مجتمع

هل صحيح أن الشباب العربي تائه؟

#عربيات_ضد_التطبيع

سليمة الكراك- مجلة ميم

لم يجفّ حبر المقالات الكثيرة، وحتّى الكتب والدراسات وتقديرات الموقف التي صدرت في تسعينات القرن الماضي والعشرية الأولى من الألفيّة الثالثة، حتّى سفّهها الشباب العربي منجزا ثورات أسقطت نظما متسلطة وفاشية لم يكن حتّى أكثر الحالمين يحلم بسقوطها بتلك الشاكلة، بعد أن تمّ توجيه كل أشكال النعوت التي تراوح بين اللاّمبالاة والميوعة للشباب، حادثة فارقة شهدها الوطن العربي قطعت مع الصورة الرّاسخة وأعادت هندسة القوى والتوازنات، وتمكّنت بأشكال جديدة من فرض السياسات.

 

في الواقع، كانت كلّ مقوّمات تسفيه مقولة تيه الشباب العربي حاضرة منذ عقود من الزمن، غير أنّ “النومونكلاتورا” التي زيّنت النظام الرسمي العربي بشتّى الطرق ومن مختلف الميادين، اصطنعت صورة نمطيّة يلج من خلالها إلى الهيمنة من خلال إقناع كلّ شاب على حدة أن “غيره” لامبالون بقضاياه، فإذا زدنا إلى ذلك عنصر الخوف من بطش الدكتاتوريات، اكتملت أركان “البطاقة البريديّة” التي يريدون “بيعها” للمانحين والداعمين وللمتابعين من خارج حدود تلك الدولة جغرافيا”.

في ظلّ موت السياسة، ابتدع الشباب العربي مجالات حيويّة جديدة لممارسة “الحقّ في الرفض”، وقد كانت الفضاءات والأشكال المتاحة رغم خطورتها في ذلك الزمن الحضاري الذي قطعت معه الثورات، ومن بينها “الجمهور الرياضي” الذي تحوّل إلى “ضمير للشعب” بأغنيات كثيرة تصدرها مجموعات أفقيّة من الشباب الرافض لطبيعة تعاطي السلطة معه أمنيّا، وخاصّة المتمسّك بقضاياه الكبرى، فالفقر والقمع والدكتاتورية وفلسطين كانت دائما حاضرة في أغاني “الفيراج” في كلّ من تونس والجزائر وفي أقطار عربيّة أخرى.

لم تكن مساحة مدارج كرة القدم وحدها مجالا حيويا جديدا للشباب العربي للتعبير عن قضاياه وطموحاته، بل كان “الرّاب” من بين أبرز المجالات الجديدة التي تعبّر عن “الغضب” و”الرفض”، وخاصّة عن مواقف الشعب العربي من قضاياه المحلية وقضايا الأمّة الرئيسيّة، وعلى رأسها قضايا الديمقراطيّة في الوطن العربي وقضايا التحرّر في العالم، وعلى رأسها القضيّة الفلسطينيّة.

 

 

الشباب العربي نفسه الذي ظلّ مستباحا من سرديات النظام الرسمي، بتوصيفات تحمل في طيّاتها أنواع التشويه والهرسلة والتبخيس من أجل استتباع هذه الفئة الأوسع عدديا من هرم السكّان في المنطقة، وعلى وجه الخصوص لدمغها بشتّى القوالب المعدّة سلفا للهيمنة وللاستتباع بالتمييع والترويع معا، هو نفسه الشباب العربي الذي انتفض للديمقراطيّة، وهو نفسه الشباب العربي الذي انتفض لفلسطين التي ظلّت حاضرة بقوّة في قلب شعارات الثورات العربيّة جميعها دون استثناء.

بعد الثورات العربيّة، جرت في الوادي مياه كثيرة، وتفتّحت أيادي الشباب العربي المتحرّر من حواجز الخوف ومن سطوة الدكتاتور، فوجد نفسه أمام حتميّة ابتداع مجالاته الحيويّة الجديدة التي يعبّر من خلالها عن نفسه، وأبرزها على الإطلاق استعادته للساحات والشوارع التي بها ومن خلالها تتم استعادة الحق في تقرير المصير.

 

من صور مسيرات تونس احتجاجا على قرار نقل السفارة الأمريكية الى القدس

المسيرات المنتفضة لأجل فلسطين والقدس على خلفيّة قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كشفت هي الأخرى عن تحرير الشباب العربي للشارع العربي، فالصور ومقاطع الفيديو التي يتداولها نشطاء شبكات التواصل الاجتماعي، تظهر جليا أغلبية ساحقة لفئة الشباب من المشاركين في هذه الفاعليّة، لا بالنظر لطبيعة هذه الفئة عمريا فحسب، بل وإن الشعارات تكشف بوضوح وعيا عربيا صاعدا ألقى به التاريخ في أحضان الشباب لتسفيه “سرديّة التيه” العربي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.