مدونات

كيف نواجه التطبيع الإعلامي؟

بقلم: إسراء لافي

 

من مؤتمر اللاءات الثلاثة (لا صلح لا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل) في 29/08/1967 إلى خطاب إسماعيل هنية، حين كان رئيسًا للوزراء في الحكومة الفلسطينية العاشرة، (لن نعترف بإسرائيل) عام 2007، إلى السقوط في وحل الاعتراف والتفاوض من مسيرة كامب ديفيد إلى أوسلو وما بعدها، وليس أخيرًا فتح باب التطبيع على مصراعية من قبل عدد من الأنظمة العربية قديمًا وحديثًا أولها مصر وليس آخرها البحرين والسعودية، في توجه مناقض لرغبة الشعوب الرافضة للتطبيع.

إسراء لافي

اليوم يدخل الاحتلال علينا من بوابات الإعلام المتعددة، وتغير بعض الدول العربية سياساتها إزاء الاحتلال في تحول في المواقف يجعل العدو صديقًا، وينهي عصر القطيعة، ويمارس البعض ممارسات لا تُصنف إلا تحت عنوان “التطبيع”؛ فيصبح التواصل والتفاعل والارتماء في حضن الاحتلال الإسرائيلي فعلًا طبيعيًا مقبولًا، سواء كان سياسيًا أو اقتصاديًا أو ثقافيًا وإعلاميًا أو فنيًا.

ويمثل الإعلام  أهم ركيزة في تغيير أي سلوك، ليس فقط لأنه يمثل حجر الأساس في صناعة الوعي وتغييره وتجييره أيضًا، بل لأنه أوسع بوابة يمكنك من خلالها العبور إلى الملايين، وتكرار هذا العبور تارة على شاشة فضائية، وأخرى على صفحة فيسبوك، وثالثة على إذاعة وهكذا؛ ليتحول الإعلام إلى ساحة معركة يسخِّف منها البعض، ويعي البعض أبعادها، وبين التسخيف والحياد والمشاركة فإن استمرارية أي طرف في نزاع في البقاء على الإعلام لينشر فكرته حتى لو قوبلت بالسخرية؛ استمراريته ضمان التغيير المحتم في نهاية الأمر.

فنظرة على الفضائيات العربية فإن ناطقي الاحتلال وجدوا لهم منابر للتشكيك، والتكذيب، والسب، ومع تكرار ظهورهم بات الأمر عاديًا، وجرَّأ وسائل محلية أخرى على ممارسة ذات الفعل، فكانت الجزيرة والعربية أول من استضاف على شاشته ناطقي الاحتلال، وكذلك قناة mtv اللبنانية، وفلسطينيًا كانت جريدة القدس، وقناة معا، حتى عمل صحفيون مع بعض وسائل الإعلام العبرية، الأمر الذي لم ترفضه نقابة الصحفيين ولكنها أطّرت له تحت سقف الحرية.

إذن نحن أمام واقع أتاح للعدو أن يصبح جزءًا من روتين الشاشة، وسمح له بتزييف الواقع بدعوى “الرأي الآخر”، ومنحه الفرصة ليتلاعب بالوعي دون دحض أحيانًا، ثم دخلنا مرحلة الاستبدال فبعض وسائل الإعلام ألغت من قاموس مصطلحاتها “العدو الصهيوني” ليصير “دولة إسرائيل”، وأخرى استبدلت فلسطين على الخارطة بـ”إسرائيل”، الوعي البصري يحتفظ بالصورة، يمتعض أول الأمر ثم يُفرض عليه التعاطي مع أمر واقع، والوعي السمعي كذلك الحال.

ومن ثم يصير وجود “إسرائيل” كدولة محتلة أمرًا اعتياديًا طبيعيًا، حتى تصبح في القاموس السياسي “دولة جوار” طبَّعها على ذلك الإعلام، ومن ثم تصبح مصادر الاحتلال العبرية مصدرًا موثوقًا للخبر، ولم تكن هذه المصداقية يمكن أن تُمنح له لولا بوابة الرأي الآخر، ومنحه منبرًا للإدلاء بروايته، بدلًا من نبذه وحصاره، اعتماد الأخبار العبرية لم يقف عند مؤسسات بل تعداها للأفراد وكأن القول ما قالت “يهود”!

أما وسائل الإعلام الاجتماعي وتحديدًا فيسبوك، فقد عمد الاحتلال إلى اختراق الوعي العربي والفلسطيني من خلال صفحات خاصة بناطقيه، يتجاوز الجمهور عليها المليون، والتفاعل على المنشورات كبير بين إعجاب وتعليق ومشاركة، تأخذ طابع السخرية أحيانًا، والتكذيب، ولكنها من كل بُد مشاركات تسهم في رفع رصيد حساباتهم، وتعطيهم قيمة، ونوع من الاعتراف بوجودهم، وكسر حاجز العداوة، فهو إنسان اجتماعي يمزح ويهنيء بالأعياد، ويثير الشكوك والفتن، ويغمز ببعض القيادات، ويقدم شبهات حول الموت والأطفال والمواجهات، ما تلبث أن تصير على لسان بعض الصحفيين ومتابعي مواقع التواصل بوعي ودون وعي، كنوع من الانخراط ضمن ماكنة الإعلام الصهيوني، ومتى صرنا نردد شبهاته على مقاومتنا وواقعنا فنحن اعترفنا ضمنيًا بأحقيته وتخلينا عن حقنا في الدفاع عن أنفسنا، وفي أصل العلاقة بيننا القائمة على العداء ما دام يحتل أراضينا ويعتدي على أرواحنا وممتلكاتنا، ويصادر حرياتنا.

