مجتمع

صورة الدول العربية في خطاب ترمب

#عربيات_ضد_التطبيع

This post has already been read 20 times!

سليمة الكراك- مجلة ميم 

“على دول الخليج أن تدفع”، “هل تتخيلون أننا ندافع عن السعودية بكل الأموال التي لديها، نحن ندافع عنها، وهم لا يدفعون لنا شيئا؟ لا يملكون شيئا البتة.. إلا المال ولا شيء آخر”، إلى جانب العشرات من التغريدات والتصريحات الأخرى التي أوردت بشكل مباشر أو بالإيحاء أن دونالد ترامب الرئيس الأمريكي الحالي يشكو من “الإسلاموفوبيا”، بل إنّه لا يرى الدول العربيّة ودول الخليج العربي تحديدا، سوى “بقرة حلوب”، رغم أن التصريح الذي تناولته بكثافة وكالات الأنباء والصحافة الدوليّة الذي يدعو فيه ترمب صراحة إلى “ذبح البقرة بعد الانتهاء من حلبها”، لم يصدر بهذه الصيغة المباشرة على لسان ساكن البيت الأبيض الجديد.

 

 

وحتّى إن كان التصريح “السعودية بمثابة بقرة حلوب لبلاده، ومتى جف ضرعها ولم يعد يعطي الدولارات والذهب، عند ذلك نأمر بذبحها أو نطلب من غيرنا أن يذبحها” غير صحيح، كما يؤكّد البيت الأبيض، فإن السياسات الأمريكيّة الجديدة بالمنطقة التي تخلّصت من “المساحيق” كما يؤكّد المتابعون لما بعد مغادرة باراك أوباما للبيت الأبيض، تحيل على أن التصريح “المفبرك” يتم ممارسته عمليا في الواقع.

اجتمعت في الرياض الزعامات العربيّة لتجمع أموالا طائلة حصل عليها ساكن البيت الأبيض الجديد الذي ظهر كأنّه “أمير المؤمنين” في وسط الاحتفالات الباذخة منتشيا بالعقود التي أبرمها، والتي ستمكّنه من خلق وظائف جديدة ومن حلّ ملفّات عالقة كثيرة لدى إدارة بلاده، “الأمير” المحتفى به جاء لجمع “الضرائب” ولتثبيت الحلفاء بطريقة جعلت من “الحكّام العرب أذلاّء” أمام شعوبهم وأمام أنظار الرأي العام الدولي، مقابل الالتزام بـ”الحفاظ على أمنهم”، والمقصود عروشهم في الواقع.

يعتبر دونالد ترامب أن الشرق الأوسط خصوصا والمجال العربي عموما بمثابة “ولاية أمريكيّة” تابعة لإدارته، تشير كلّ ممارساته ومواقفه أنّها لا تتعدّى عنده “ولاية لمراعي الأبقار” التي “جاء لحلبها”، بهذه الدرجة المفزعة من الصلف والتشدّد لمعرفة راسخة منه بأن بلاده “تمسك” نظما رسميّة من الأماكن التي تجعلها خانعة مستعدّة لتقديم كلّ فروض الولاء والطاعة، تحت مسميات مختلفة من بينها اختلاق أعداء لتبرير التحالف مع الولايات المتّحدة التي يتوقّعون أن “تحارب نيابة عنهم”، وهي لا تحارب في الواقع سوى لأجل مصالحها فقط.

جلس “كومبرادور” البيت الأبيض وراء مكتبه، التفت لليمين واليسار، ثمّ تناول قلما وأمضى نهائيّا على قرار إنهاء مسار أوسلو و”حلّ الدولتين”، ماسحا من الخريطة دولة اغتصب الغزاة أرضها تحت مقدّمات “أسطورة مختلقة”، حتّى في خطابه تحدّث عن تأخّر الإدارة الأمريكيّة بإصدار القرار كأنّ “الحقّ الفلسطيني” قد صار بإرادة إدارة ترامب “حقّا إسرائيليّا”، ولم يكلّف نفسه عناء الحديث عن العرب من الأساس، حتّى الفلسطينيون أنفسهم ليسوا في اعتباراته.

 

 

في الواقع، لم يكن في الوطن العربي من ينتظر أن يكون الرئيس الأمريكي إلى جانبه إلاّ جاهل أو تابع، فالظاهر للعلن بعد أشهر من دخول ترامب إلى “بيت حكم العالم”، كما يسمّيه” الكثيرون، لا يرى أنّه يعترف أو حتّى يحسب حسابا لدول عربيّة، بل إنّه يرى “الجزية” التي قبضها ودُفعت لسابقيه منذ عقود، في كلّ الأحوال لا توجد على الخريطة العالميّة “دول عربيّة” في اعتبارات ترامب.

وقبل إعلان إمضاء قراره الذي أثار “غضب العالم”، هاتف الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب بعضا من “الزعماء العرب” وعلى رأسهم ملك السعوديّة ورئيس مصر عبد الفتّاح السيسي، وتشير تقارير صحفيّة أمريكيّة أنّ القرار المذكور تم بالتنسيق معهم بالأساس، أي أنّ “موضوع المكالمة” لم يكن طرح “وجهة النظر العربيّة”، بل “تلقّي تعليمات أمريكيّة” لا يملك هؤلاء وآخرون قدرة على رفضها، وحدها الشعوب من تمتلك ذلك الحقّ إلى حين تمكّنها من افتكاك الحق في تقرير المصير.

وقد يكون ترامب بقراره الأخير أكثر رؤساء الولايات المتّحدة الأمريكيّة قدرة على التعبير بشكل واضح عن صورة الدول العربيّة لدى إدارته، ولكنّه في كلّ الأحوال أكثرهم قدرة على منح الشعوب العربيّة أيضا قدرة على “التمايز” بشكل واضح عن “خطّ النظم الرسميّة التابعة”، بكشف تموقعها لأجيال “تفلح الآفاق” على حدّ تعبير الشاعر نزار قباني، أمّا عن “ذبح البقرة”، فإنّ الثابت أن إدارة أمريكيّة لم تقدّم خدمة للكيان المحتلّ دون التأكّد من وجود “أبقار أخرى للحلب ثمّ الذبح” بالجوار.

وأيّا كانت المعادلة أو الصورة التي يحملها دونالد ترامب عن الدول العربيّة، فإنّ بلاده التي ولدت على أنقاض شعب آخر وسكّان محليين تمّت إبادتهم قبل سنوات قليلة، لا يمكن أن يدرك مكامن القوّة في شعوب عربيّة تمتلك قرونا من التاريخ الذي انقلب في الواقع تماما، فأصبحت الولايات المتحدة الأمريكيّة التي كانت تدفع للمسلمين تأخذ منهم تحت التهديد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.