مجتمعغير مصنف

الإغتصاب الزوجي : إغتصاب مقنن ؟

مجتمع

 

الإغتصاب الزوجي جملة قد تبدو ملتبسة التركيب بالنسبة للبعض ذلك أن الكثير من الناس في مجتماعتنا العربية يربطون فعل الإغتصاب بهتك الشرف والعرض فقط أو أن المغتصِب هو شخص غريب عن المغتصَب.

و أثناء بحثنا في الانترنت عن ظاهرة الإغتصاب الزوجي صادفنا نوع من الأسئلة يثبت ما سبق قوله، فنجد أن الكثير من الأزواج العرب يطرحون هذا السؤال “هل يجوز إغتصاب الزوج لزوجته”؟

و يخفي هذا السؤال معنين اثنين: الأول، الميسوجينية بما يحمله هذا المفهوم  من أنماط متعددة لكره النساء يمكن أن تتجلى بعدة صور، منها التمييز الجنسي، واحتقار النساء، والعنف ضدهن، و§اعتبار المرأة أداة لاشباع رغبات الرجل الجنسية، والثاني بحث العقل العربي عن حجج لشرعنة هذا العنف دينيا.

فيبدو الإغتصاب الزوجي في هذا السؤال الذي يخفي الكثير مجرد وجهة نظر تتحمل الصواب و الخطأ، لا شيئا خاطئا على الدوام.

ولو عكسنا السؤال هل يجوز للزوجة إغتصاب زوجها؟ لضحك من يقرأ هذا الكلام لأن العقلية الذكورية الراسخة في الأذهان تجعل من فعل الإغتصاب حقا يملكه الذكر على الأنثى اذا ما امتنعت عن تلبية طلباته.

ولو حاولنا طرح السؤال بطريقة أخرى مجازية وقلنا:  هل يجوز إفتكاك ممتلكات الغير عنوة، لوجدنا هذا الرأي “الزوج يمتلك زوجته” ويعد هذا الرأي مربط الفرس في ظاهرة الإغتصاب الزوجي في مجتماعتنا العربية.

لا ننكر طبعا أن المجتمعات الغربية تعاني من ظاهرة الإغتصاب الزوجي، إلا أن السبب الذي يدعونا للبحث في هذه الظاهرة في العالم العربي هو أنها تجد مشروعية لها في بعض التأويلات الفقهية التي تؤثر بدورها على القوانين الدستورية الحامية للمرأة المغتصبة من قبل زوجها وما سنحاول الإهتمام به في هذا المقال هو الوقوف عند سيكولوجية الزوج المغتصب لزوجته في عالمنا العربي والآثار النفسية لفعل الإغتصاب الزوجي ودور القوانين والتشريعات في حماية المرأة.

في سيكولوجية الزوج المغتصب لزوجته

يقول محمد المهدي استاذ الطب النفسي في جامعة الأزهر معرفًا الإغتصاب الزوجي “هو نوع من العنف يتلبس بالفعل الجنسي و هو رغبة من الزوج في إثبات رجولته التي ربما تكون عانت قهرا من قوى أخرى فيزيح هذا القهر نحو الحلقة الأضعف في نظره، وهي الزوجة”.

ويتم إكراه الزوج للزوجة على ممارسة العلاقة الجنسية من دون رغبة منها عبر استخدام العنف أو التهديد.

وتعتبر الدكتورة جيزيل ابو شاهين (اخصائية في علم النفس وتعمل بالتعاون مع منظمة “كفي عنفا واستغلال”) ممارسة الاغتصاب الزوجي مرضا نفسيا، وان “الرجل عندما يقوم باغتصاب زوجتة تكون لديه اضطرابات نفسية مرتبطة مشاكل طفولته و خلل في علاقتة بأمه، فتتسبب هذة العلاقة المتوترة في نوع من الاذلال، مما يخلق حاجة الرجل للسيطرة على المرأة و الانتقام منها، أو أن لديه مشكلة مع سلطتة الداخلية وليس بإمكانه ضبط أو منع نفسه من القيام بأي تصرف سلوكي.”