بعض الصحفيين والنشطاء يدافعون عن موقفهم بمتابعة حسابات ناطقي الاحتلال، بالمهنية، ومتابعة الجديد، ومتابعة أمزجة الناس وخاصة أن أحد الحسابات مخصص للدخول إلى الناس من مدخل العمل الإنساني ولقمة العيش والتصريح الطبي وغير ذلك، وآخرون يرون في متابعتها نوع من الانفتاح على الآخر، ولا أعلم متى صار الانفتاح على الآخر لا يكون إلا بالتصفيق لعدوي غاصب أرضي، وقاتل شعبي، أليس هذا تطبيعًا عمليًا؟!

أمام تراجع الرد على الشبهات، وتذويب العداوة مع الاحتلال بالانصهار ضمن ماكنة نشر أكاذيبه، واستحلال متابعة حساباته، كيف نقول: (نغزوهم ولا يغزونا)؟ بل الاحتلال يغزونا ليل نهار، وفي عقر دارنا، يتربع على الشاشة الكبيرة، ويملأ الشاشة الصغيرة في ظل التصفيق الحار بالاستماع، والمشاركة، والإعجاب، والتعليق!

إذن؛ أمام موجة التطبيع الكبيرة وخاصة إعلاميًا، نحن بحاجة لحملة جادة وموقف مبدئي في العلاقة مع كل ما يتصل بالاحتلال، وهذه جملة من المواقف المطلوبة:

أولًا: مقاطعة وسائل الإعلام العبرية، وعدم التعاطي معها لا استضافة، ولا مقابلة، ولا تصريح، ولا إجابة على سؤال صحفي، وهذا يتضمن إلغاء عمل الوكالات الصهيونية في الأراضي الفلسطينية، وعدم منحها ترخيص عمل، وعدم السماح بتجوال الصحافة الإسرائيلية، من الخطورة أن يشعر الفلسطيني بالأمان أمام الإسرائيلي حتى لو كان صحفيًا! لأن هذا يمهد للارتياح لوجود الاحتلال.

ثانيًا: وقف كافة الاستضافات لناطقي الاحتلال على الفضائيات العربية، والمحليات الفلسطينية، سواء كانت مرئية أو مسموعة أو مقروءة، ومطالبة مَن سبق بفعل ذلك بمراجعة موقفه من الاحتلال، والاعتذار عن ذلك.

ثالثًا: الخروج بموقف وطني وعربي جامع يتضمن وقف كافة أشكال الظهور على وسائل إعلام الاحتلال، وهذا موقف متقدم مأمول من الفصائل الفلسطينية.

رابعًا: مقاطعة حسابات الاحتلال على مواقع التواصل بإلغاء الإعجاب والمتابعة مهما كانت الذريعة، فللإعجاب قيمة لا تليق بغاصب، قاتل، محتل، وهذا يتضمن وقف كافة أشكال التداول (النشر والمشاركة) لمواده الإعلامية التي تستهدف تشويه الفلسطيني وحقه، وتشويه علاقته بالمقاومة، وكسر حاجز العداوة.

خامسًا: عدم حضور أي فعالية أو نشاط إعلامي أو ثقافي أو أكاديمي أو شبابي في أي بلد كان، إن كان الاحتلال مدعوًا للمشاركة فيه، وطلب موقف رسمي من هذه الدول؛ إذ لا بد من إحكام الحصار الإعلامي على المحتل، وإنهاء حقبة احتضانه بإعادته للإعراب المناسب له، “عدو”، والعدو لا يصير صديقًا، ولم ينتهي الاحتلال بعد.

سادسًا: حملة تشهير بكل المطبعين، الصغار والكبار، سياسيين، ومثقفين، وإعلاميين، ونشطاء، وكل مَن يساهم في جعل العلاقة مع أي شيء مرتبط بالاحتلال طبيعية.

سابعًا: زيادة المحتوى العربي الذي يخدم فكرة الوعي بالاحتلال، والوعي بحقوقنا.

ثامنًا: على النساء العربيات مسؤولية العمل على توعية الجيل، وتوعية النساء العاملة وربة البيت بدورها في صناعة موقف واتخاذه والتأثير في محيطها وهذا متصل بالنقطة السابقة التي تستهدف كل الفئات.

وختامًا فقد لخص غسان كنفاني جوهر الفكرة حين قال:

“إننا في حالة حرب مع هذا العدو، ومقاطعتنا له ليست نابعة من موقف وجداني، لكنها نابعة من طبيعة المواجهة التي نعيشها ضده، وهذه المقاطعة هي في حد ذاتها وجهة نظر وموقف”.

 إسراء لافي

إعلامية فلسطينية

 

كافة الآراء المنشورة تعبر عن آراء أصحابها، ولا تعكس مواقف المجلة بالضرورة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد