مجتمع

60% من أطفال العالم يتعرضون للعنف البدني والجنسي

أبناؤنا .. المعنفون في الأرض

صفاء عزب- القاهرة- مجلة ميم 

كنت ألعب مع “إياد” ابن صديقتي ذي الأربع سنوات وألهو معه وتذكرت أن هاتفي يحتاج الى شحن كهربائي. وبينما كنت أضعه في الشاحن فوجئت بإياد يقول لي: “إبعدي عن الكهرباء وإلا ذبحتك بالسكين، عشان كدة غلط”!

صفاء عزب

صدمتني كلمات إياد فسألته باندهاش: “من قال لك هذا الكلام؟” أجابني: “بابا”، وعندما نظرت لوالدته  فوجئت بابتسامتها وكأن الأمر عادي وقالت لي: “إن والده يهدده دائما بهذا العقاب لتخويفه من ارتكاب أي خطأ لأنه “شقي جدا”.”

خرجت من عند صديقتي وأنا متأثرة بملامح ابنها الصغير وهو يقلد والده في توجيه التهديد والوعيد.

لم تكن تلك هي الحالة الوحيدة التي صدمتني، فقد أخبرتني إحدى البنات الصغيرات في محيط المعارف عن رغبتها في ترك بيت أهلها والهروب في أسرع وقت لأنها علمت أنهم ينوون إجراء عملية ختان لها ما جعلها تشعر بالرعب والخوف من مواجهة هذا الأمر، خاصة بعد ما سمعته عما جرى لإحدى قريباتها في نفس العملية. طبعا حاولت التهدئة من روعها وطمأنتها بمساعدتها وتكلمت مع والدتها للتدخل لإقناع والدها بالعدول عن هذه الجريمة، لكني فوجئت أنها هي المصرّة على إجراء الختان لابنتها لاعتقادها في ضرورته للحفاظ على البنت من الانحراف ضمن وسائل التربية للفتاة، وعندما حاولت توصيتها بابنتها وترقيق قلبها عليها قالت: “مش هيحصلها حاجة، زيها زي كل بنات العيلة وبعدين اكسر للبنت ضلع يطلع لها 24 “!

كان هذان الموقفان كفيلين بتحفيزي على إمعان التفكير في رؤيتنا لمفهوم التربية وكيفية ممارسته مع أولادنا. فهل الحزم والجدية في تربية الأبناء يعني القسوة والعنف سواء اللفظي أو الجسدي أو حتى مجرد التهديد به؟!

إن صفحات الحوادث تزخر بالعديد من الأخبار والوقائع المحزنة التي بدأت بدافع معاقبة الأبناء والصرامة في تربيتهم وانتهت بكوارث كبرى أودت بحياة فلذات أكبادهم في بعض الأحيان.

 

تربية بالإجرام! 

وللأسف الشديد فإن حوادث العنف ضد الأبناء التي تتحول إلى جرائم، زاد انتشارها في مختلف بلادنا العربية في الفترة الأخيرة. ففي مصر وقعت حوادث كثيرة بسبب عنف الآباء وقسوتهم في تعاملهم مع أبنائهم منها حادثة في مركز العسيرات بمحافظة سوهاج جنوب القاهرة عندما لفظ طفل صغير أنفاسه الأخيرة بعد أن قام والده بتقييده بحبل من رقبته ويديه لتأديبه. وفي مدينة الشروق بضواحي القاهرة، كشفت التحقيقات الأمنية عن قيام زوجين بضرب ابنهما “أحمد – 5 سنوات” بشكل مبرح عقابا له على اللهو بالماء ليلة العيد حتى سقط ميتا بين أيديهم، فحمله والداه في مفرش سرير وألقيا بجثته عند مصلى السيدات بمسجد عمرو بن العاص في منطقة مصر القديمة قبل أن يتم القبض عليهما بعد أن عثرت عليه عاملة نظافة وبجثته جرح قطعي بفروة الرأس وأثار ندبات زرقاء بالوجه والصدر والساقين وعضة بالفخذ الأيمن من الخلف.

 

وفي محافظة المنيا بصعيد مصر، قامت أرملة بتعذيب طفلتيها اليتيمتين منة وملك “11 و 8 سنوات” بضربهما بخرطوم مياه وعصا خشبية غليظة وحرمانهما من الطعام  لتأديبهما عقابا على ضياع مبلغ 100 جنيه “حوالي 6 دولار” من البيت. وانكشف أمر الأم التي تعمل مشرفة أطفال بحضانة بعد اضطرارها لنقلهما للمستشفى لتدهور حالتهما الصحية ما أدى إلى فتح تحقيق في الواقعة بعد وفاة إحداهما وآثار الضرب واضحة على جسدها.