و يذهب بعض الأخصائيين النفسيين إلى أن هذا الشعور بالقهر الذي يشعر به الشخص خلال مرحلة طفولة يمكن أن يولد شخصية سادية أو مازوشية على حد السواء.

وفي إطار الإغتصاب الزوجي، نتحدث عن شخصية سادية تتلذ بألم الغير، فتتحول العلاقة الجنسية إلى علاقة جسدية تتبدى فيها المشاعر البدائية من العنف والجنس في أكثر صورها فجاجة، وتتحول إلى علاقة سادو/ماسوشية تأخذ شكل الإغتصاب الزوجي.

 

الفقه الذكوري محرك رئيسي لسيوكوجية الزوج المغتصب

أعلى القرآن من قيمة العلاقة الجسدية بين الرجل والمرأة فنجد آيات كريمة تؤكد على قدسية هذه العلاقة مثل  “هن لباس لكم و أنتم لباس لهن” و“نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين”

وقد أوصى الرسول محمد صلى الله عليه و سلم  بالنساء خيراً، ولذا ليس من المعقول والمنطقى أن يجبر الزوح  الزوجة على فعل يحتاج كما من الأحاسيس والرغبة والقبول، يجبرها لمجرد إشباع رغباته، فالجنس في الإسلام ليس مونولوجا من طرف واحد ولا يمكن أن يعتبر اخضاع الزوجة وتعنيفها من أجل ذلك وقهرها مشروعا فعلا مشروعا ولا جائزا.

و تساهم هذه الأفكار الدينية الخاطئة المبنية على مفهوم الطاعة للزوج وبعض الأحاديث والأقوال لظاهرة الإغتصاب الزوجي،  نذكر منها رواية بن عباس التي تقول أتت امرأة من خعثم الي النبي فقالت اني امرأة ايم، و اريد ان اتزوج فما حق الزوج؟ وكانت اولى الحقوق الزوجية التي قيلت في الحديث أن من حق الزوج علي زوجتة اذا أرادها فراودها عن نفسها وهي علي ظهر بعير لا تمنعه و هناك أيضا حديث اخر “إذا دعا الرجل امرأتة الى فراشة فأبت فبات غضبان عليها، تلعنها الملائكة حتي تصبح.

هناك أيضا بعض التأويلات القرآنية التي ترسخ صورة سلبية لدور المرأة الجنسي، ونشير إلى أنها تأتي من ذكور فقط ونذكر منها ما قاله الطبري الذي نصح المؤمن بأن يوثق المرأة الرافضة في فراشها لأن آية واهجروهن في مضاجعهن تعني حسب احدى تفسيراتة اربطوهن بفراشهن، لأن الهجر حسب رأيه هو الحبل الذي كانت تربط بة الجمال!

من الجلي أن هؤلاء الرجال ينظرون للمرأة كأداة جنسية لتحقيق المتعة، معتمدين في ذلك على قصص وأحاديث ضعيفة منسوبة للرسول الأكرم ومتنافية مع النص القرآني، لخدمة مصالحهم الذكورية وربما لنزعاتهم الفيتشية المتأتية من ترسبات و عقد بسيوكولجية.

و في هذا السياق، يقول الشيخ يوسف البدري عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ”

أرفض أي تدخل قانوني من خلال ما يسمى الاغتصاب الزوجي، لأن المرأة مأمورة شرعاً بطاعة زوجها، وإلا فمصيرها النار، لأن طاعة الزوج واجبة طالما أنه لم يأمرها بمعصية، فقد قال رَسُول اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم» «والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها».

إذًا بالنسبة إليه تفكير الزوجة في تقديم شكوى للقاضي، لأنها لا تريد معاشرة زوجها أمر مرفوض، ولها أن تطلب الخلع لأنها تكرهه مثلاً وتتنازل له عن المهر ،كما قال الدكتور محمد عبد المنعم البري، الأستاذ في كلية الدعوة ورئيس جبهة علماء الأزهر، الذي أكد أنه ليس في الإسلام شيء يسمى «الاغتصاب الزوجي»، وإنما هي قوانين غربية في مجال الأسرة، تريد أن تخترق مجتمعاتنا الإسلامية، و إذا كان الزوج يعاشر  بعنف وفي أي وقت، دون مراعاة مشاعرها  “فعليها أن تنصحه وتصبر عليه وتحاول الصلح معه، محافظةً على أسرتها وأسرارها”.

الآثار النفسية للإغتصاب الزوجي

يقول دكتور محمد المهدي “إن الاغتصاب الزوجي يرسب في نفس الطرف المغصوب و المقهور مشاعر ألم و غضب و اشمئزاز، وهذا ما تعبر عنه الزوجة المغتصبة بانها تشعر بعد العلاقة الجنسية بالرغبة في القيء وانها تكره نفسها و تكره زوجها بعد هذه العلاقة الإخضاعية وتشعر بأن دنسا قد اصاب جسدها ولهذا تحتاج للاغتسال مرات عديدة لعلها تزيل ما لحقها بالضبط كما تشعر المغتصبة غير المتزوجة.

كما توضح دكتورة جيزيل ابو شاهين “هناك التأثيرات النفسية: كالصدمة، الإكتئاب، الإنعزال والشعور بالوحدة، عدم الثقة بصورة الرجل، عدم الإعتبار بالذات، وقد تصل الأمور إلى محاولة الإنتحار، وهناك التأثيرات السلوكية: كحدوث مشاكل جنسية، و الخوف من ممارسة الجنس”.

دور القوانين والتشريعات في حماية المرأة المغتصبة من قبل زوجها

تختلف القوانين الحامية للمرأة المغتصبة من زوجها من دولة عربية إلى أخرى وتحاول الناشطات النسويات في الجزائر والمغرب تجريم إغتصاب الزوج لزوجته، إلا أن هذه المحاولات تلاقي رفضا من المجتمع، ليس لرفضه خطورة الإغتصاب الزوجي فحسب وإنما للفظ التجريم، فالبنسبة إليهم لا يمكن أن يكون الزوج المغتصب مثل المغتصب الغريب.

إلا أن فقه القضاء التونسي يجرم بصفة مبدئية اغتصاب الزوجة، فالزوج الذي يجبر زوجته على تمكينه من نفسها، سواء كان ذلك بصفة طبيعية أو غير طبيعية يؤاخذ جزائيا ويعاقب بحسب الفعل الجنسي المرتكب من أجل الاغتصاب او الاعتداء بالفاحشة على معنى الفصلين 227 من المجلة الجزائية أو الفصل 228 من نفس المجلة والمتعلق بالاعتداء بالفاحشة.

وقد تبنّى فقه القضاء  التونسي هذا الاتجاه وذلك في قرار تعقيبي تتمثل وقائعه في أن زوجة رفعت شكاية على زوجها اتّهمته فيها بأنّه ناولها قرصا مخدرا وقام بالاعتداء عليها بالفاحشة.

كذلك نفس الاشكال طرح على انظار الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية، بناء على شكاية رفعتها زوجة اتهمت زوجها بإساءة معاملتها منذ الاشهر الأولى للزواج وبأنّه أصبح يطالبها بتمكينه من الاتصال بها جنسيا من دبرها.

وأمام الرفض الذي جُوبه به، لم يجد الزوج من حل لإشباع نزواته سوى تعنيفها واكراهها على الاستسلام له. وقد تكررت الاعتداءات على مدى سنتين وكانت الزوجة في كل مرة يعمد فيها زوجها الى ارتكاب تصرفه الشاذ تلتحق بمحل والديها، لكن دون ان تعلمهما بالأمر استحياء منها وأملا في امكانية رجوع زوجها لما أحلّه الله.

 

 جريمة الفصل 228 من المجلة الجزائية لا تمّحي بوجود عقد زواج بين الفاعل والمتضررة باعتبار أنّ عقد الزواج يضفي شرعية على العلاقات الجنسية الطبيعية بين الزوجين دون سواها ولا يؤطر قانونا الشذوذ الجنسي كما انه لا يمكن اعتبار عقد الزواج يمنح الزوج السلطة المادية والادبية على جسد زوجته خارج علاقتهما الطبيعية كزوجين.

 

وقد اعتبرت المحكمة أثناء سير القضية،  بالرغم من اقرار الطبيب الشرعي بحصول عمليات ايلاج كاملة بدبر الزوجة ووجود كدمات بفخذها الايسر أن الجريمة موضوع نص الاحالة لا تقوم في حق الزوج، لا لعدم قبول المحكمة تجريم مثل هذه التصرفات، وإنّما لعدم وجود ما يثبت انعدام الرضا، اذ لا شيء يؤكد عدم رضا الشاكية بما اتاه المظنون فيه من افعال، بل على خلاف ذلك توجد قرائن قوية ومتضافرة تبين الرضا لدى الشاكية وتمثل في سكوتها لمدة سنتين!

فراغ تشريعي رغم محاولات التجريم 

أمام هذا الفراغ التشريعي، ذهب بعض الشراح في  تونس الى انه لا يمكن الجمع في القانون التونسي بين صفتي الزوج والمرتكب لجريمة الفصل 227، وهذا بالرغم من استعمال المشرع عبارة مطلقة «كل من واقع أنثى»، وذلك انطلاقا من المفهوم الذي تبناه المشرع التونسي لجريمة مواقعة أنثى بدون رضاها، إذ هي بالاساس جريمة ضد الشرف وليست مبنية على حماية رضا الأنثى بما ان أهمية عدم الرّضا لا تبرز الاّ للحد من الحالات التي يقبل فيها قيام الجريمة.

في المقابل، اعتبر جانب آخر من الفقهاء أن هذا الموقف ينمّ عن نظرة تقليدية للمرأة، فجريمة الاغتصاب تكون متوفرة كلما اجبرت المرأة على الوقاع بغير رضاها، لان في ذلك انتهاكا لا فقط لعرضها وهو ما قد لا يتوفر في صورة العلاقة الزوجية وانما ايضا لجسدها وحرمته.

ومن هذا المنظار، وجب فهم المقصود بالحرية الجنسية، فهذه الحرية لا تعني بالضرورة وكما يحاول البعض تأويلها السماح للزوجة بالاستسلام لمن تريد وفي أي وقت تريد، والحال أنها في عصمة زوجها فهذا ما لا يرضاه أحد، ولكنها تعني أنه من حقها الامتناع عن ممارسة الجنس مع زوجها، سواء بمبرر شرعي أو دونه.

 

قرينة قبول الزوجة للعلاقات الجنسية لا تعني مطلقا حرية الزوج في التصرف في جسد زوجته كما يشاء وأن يتّصل بها متى شاء

 

فقرينة قبول الزوجة للعلاقات الجنسية لا تعني مطلقا حرية الزوج في التصرف في جسد زوجته كما يشاء وأن يتّصل بها متى شاء. هذا فضلا عن ان اكراه الزوج زوجته بغاية الاتصال بها غصبا، دون رضا يخرج عن الواجب المحمول على الزوج والمتمثل في معاملتها بالمعروف وحسن معاشرتها، تطبيقا للفصل 23 من مجلة الاحوال الشخصية المتأتية من روح الإسلام الذي نعلم في فطرتنا أنه قائم على الرحمة و المودة.

في النهاية، نشير إلى أن خوف الكثير من الزوجات المغتصبات من الحديث عن  الإغتصاب الزوجي أو التصدي له مرده نظرة المجتمع لهن كمذنبات وعدم القدرة على الوقوف أمام المحكمة والتطرق بالتفاصيل لأمور بالغة الخصوصية. ويستغل الكثير من الرجال هذه الوضعية الهشة للنساء في المجتمعات التي تغلب فيها العقلية الذكورية ليخضعنهن لسلطة الأمر الواقع.

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق