مدونات

قرار ترامب ينهي “حل الدولتين” ويورّط السلطة الفلسطينيّة

#عربيات_ضد_التطبيع

 

بعد تأجيل لنحو 22 سنة، أمضى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسميا قرار نقل سفارة بلاده لدى الكيان المحتلّ إلى مدينة القدس، معلنا العاصمة العربيّة عاصمة للكيان.

قرار أثارا موجات من الغضب والتنديد والرفض، ليس داخل العالم العربي والإسلامي فحسب، بل حتّى الغرب الذي أجمع أغلب زعمائه على رفض القرار واعتباره خطوة في اتّجاه القضاء على “عمليّة السلام”.

كثيرة هي البيانات الصادرة في اليومين الأخيرين التي تحدّثت عن “الشرعية الدوليّة”، وعن “مفاوضات السلام” قاصدة مخرجات “أوسلو”، وقد أجمعت هذه البيانات في أغلبها على أن الخطوة الأمريكيّة الجديدة هي إنهاء لهذا المسار، ودفع لمنطقة الشرق الأوسط برمّتها في أتون حالة من اللاّ استقرار التي يخشى هؤلاء تبعاتها تحت “قبّعات” مختلفة وبخلفيّات مختلفة.

بقطع النظر عن البيانات ومواقف الشجب والتنديد والرفض التي تقترن بالفعل، فإنّ قرار دونالد ترامب يعني بالأساس نهاية “حلّ الدولتين” الذي جاءت به أوسلو، وهذا لا يبدو سببا للغضب، بل إنّه حسب تعليق النشطاء الفلسطينيين النهاية الطبيعيّة لمسار “الخديعة”، الذي تمّ تحت غطاء “الشرعيّة” الدوليّة بمشاركة علنيّة وواضحة للسلطة الفلسطينيّة نفسها، التي ظلّت متشبّثة بـ”مفاوضات سلام” لم تكن سوى تحسينا لشروط توسيع نفوذ الاحتلال، ومحاولات لتكبيل أيادي المقاومة الفلسطينيّة.

السلطة الفلسطينيّة التي وثقت في الإدارة الأمريكيّة، وفي خديعة مفاوضات السلام و”حلّ الدولتين”، وجدت نفسها في ورطة أكثر من غيرها بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فهي التي قبلت بشريك خصمها حكما، وهي التي ساهمت في طمس معالم دولة فلسطينيّة تسطّرها حدود المقاومة وانتصاراتها الجزئيّة، رغم الانكسارات والحصار والترويع والتجويع.

ليس هذا فحسب، فالسلطة الفلسطينيّة التي سُحبت من حركة حماس رغم فوزها بالانتخابات، تقيم تنسيقا أمنيا وعسكريا مع المحتلّ، جعله يستوعبها بعتاده وقوّته وجهوزيّتها، ويحوّلها إلى أداة شريكة في قمع المقاومة ومحاصرتها، منهيا بذلك كلّ تلك السرديات المتواترة عن مصالحة فلسطينيّة وعن سلطة تمثّل أهل فلسطين وحتّى عن دولة فلسطينيّة للفلسطينيّين.

تغيّرت كلّ حمولات المعنى للمصطلحات والمفاهيم، وقد كانت كذلك منذ البداية، لتتحوّل المصالحة الفلسطينيّة إلى حوار شركاء في مواجهة المحتل وحلفائه، لا مجرّد لقاءات لا تغيّر من مسار “مفاوضات السلام شيئا”، بل تزيده شرعيّة، ولتتحوّل السلطة الفلسطينيّة نفسها إلى متّهم بات أمام حتميّة إعلان وقوفه على إحدى الضفتين، فإمّا ضفّة الفلسطينيين أو ضفّة العدو في المقابل.

تبيّن للجميع بعد سقوط مسار أوسلو الذي كان منتظرا ومتوقّعا منذ فترة، أن الدولة الفلسطينيّة بسلطتها السياسيّة الشريكة في “مفاوضات السلام” وفي تسويغ “حل الدولتين”، لم تكن إلاّ سرابا لا يمثّل سقفا يحتمي به الفلسطينيّون، ولا هي ناجزة على الأرض الفلسطينيّة في الواقع في ظلّ الهوّة بينها وبين فصائل المقاومة، ناهيك عن التنسيق بينها وبين الكيان أمنيا وعسكريا بشكل تسبّب في خنق المقاومة واختناق سكّان قطاع غزّة.

في المحصلة، القدس ليست أهم من يافا وحيفا واللد، فكلّ شبر عربي فلسطيني هو حقّ للفلسطينيّين لا للمحتل والمستوطنين، غير أن قرار ترامب الأخير قد جعل من سؤال وجود دولة فلسطينيّة مرتبطا بما ستحدّده حركة وخيارات المقاومة، على النقيض تماما مع ما سارت فيه ولا تزال السلطة الفلسطينيّة بقيادة محمود عباس، فانتهاء حلّ “الدولتين” بهذه الشاكلة يعني من ناحية العدو ومن الجانب الأمريكي نهاية دولة فلسطين.

 

شيماء العباسي

باحثة مختصة في التاريخ الفلسطيني الحديث

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.