طفلة بولاق قتلها والدها لعدم أداء واجب الحضانة

وفي محافظة الجيزة جنوب القاهرة، قررت النيابة حبس عامل على ذمة التحقيق لاتهامه بضرب طفلته “9 سنوات” وتعذيبها حتى الموت، وتبين أنه كان يطفئ السجائر في جسدها لتأديبها وعقابا لها على شقاوتها وعدم سماعها الكلام!

جريمة أخرى ارتكبها والد طفلة عمرها خمس سنوات في حي بولاق الدكرور بمحافظة الجيزة جنوب القاهرة، عندما قام بضربها بماسورة من البلاستيك الثقيل وتعذيبها تأديبا لها لأنها لم تكتب واجب “الحضانة”! وانتهى الأمر إلى موت الطفلة متأثرة بإصاباتها في مختلف جسمها.

 

طفل عراقي ضحية العنف الأسري

ومن مصر للعراق، تتشابه معاناة الأطفال على أيدي آبائهم بسبب إفراطهم في القسوة معهم. وتشير سجلات الجمعيات المعنية بمناهضة العنف هناك إلى زيادة ملفتة وغير مسبوقة في عدد الأطفال من ضحايا العنف الأسري، منها حالة في البصرة لأب قام بتعذيب طفلته الرضيعة بسبب بكائها حتى ماتت قبل وصولها للمستشفى. بينما قامت أسرة الطفل “علي” في كركوك بتأديبه ضربا بآلات حادة على الظهر والساقين ما استدعى نقله للمستشفى، في حين قام أب آخر في النجف بمعاقبة طفلتيه الصغيرتين بالضرب والعض حتى أصيبتا بكسور خطيرة. وفي بغداد، تم تعليق فتاة صغيرة في سقف الحجرة  بالمقلوب بواسطة أسرتها لتأديبها.

وقد آثارت هذه الحوادث ردود أفعال غاضبة من المعنيين بحقوق الإنسان والطفل في العراق، منهم بشرى العبيدي التي أعربت عن مطالبتها بضرورة تفعيل قانون لمواجهة العنف الأسري للحد من استفحاله بالعراق.

 

عقاب بالحبس!

لا تختلف طبيعة هذه الجرائم من بلد لآخر وإن اختلفت التفاصيل، ففي سوريا نشرت وكالة سيريا نيوز خبرا عن قيام أب بـ”كفر تخاريم” في ريف إدلب بسجن ابنته الصغيرة “سمر” في غرفة ضيقة جدا لمدة عشر سنوات حتى صار عمرها 20 سنة، ولولا إبلاغ الجيران للشرطة ما كانت خرجت من قبوها. وكشفت التحقيقات أن الأب حبس سمر للتخلص من مشاكلها بعد وفاة أمها وزواجه بأخرى واكتفى بإرسال الطعام لها يوميا تاركا إياها في ظلام دائم حتى أنهم وجدوها غير قادرة على الإبصار في الضوء وعاجزة عن الحركة بسبب إصابتها بضمور العضلات.

ويبدو أن تأديب الأبناء بالحبس ابتكار “تربوي” يروق كثيرا لبعض الآباء، ليس في سوريا وحدها، وإنما في دول أخرى مثل الإمارات، فقد كانت حادثة حبس الأب لابنته ذات الأربعة عشرة ربيعا بغرفة نومها لأيام طويلة حديث الناس في مدينة العين، وقد تركت أصداء كبيرة لدى خبراء النفس والتربية هناك.

 

 

ومن الإمارات للكويت لا تختلف الأمور كثيرا من حيث قسوة عقاب الآباء لأبنائهم، فمنذ سنوات تناقلت وسائل إعلامية كويتية خبرا بقيام أم في منطقة القصور في محافظة مبارك الكبير بضرب وتعذيب ابنتها “خمس سنوات” عقابا لها على تسببها بالإزعاج حتى ماتت بين أيديها، فكانت واحدة من أبشع جرائم العنف الأبوي ضد الأبناء في منطقة الخليج.

ومن المشرق العربي إلى تونس، حيث شهد شهر يوليو الماضي جريمة قتل بشعة أقدم عليها أب بإلقائه أطفاله الثلاثة في بئر ماء فى السبسية من ولاية القصرين. وكشف الناطق باسم الحرس الوطني في تصريحات إعلامية أن أم الأبناء المغدورين، وهم طفلتان ورضيع، أبلغت الشرطة عن الجريمة التي وقعت بسبب الخلافات الزوجية ما دفع الأب لقتل أبنائه نكاية في الأم!

وفي جنوب عمّان، حاول أردني تأديب ابنه ذي الأربعة عشرة عاما بصعقه بالكهرباء ما أدى إلى وفاته في الحال، والمثير في الأمر اعتراف ذلك الأب بأنه اعتاد تأديب ابنه بالكهرباء في مرات سابقة إلا أن ارتفاع قوة التيارأدت إلى قتله في المرة الأخيرة!

 

عنف جنسي 

لا يقتصر العنف ضد الأبناء على الضرب أو الأذى البدني فحسب، بل امتد إلى الإيذاء والاستغلال الجنسي، وهو ما كشفت أسراره سجلات بعض القضايا المثيرة على منصة القضاء، ومنها قضية لبنانية بشعة أمام “زياد مكنّا” قاضي التحقيق في جبل لبنان نقلتها “الحدث نيوز”، بطلتها طفلة صغيرة عمرها تسع سنوات ووالدها “معين .. 38 سنة” الذي استغل براءتها واعتدى عليها جنسيا واعتاد على ممارسة استغلالها لإمتاعه حتى فضحته طفلته وحكت لأمها تفاصيل الجريمة التي كانت تتم أثناء غيابها عن البيت بعد أن شعرت بجنين يتحرك في أحشائها!

داود الشريان

ومن لبنان إلى المملكة العربية السعودية التي لا يحميها حرصها على تطبيق الأعراف والتقاليد الدينية من حدوث بعض الانحرافات في علاقة الآباء بالأبناء، ففي إحدى حلقات برنامجه الشهير “الثامنة”، قدم الإعلامي داود الشريان حلقة صادمة عن العنف ضد الأبناء وعرض فيها حالة لطفل سعودي عمره خمس سنوات تعرض للتحرش الجنسي من قبل أبيه. كما كشفت سهيلة زين العابدين ناشطة حقوقية للشريان في نفس الحلقة عن تعرض فتيات سعوديات لأنواع مختلفة من العنف في إطارالأسرة.

 

في الغابة! 

وإذا كان الوضع كذلك في بلادنا العربية المعروفة بتغليب العاطفة وتأثير الروحانيات على سلوكيات قاطنيها، فإن الأمر يبدو شديد القسوة في الدول الأجنبية المعروفة بثقافة تغليب الماديات وتنحية المشاعر والعواطف جانبا حتى مع فلذات أكبادها.

الرضيعة لونا القتيلة بسبب بكائها

فقد تناولت صحيفة “ميرور” البريطانية حادثة مفزعة غرب يورك لأب يدعى “ليام دين” ضرب طفلته الرضيعة “لونا” بعنف شديد لانزعاجه من بكائها المستمر حتى ماتت بين يديه لإصابتها إصابات بالغة في الدماغ بعد أن تركتها والدتها معه لترتاح قليلا في غرفتها. وفي المقابل، حكمت عليه المحكمة بالسجن مدى الحياة.

وبدافع التربية وتقويم السلوك، أقدمت زوجة يابانية تدعى جونكو أيجاشيرا في مقاطعة “نكازاكي”، على تقييد طفلتها “موني- 5 سنوات” بالحبال ووضعها بالغسالة الكهربائية وتشغيلها وهي بداخلها عقابا لها على خطأ ارتكبته حتى اختنقت الطفلة وماتت.

وشهدت اليابان أيضا حادثا مؤسفا يعبرعن أغرب عقاب من نوعه يمكن أن يمارسه الآباء ضد أبنائهم. فقد أقدم زوجان من هونج كونج على إلقاء طفلهما الوحيد “سبع سنوات” في غابة شديدة البرودة والخطورة بمنطقة جبلية بجزيرة هوكايدو اليابانية وتحركا بسيارتهما وتركاه وحيدا بملابسه الخفيفة بدعوى تقويم سلوكه ومعاقبته على إلقائه الحجارة على السيارات في الشارع!

طفل الغابة

 

لاشك أن مثل هذا العقاب هو نوع من الخروج عن المعقول لأنه يعرض الطفل لمخاطر نفسية وجسدية قد تودي بحياته، كما تنم عن قسوة شديدة في أسلوب تربية الآباء لأبنائهم ويعكس درجات متزايدة من العنف ضد فلذات الأكباد بما يتناقض مع الفطرة الطبيعية مع الأبناء.

 

79% !

أمام الحوادث المذكورة، يبدو جليا أن العنف الأسري ضد الأبناء بات ظاهرة عالمية لا تقتصر على منطقة بعينها أو ثقافة محددة من خلال الحالات الواقعية، وهو ما دفع المنظمات الدولية المعنية لدق ناقوس الخطر لتوابع هذه الظاهرة، حيث أشارت منظمة اليونيسيف المعنية بالاهتمام بالأمومة والطفولة إلى وجود ثلاث حالات من الممارسات العنيفة من الآباء تجاه أبنائهم تتمثل في العنف النفسي والعنف البدني والإهمال. وكشفت أرقام المنظمة الدولية أن ستة أطفال من كل عشرة في العالم يتعرضون للعقاب البدني الذي يزداد شيوعا في الفئات الأكثر فقرا، مشيرة إلى أن 79% من أطفال الفقراء وأبناء محدودي الدخل في العالم يتعرضون للعنف بكافة أشكاله من قبل الأهل.

المثيرفي الأمر أن عنف الآباء ضد أبنائهم يكبد المجتمع والدولة خسائر اقتصادية إضافية لما تتحمله الموازنة العامة من أعباء تكلفة عالمية لهذا العنف  تتراوح ما بين “2 و8” % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحسب تقارير اليونيسيف وهو ما يعني خسارة مبالغ ضخمة سنوية من جراء هذا العنف.

 

أمراض جسدية ونفسية 

إلى جانب الإصابات الجسدية التي يعاني منها المعنفون، فإن من تكتب لهم النجاة من الموت جراء العقاب، يخرجون من التجربة مصابين بمشاكل وأزمات نفسية وعلاقات غير سوية مع الآباء، خاصة في حالات العنف الشديد والعنف الجنسي. وهو ما أكدته دراسات عديدة متخصصة ومعنية بالشأن الطفولي.

ففي دراسة أجراها مركزالتميز والأبحاث ضمن برنامج الأمان الأسري بالمملكة السعودية، توصل الباحثون إلى نتائج شديدة الخطورة على  مستقبل الأبناء المعنفين من أهاليهم وأشاروا إلى أن من يتعرض للإيذاء البدني والعنف بأنواعه في الطفولة يكون أكثر عرضة للإصابة بارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض القلب، إلى جانب تضاعف احتمالات إصابتهم بأمراض نفسية مثل الاكتئاب والقلق بمعدل خمسة أضعاف الشخص العادي مع زيادة احتمالات مخاطر الإدمان بمعدل سبعة أضعاف الآخرين.

 

د. مديحة عبادة

الدكتورة مديحة عبادة، أستاذة علم الاجتماع بجامعة سوهاج جنوب مصر، تحذر من مخاطر انتشار العنف على الصعيد الأسري سواء بين الأزواج أو ممارسته من قبل الآباء ضد الأبناء، مؤكدة على حدوث تغيرات كبيرة في النسق القيمي والخلقي في الأجيال المتتابعة انعكست بدورها على سلوكياتنا في الفترة الأخيرة، ولاشك أن الإعلام المرئي ووسائل الاتصال السريع والألعاب العنيفة في العقود الأخيرة قد ساهمت في نشر ثقافة العنف، وخلقت جيلا من الآباء والأمهات يحتاج لتأهيل جيد لإعدادهم ليكونوا آباء المستقبل، وهي مسألة مهمة أن نبدأ في الاهتمام بالأسرة وسلامها الداخلي بتربية آباء وأمهات جديرين بهذه المهمة المقدسة، ألا وهي تربية الأبناء، فكثيرمنهم لايقدر المسؤولية ولايعي واجباته المفروضة عليه تجاه أبنائه، وأولها الصبر عليهم والتعامل معهم بحكمة. وهو ما يفسر لنا عدم استفحال الظاهرة على ما هي عليه الآن في الماضي، حيث كانت أمهاتنا وجداتنا وأجدادنا أكثر حكمة في التعامل مع الأبناء حتى لو بدوا صارمين، لكنها صرامة دون إيذاء. أما اليوم، فما يحدث هو تفكك وانحلال خلقي، فنجد إما تدليلا زائدا، وإما قسوة مفرطة، وفي الحالتين تكون النتائج كارثية.

 

وتحذر عبادة من تأثير المناخ الحالي على  ظهور آباء منحرفين وغير أسوياء، بدليل ظهور جرائم تتجاوز حدود العنف الأسري المألوف لزنا المحارم والتحرش الجنسي من الآباء بأبنائهم وبناتهم، وكلها جرائم لم تكن تخطر ببال في الماضي. وتشير دكتورة مديحة إلى مخاطر أنواع أخرى من العنف الأسري، متمثلة في التمييز بين الذكر والأنثى في المعاملة، خاصة بين أبناء الصعيد والمجتمعات التقليدية، وهو ما يسهم في توليد أحقاد دفينة ورغبة كامنة في الانتقام والشعور بالنقيصة مما ينجم عنه إنسانة غير سوية قد تصبح أيضا أمّا غير سوية وقد تعكس عقدتها على ابنتها.

 

اضطرابات نفسية وتراجع دراسي 

وعلى الجانب الآخر، يؤكد الدكتور يسري عبد المحسن،

أستاذ الطب النفسي، على الآثار النفسية الخطيرة للإسراف في معاقبة الأبناء، ويقول إن هذا الإسراف في حد ذاته يعد خروجا على القواعد التربوية في التعامل مع الأبناء، لأن تعامل الآباء مع أبنائهم له تأثير كبير على النمو العقلي والنفسي لهم، والمسألة تتجاوز توفير الاحتياجات المادية لهم. فكم من أسر ثرية وأولادها يعانون صورا شتى من العنف بداية من الإهمال واللامبالاة باحتياجاتهم المعنوية وتقريعهم أمام الآخرين، كل ذلك يندرج تحت مظلة العنف وصولا لدرجاته القاسية بالضرب والحبس وكافة أنواع العقاب البدني التي لا تخلو من آثار نفسية عميقة على الطفل حينما يكبر في صورة اضطرابات من أشهرها الميل للعزلة والانطواء والخجل الشديد وفقدان الثقة بالنفس والتأخر في الدراسة بسبب ضعف الذاكرة والتحصيل الناجم عن ذلك العنف والانسلاخ تدريجيا من الأسرة، وقد تصل الأمور في بعض الأحيان إلى الإقبال على ممارسة الابن لأفعال إجرامية كالإدمان والانحراف الجنسي وما شابه ذلك، فمعظم النيران من مستصغر الشرر، وعلى الأسرة أن تتعامل بالصرامة والحنان معا حتى تتحقق التربية السليمة بما يضمن لنا إنسانا سويا وغير منفلت في نفس الوقت.

 

بالهداوة !!

لذلك لم يكن من فراغ أن تشهد المنطقة العربية عدة مبادرات وحملات توعوية لمواجهة العنف الأبوي ضد الأبناء، منها حملة “أولادنا” التي أطلقها المجلس القومي للطفولة والأمومة بمصر بالمشاركة مع مكتب اليونيسيف للتوعية بأساليب التربية الصحيحة للأبناء تحت شعار “بالهداوة نكبّرهم وبالقساوة نكسرهم”.

حملة لا تمدها ضد العنف الأسري

وفي السعودية انطلقت عدة حملات لنفس الغرض، منها حملة “كفى عنفا” وحملة “لنحميهم لا نؤذيهم” وحملة “لا تمدها”، وكلها تهدف إلى استعادة الأسرة لحنانها المفقود تجاه أبنائها والتوعية بأساليب التربية وطرق العقاب التي يمكن اتباعها دون إيذاء الطفل. وهو نفس ما أوصى به الدكتور مايكل آشر، أستاذ علم النفس السريري في جامعة بنسلفانيا الأمريكية، حينما نصح الأبوين بأن يتشاركا معا في تربية الطفل منذ ولادته وأن يظهرا تعاطفهما معه  ويدعما التواصل فيما بينهما لبناء علاقة طيبة وقوية تقوم على الثقة والانفتاح وعدم التخويف، بل على التفاعل المتبادل القائم على الاحترام والمحبة التي تجعل الطفل حريصا دائما على إرضاء والديه حبا لهما وليس خوفا منهما.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق