مجتمع

ظاهرة “الفرنكوأراب الأنثوية”.. مشكل نفسي واغتراب ثقافي؟

مجتمع

This post has already been read 16 times!

يرى عالم الاجتماع التونسي محمود الذوادي، أنّ المرأة التونسية أميل إلى استخدام اللغة الفرنسية في حديثها، أكثر من الرجل، وهي الظاهرة التي يطلق عليها مصطلح “الفرنكوأراب الأنثوية”.

وتنتشر “الفرنكوأراب الأنثوية” في المجتمعات المغاربية التي تعتمد اللغة الفرنسية في تواصلها، علاوة على اللغة العربية الأصلية.

محمود الذوادي

وبيّن محمود الذوادي في دراسته لحالة المرأة التونسية، عينة لبحثه الذي عمّمه على النساء في الجزائر والمغرب، أنّه يغلب على النساء التونسيات استعمال النبرة الباريسية في عاميتهن أو في حديثهن بالفرنسية الصرفة أو في قراءاتهن بها.

وأرجع ذلك إلى عدة أسباب وعوامل نفسية واجتماعية تتعرض لها المرأة التونسية أكثر من الرجل صلب المجتمع والتي اعتبرها ملمحا من ملامح “التخلف الآخر” الذي له انعكاسات سلبية على علاقة المرأة المغاربية باللغة العربية و”الانتساب الهوياتي للأفراد”.

واعتبر الذوادي أن ذلك نابع من “قانون الحتمية الاجتماعية النفسية والثقافية” نظرا لشعور المرأة بالدونية بسبب العراقيل الاجتماعية الموجودة أمامها، مقارنة بالرجل، في كسب رهان الحداثة، فتجد ضالتها في أحضان اللغة الفرنسية ك”حل رموزي تعويضي”.

كما أن استعمالها للغة الفرنسية وبالنبرة الفرنسية هو احتجاج سلمي ضد المجتمع الذكوري، وتقليد بالكامل للآخر في لغته مما يشير الى الوضع النفسي والاجتماعي الذي أدى إلى الاغتراب على المستوى اللغوي الثقافي.

وهذه “الثنائية الأمّارة” حسب عالم الاجتماعي التونسي، يرجعها باحثون أيضا الى أسباب نفسية واجتماعية وثقافية في حين يرى البعض الآخر أنها لا تعدو أن تكون عادة اجتماعية وهي لا تخص النساء فقط بل الرجال أيضا.

الرغبة في التماهي

محمد الحاج سالم

أكد الباحث في علم الاجتماع محمد الحاج سالم في تصريح لمجلة “ميم” أنّ ظاهرة “الفرنكو أراب” سائدة لدى النساء أكثر من الرجال لأسباب نفسية واجتماعية وحضارية ارتبطت بفترة الاستعمار خلال الاستعمار الفرنسي لدول المغرب العربي،

حيث كانت المرأة الفرنسية “أنموذجا”، قياسا بالحالة المتردية التي كانت عليها المرأة التونسية.

وحتى الرجل التونسي، وفق الحاج سالم، كان مبهورا بالمرأة الفرنسية بشقرة شعرها وزرقة عينيها مثالا، فتبرز الرغبة المكبوتة في امتلاك هذا الكائن الأنثوي الذي يمثل الحضارة الفرنسية وقوتها.

وإلى جانب الرجل تقوم المرأة التونيبة بتطعيم اللهجة العربية بكلمات فرنسية، حتى يعتقد السامع أن هذه المرأة ترقى إلى مستوى المرأة المراد تملكها.

وأشار الحاج سالم، إلى أنّنا إزاء حالة يمكن اعتبارها بمثابة الرغبة في التماهي، لدى الذكور والإناث، مع هذا الكائن الفرنسي القوي.

ويسوق الحاج سالم مثال رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للأديب السوداني الطيب صالح، الذي اعتقد أنه فتح أوروبا حين اخترق الجسد الأوروبي الأنثوي.

فهناك، إذن، رغبة مكبوتة في التماهي مع النموذج الأنثوي الأوروبي ولذلك نرى معظم النساء في تونس، إضافة إلى ازدواجية اللسان، يعتمدن شقرة الشعر الاصطناعية والتماهي عبر اللباس والتخلي عن اللباس التقليدي خاصة السفساري مقابل الإقبال على اللباس الأوروبي وخاصة الفرنسي، وهو ما أدى إلى اغتراب ثقافي، حسب الباحث محمد الحاج سالم.

اللهجة واستيعاب المنطوق الكلامي

فتحية السعيدي

لكنّ أستاذة علم النفس الاجتماعي، فتحية السعيدي، ترى وجها غير سلبي في ما يطلق عليه “الفرنكو أراب”، فحديث المرأة باللغة الفرنسية يعود، حسب رأي الباحثة،  إلى رصيد التونسية الثري في هذه اللغة. وترفض السعيدي اعتبار ذلك نوعا من الاغتراب في علاقة بالمنطوق. وقارنت وضع المرأة المغاربية بالمرأة في المشرق العربي التي تعتمد على مفردات من اللغة الإنجليزية في لهجتها.

واعتبرت أنها لا تتعدى كونها عادات اكتسبتها المرأة من ممارسة اللغة، ففي “التوجه المعقلن يبحث البعض عن التحدث بلغة أجنبية للتحسين من ممارستها، ومعروف أن اللغة التي لا تمارس لا تكتسب”.

وأكدت السعيدي أن التونسي تعوّد إدماج مفردات فرنسية بشكل لا واع، مُرجعة ذلك إلى مخلفات الاستعمار، الذي أصبحت من خلاله اللغة الفرنسية هي اللغة الثانية في البلاد، والأساسية في التعامل داخل المؤسسات الرسمية والتعليمية.

وترى فتحية السعيدي أنّ المهم في عملية التواصل، هو إبلاغ الفكرة والرسالة بدل البحث عن الكليشهات، خاصة أن اللهجة “الدارجة” هي وسيلة التواصل اليومي والأقدر على استيعاب المنطوق الكلامي، أما اللغة العربية فتمثل لغة كتابة بالأساس وليست لغة تخاطب، إذ يختلف المكتوب عن المنطوق المتداول حتى في الدول الغربية، حسب السعيدي، كما أنها لا تعني المرأة بالأساس بل المجتمع برمته.

وبخصوص ما اعتبر تعويضا واحتجاجا على الثقافة الذكورية عبر استعمال الفرنسية، ذهبت فتحية السعيدي إلى أن المرأة التونسية إذا أرادت الاحتجاج على الثقافة الذكورية تجد مجالات نشاط كثيرة، وهي ليست بحاجة للغة الفرنسية لتحتج بها، وفق تعبير الباحثة.

 

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.