل إعلانه هزّة عنيفة لنا على الصعيد الشعبي والجماهيري”.

رسائل جبران

ولدت الأديبة مي زيادة من أم فلسطينية، في الناصرة عام 1886، وتوفيت في القاهرة علم 1941، ولها إنتاجات أدبية عديدة باللغتين العربية والفرنسية.

لماذا مي زيادة وأية ريح أفضت به إلى دروب آلامها؟ يقول واسيني الأعرج لمجلة “ميم”: “أي موضوع من موضوعاتي رهن بالصدفة، كما أنه لديّ مخزون ثقافي عنها وقد تعرفّت إليها أدبيا منذ مدّة طويلة، وكان لديّ دائما سؤال فيه نوع من الدهشة متعلق بتجربة حبها مع جبران خليل جبران.. كيف يحبّ اثنان بعضهما قرابة عشرين سنة دون أن يلتقيا، إلّا من خلال الرسائل وعددها بلغ العشرين خلال عشرين سنة.. وبعد أن تتبعت حياتها وقرأت رسائلها، لم أجد صراحة الحب الأسطوري الذي جرى التكلم عليه، إنما وجدت صداقة ومحبة ونقاشات لقضايا حساسة تُعنى بذلك الزمن..”.

ويضيف واسيني الأعرج: “سؤال اّخر كان يثيرني جدا وهو حب الناس لها.. كل الذين أحاطوا بها من طه حسين إلى العقاد ومصطفى صادق الرافعي وأمين الريحاني وجبران وغيرهم، كل هؤلاء أحبّوها وكانوا يقصدون منتداها الثقافي،، لكن ما هو السر في أن هؤلاء جميعا أصدروا بعد وفاتها كتبا حول مْي وحول علاقتهم بها؟ لكن أحدا منهم لم يحضر جنازتها”.

على خطى ميْ زيادة

ليالي ايزيس كوبيا

حرّضت هذه الأسئلة واسيني الأعرج على البحث والتعمق في أثر ميْ زيادة، دون أن يكون في ذهنه أية نية لكتابة رواية وإنما كتابة بحث أكاديمي ليس أكثر. وفي سبيله اقتفى الكاتب آثار ميْ وأماكنها بين لبنان وفلسطين ومصر، في سياحة ثقافية، كما يصفها، اكتشف خلالها ما لم يكتشفه الآخرون، وأهمّه إدخالها إلى مشفى العصفورية حيث بقيت قرابة السنة.. هذه التجربة التي لم يتناولها أحد ربما نزولا عند رغبة عائلتها باعتبارها “تابو في العرف العام”.

قصد واسيني الأعرج العصفورية إلى الشرق من بيروت التي كانت في ما مضى مستشفى للمجانين ولكنها أصبحت مهجورة منذ سبعينات القرن الماضي، ودخل خلسة هذه البقعة، التي أصبحت تملكها شركة، لعدم استحصاله على إذن بالدخول، ثم قصد بيتها القديم في بلدة شحتول في جبل لبنان والسنديانة التي كانت تكتب تحت ظلالها، وتواصل مع أفراد من عائلتها، وقصد منزلها في الناصرة وخرج إلى شرفتها المطّلة على الجامع الأبيض وعلى الكنسية، وفهم من خلال هذه الإطلالة تسامحها الديني العميق، وقصد القاهرة حيث دفنت، وعثر هناك على وثائق ومخطوطات كثيرة عائدة لها.

 

مذكرات مفقودة 

ولكن هل كانت ميْ زيادة مجنونة في الحقيقة؟ يوضح واسيني الأعرج أنها: “كانت مصابة بكآبة بسبب فقدان والديها خلال فترة وجيزة وهذا أمر طبيعي”، متابعا: ” اكتشفتُ أمورا كثيرة واطلعتُ على وثائق، ووجدتُ نصوصا حارقة كتبتْها في حقبة العصفورية.. كانت تكتب مذكراتها داخل يومياتها، لكنها ضاعت أو ضيّعوها ومزقوها لأنها تدين عائلتها بشكل صريح”.

يكشف واسيني الأعرج، وفقا لوثيقة حصل عليها، أن جوزف زيادة، ابن عم ميْ، هو من أدخلها إلى العصفورية، وطلب منها توكيلا لإدارة أموالها وأملاكها الكثيرة والشاسعة بحجة عدم سلامتها صحيا.. والمذكور جوزف هو حبيب ميْ الأول والأخير، خلافا لما روّج له طويلا عن علاقة حب تربطها بجبران خليل جبران. ويؤكد الكاتب الجزائري هذه المعلومة قائلا: “هي أعطت كل طاقتها لهذا الحب، وقد كتبت كتابا عن ابن عمّها اسمه “أحلام الزهور” ووقعته باسم “ايزيس كوبيا”، الاسم الذي كانت تتخفى وراءه، هذا الكتاب على شكل خواطر وكان أول نتاج لها صدر عام 1919.. ولما تزوج جوزف زيادة وذهب إلى فرنسا عاشت ميْ بعزلة تامة وانكبّت على الدراسة، لكنه كان أول من تطلب نجدته..”

سيرة أم رواية؟

يروي واسيني الاعرج سيرة ميْ زيادة، من خلال معطيات جمعها في مسيرة استقصائية استغرقت ثلاث سنوات. والسيرة هنا ليست مبنيّة على مذكرات و‘نما هي عبارة “عن شذرات صغيرة ركبّتها وخلقت لحظاتها وجوّها، لكن بناء على معلومات تاريخية، وهي في النهاية رواية وبحث في النفس الإنسانية.. كتبت عن أمور كثيرة لكن ضمن نظام روائي وليس ضمن نظام الحياة السيرية، وما دفعني لكتابة هذه الرواية هو الحب، وأنا متأكد أن الناس سيحبّون ميْ زيادة أكثر، من خلال هذا الكتاب.. فللرواية سلطة عاطفية وهي أقرب إلى القلب وليست مثل التاريخ حيادية.. استنزفتني قصة ميْ من الداخل وفرحت لأنني أنجزت هذا العمل..”

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “واسيني الأعرج يحرّر ميْ زيادة من عصفوريتها”

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق