مجتمع

الصراعات العربية البينيّة: هل هي ملوك طوائف جديدة؟

الصغير شامخ- مجلة ميم

عندما سئل يوسف بن تاشفين عن سبب إقدامه على الإطاحة بملوك طوائف الأندلس، وضمّها إلى دولة المرابطين، أجاب: “كانوا السبب الأساسي في ذل الأمة، وكانوا يظلمون الرعية وكان همهم فقط البقاء على عروشهم، وكانوا خونة يتواطؤون مع العدو، كانوا يدفعون الجزية لألفونسو السادس ويسبهم في وجوههم، ويقولون له ما نحن إلا جباة أموال لك في بلادنا، المهم أن تضمن لنا عروشنا!”.

يوسف بن تاشفين

يبرز التاريخ بوضوح أن موقف ابن تاشفين من ملوك طوائف الأندلس، وقراره الإطاحة بهم، لم يكن مجرّد رغبة “سياسيّة إمبراطوريّة” ضمن مشروع توسّعي لدولة المرابطين القويّة، بل كان موقف بطولة للذود عن “شرف” دنّسته السياسات والصراعات والتآمر الذي شقّ صفوف الإخوة، فانتهى بهم ضعفاء خانعين أمام عدوّهم ومتوحّشين على إخوتهم، بعد تراكم كلّ مؤشّرات الهون، لم يكن يوجد حينها سوى أن تتحوّل الأندلس إلى أرض تحت وصاية ألفونسو أو أن تستردّ دولة المرابطين القويّة حينها النفوذ الإسلامي وتعيد الحقوق إلى أصحابها.

 

أراد ابن تاشفين أن يمحو سوءات وهنات كثيرة، نتجت عن ثورة الأمازيغيين التي قسّمت الأندلس إلى 22 دويلة صغيرة متناحرة فيما بينها، أدخلت الأطماع والأيادي الخارجيّة إلى الأندلس التي ورثت حتّى دويلات الطوائف فيها كلّ ثروات الخلافة، كانت تلك هي الفترة الفاصلة بين تاريخ الأندلس المجيد الذي سطع في كافة أرجاء الدنيا، وبين الحقبة التي أسفرت عن سقوط الأندلس في نهاية المطاف في عام 1492 ميلادية، فهذه الفترة هي بداية النهاية، كما يقولون.

فترة ملوك الطوائف كثيرة الدروس والعبر التي يمكن الاستفادة منها لأي دولة، أو في أي زمان من الأزمان، كان الوضع مترديا وكان الحكم عائليا، اهتم فيه هؤلاء الملوك بأنفسهم وبتشييد القصور والانغمار في الملذات، وكانوا يظلمون شعوبهم ويفرضون عليهم الضرائب، وقد بلغ الأمر ببعضهم مثل المعتمد بن عباد أن يعقد معاهدة مع ألفونسو السادس ملك الأعداء يتعهد فيها بعدم مقاومته إذا أراد الاستيلاء على طليطلة.

 

المعتمد بن عباد

رغم خوفهم على عروشهم، فقد وافق ملوك الطوائف تحت الخوف المتعاظم من العدو، على الاستعانة بالمرابطين بعد أن أطلق المعتمد بن عباد مقولته الشهيرة “والله لئن أرعى الإبل في صحراء المغرب، خير لي من أن أرعى الخنازير في أوروبا”، فكان الانتصار الذي خلدته كتب التاريخ في معركة “الزلاقة”؛ التي قتل فيها معظم أفراد الجيش القشتالي، وأُسِر منهم من لم يُقتَل، وفرّ ألفونسو جريحاً مع نفر قليل من رجاله.

لم يتعظ ملوك الطوائف مما حدث، وعادوا إلى ظلم شعوبهم والتواطؤ مع العدو ودفع الجزية له، وكأن معركة “الزلاقة” لم تكن! عندها ضجّ العلماء وذهبوا إلى يوسف بن تاشفين طالبين منه العودة إلى الأندلس لتخليص الشعب من طغيان هؤلاء الملوك وعبثهم بأقدار الشعوب ومقدراتها، فكانت نهايتهم على يد أمير المرابطين الذي سبق أن خلصهم من ألفونسو وطغيانه وعبثه بهم، وبهذا استطاع بن تاشفين أن يضم كل بلاد الأندلس.
كأنّ التاريخ يعيد نفسه بعد نحو تسعة قرون، رغم كلّ ما حدث من تطوّر ومن تغيّرات حول العالم، لم يطل العرب والمسلمين منها إلى قليل في ظلّ مشهد الفرقة والصراعات البينيّة التي تدفع الشعوب ثمنها، ويقبض المتربّصون بمصيرها على ذلك أثمانا كبيرة من مقدّرات وثروات لا نظير لها.

 

نظم حكم عائليّة، إذا تجاوزت ذلك فهي كذلك في “ما دون الدولة” من “طائفة” أو “قبيلة” أو “جهة” أو حتّى “إيديولوجيا”، طوّرها أصحابها خارج المجال العربي ولم تتطوّر عربيّا، السمة الأبرز حكمها بغشم وجبروت، والأدهى أنّ بأيديها وعبرها يتم استدراج الأجنبي وتوطينه حاكما من أجل عروش لا تدوم لأصحابها.
مشهد الفرقة والصراعات البينيّة العربيّة يكاد يكون “ملوك طوائف جديدة”، بكلّ تلك المكوّنات التي كانت حاضرة قبل نحو تسعة قرون، علماء السلطان أنفسهم والجند ذاتهم مع إضافة “عساكر جديدة” في الإعلام والجامعات وغيرها، وخاصّة الدوافع نفسها، حتّى وسائل الاستقواء على الأشقّاء نفسها، ناهيك عن حالة الغضب الشعبي نفسها أيضا، حتّى “الجزية” التي تدفع للعدو نفسها.

كيمياء التاريخ لا تتحلّل، أنهت غضبة قائد المرابطين يوسف بن تاشفين حقبة ملوك الطوائف السوداء، أمّا في هذا الزمن، فالشعب العربي الذي تذوّق طعم الحريّة والديمقراطيّة، وخاصّة الشعب العربي الذي رأى وسمع كلّ تفاصيل المؤامرات التي يقودها ملوك طوائف العصر من أجل عروشهم، هو الذي سيكون ابن تاشفين في ملايين النسخ التي تفتك تقرير مصائرها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.