مدونات

الشارع العربي يعيد ترتيب البوصلة: الخطر الإسرائيلي أولا!

أنهت الثورات العربيّة تأميم الشوارع والساحات لصالح كرنفالات التهليل والتصفيق للحكّام، وحوّلتها إلى ميادين للاشتباك والمقاومة بأشكال وطرق مختلفة ومتطوّرة

 

حرّرت الثورات العربيّة الشعوب التي ظلّت لسنوات مكبوتة بسبب الدكتاتورية والقمع والفساد، وجرت في الأودية مياه كثيرة، حتّى أصبح “الشارع العربي” والرأي العام العربي جزءا فاعلا ومؤثرا في صناعة السياسات بالمنطقة، بوسائل منها ما أوجدته الرأسماليّة للهيمنة والإخضاع، فتحوّل إلى أداة مضادّة لذلك، ومنها ما ابتدعه الشارع العربي من وسائل للتعبير عن نفسه.

لقرون ظلّ “الشعب العربي” لا يرى نفسه في مرآة النظام الرسمي، ولا حتّى في مرآة النظام العالمي، فراكم التجارب والخبرات ليفرض نفسه معادلة صعبة تحدّد الأولويّات، وتغير من التوازنات، وتعيد ترتيب الأوراق وفق رؤى سياديّة، جوهرها المواطنة وتقرير المصير ونصرة قضايا التحرّر في فلسطين وفي كل أرجاء العالم.

أنهت الثورات العربيّة تأميم الشوارع والساحات لصالح كرنفالات التهليل والتصفيق للحكّام، وحوّلتها إلى ميادين للاشتباك والمقاومة بأشكال وطرق مختلفة ومتطوّرة، تبحث عن ترتيب الأوراق والأولويات، وتنشد نهضة عربيّة بعد عقود من الانكسارات والهزائم المتتالية التي دفع الجميع ضريبتها بسبب الفرقة والتناحر وبسبب تمسّك قلّة متنفّذة بمصالحها وعروشها.

 

 

قرارالرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إعلان القدس عاصمة فلسطين التاريخيّة، عاصمة للكيان المحتلّ، أثبت مجدّدا أن الشارع العربي حيّ، وأنّه يحتضن المقاومة ويحرج “العملاء” ويحاصر المذنبين في حق الأمّة، والأهمّ أنّ القرار قد جعل الشارع العربي يرسم خارطة التحالفات والأولويات بشكل مباشر دونما انسياق وراء ما تحدّده النظم والسياقات الخارجيّة.

مسيرات شعبيّة حاشدة على امتداد الوطن العربي، ترى القدس فيها في عيون الأطفال والرجال والنساء من مختلف الفئات والطبقات والإيديولوجيات والأديان والطوائف، ترى النصر بين شعاراتها، وترى أثر العدوان والا،حتلال على تجاعيد الأوجه واليدين لسيّدة في العقد السابع من أقصى الجنوب التونسي خرجت ترفع شعارا رفعته في نفس اليوم قبطيّة في عقدها الرابع بمصر، وشيخ ستّيني من شيوخ عشائر الأردن.

أسقط الشارع العربي مجدّدا كلّ توازنات وتصنيفات الحكام وخلط الأوراق بشكل واضح، محدّدا طبيعة الأولويات والمخاطر التي تهدّد الأمّة، وعلى رأسها الخطر الصهيوني بوضوح يجعل من الجبهة الأولى عربيّا مفتوحة تجاه المحتل الصهيوني، لا تجاه التمدّد الشيعي الإيراني الذي يتّهمه الشارع نفسه بالتسبّب في أغلب الصراعات، وحتّى في “الخيانات” العربيّة خلال السنوات الأخيرة.

“الخطر الصهيوني أوّلا” هكذا قالت الشعوب، وهي لا تخطئ أهدافها، ولا تتخلّى عن جبهاتها، ولكنها تحدّد الأولويات لاستجماع مقوّمات وشروط النصر الممكنة، متجاوزة كلّ تلك الصراعات الطائفيّة والإيديولوجيّة وغيرها، معلنة قيمة استرجاع “الشرف العربي” و”الأرض العربيّة” كـ”كوسموس” ما فوق سياسي يوحّد الأمّة ضدّ عدوّها الأوّل.

 

بجعله للخطر الصهيوني على رأس قائمة المخاطر التي تهدّد الأمّة، يعلن الشارع العربي تمايزه عن النظام الرسمي العربي الذي صنّف بعض فصائل المقاومة “جماعات إرهابيّة”، والذي جعل من صراع المحاور بين “السنّة” و”الشيعة” أولويّة لديه في حركة جماهيريّة متّسعة القاعدة، ومتجاوزة للحدود، تعلن هذه النظم نفسها شريكة في التآمرعلى الأمّة، وهي معلومة دون حاجة إلى ذكر قائمتها.

مصلحة الأمّة العربيّة في فلسطين تتقاطع مع كل أعداء الكيان الصهيوني وحلفائه، وتتقاطع مع كل من تتقاطع معه مصالح فصائل المقاومة بأشكالها وعناوينها المختلفة، بمثل هذا الوعي الذي قد يبدو للكثيرين سطحيا، يعلن الشارع العربي الكيان الصهيوني خطرا أوّلا يهدّد الأمّة.

سليمة كراك

مدونة تونسية وناشطة في المجتمع المدني

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.