منوعاتدين وحياة

محطات في تاريخ القدس

ثقافة

 

 

يعود تاريخ مدينة القدس إلى 38 قرون وتحديدا إلى عصر خليل الله إبراهيم عليه السلام،  حيث أسست على يد الملك، “ملكي صادق”، الذي أطلق عليها تسمية “أورسالم”، أي مدينة السلام.

وبذلك تعد القدس من أقدم المدن في العالم وقد تتالت عليها عديد الحقبات التاريخية وعديد الحضارات، من فترة قبل الميلاد إلى حين الفتح الإسلامي، التي اهتمت بها، كنقطة إشعاع ديني للديانات السماوية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلامية.

 

القدس في حضارات ماقبل الميلاد

انطلقت هذه الفترة الزمنية، منذ نشأة مدينة القدس، على يد الملك “ملكي صادق”،  الذي أرجعت بعض المصادر التاريخية، أنه سام بن نوح، بينما ذهبت أخرى إلى أنه من الساميين العرب، وهو ممن آمنوا برسالة التوحيد، فقد ذكر الدباغ: “المثبت في التاريخ هو أن الذين استقروا في هذا المكان هم اليبوسيون وكان ملكهم هو “ملكي صادق” وهو وجماعته يعتبران من أول الموحدين الذين عاشوا في هذا المكان.” وقد حول هذا الملك اليبوسي اسمها من “يبوس” إلى “أورساليم”.

بعد ذلك تتالت عديد الحضارات ومنها الحضارة الفرعونية (16_14 ق.م) والعصر اليهودي، وهو عصر نبي الله داود وابنه سليمان ( 977 _ 586 ق.م)، ثم العصر البابلي (586_ 537 ق.م)  يليه العصر الفارسي (537_ 333 ق.م) والعهد اليوناني(333_63 ق.م). وصولا الى حقبة الرومانيين التي امتدت إلى سنة 636 ميلادية.

وطوال هذه الحقبات التاريخية، عرفت القدس عديد التسميات، إلى أن سميت ببيت المقدس والقدس عند الفتح الإسلامي.

 

القدس في صدر الاسلام

سنة 621 ميلاديا، أسري برسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماوات العلى،”سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير” (الاسراء الآية 1)

وهو ما يضفي طابع القداسة والبركة على مدينة القدس، ويعكس أهميتها الدينية، فهي لا تمثل نقطة إشعاع ديني لليهود والنصارى، بضمها لكنسية القيامة وحائط المبكى، ولكنها تعتبر رمزا اسلاميا، ضاربا في التاريخ وسيمهد للفتح الإسلامي، على يد الخليفة الرشيد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

 

معركة اليرموك وفتح القدس

بدأت معركة اليرموك بين جيش المسلمين، بقيادة خالد بن الوليد وجيش الروم، سنة 15 هجرية _ 636 ميلادية. وقد تألفت الجيوش الإسلامية، من 46 ألف مقاتل بينما بلغ عدد الجيوش الرومانية مائتي ألف مقاتل. وكان النصر من حليف الجيوش الإسلامية، التي توجهت لفتح القدس، إلا أن البطريرك صفرونيوس، رئيس البطاركة والأساقفة، أبى أن لايسلم القدس إلا للخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه.

وقد ذكر  الدكتور عبد الناصر الفرا، في كتابه الجذور التاريخية لمدينة القدس وكيفية الحفاظ عليها، قائلا “…وجاء عمر يمسك بمقود الراحلة، عندها بكى البطريرك” صفرونيوس” وقال “دولة الظلم ساعة ودولة العدل الى قيام الساعة”.

وبعد فتح القدس، اتخذ عمر بن الخطاب، مصلى بجانب الصخرة المقدسة،  بناء على ما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة بعد ليلة الاسراء والمعراج، قائلا “لقد وصف لي رسول الله صلّى الله عليه وسلم المسجد بصفة ما هي عليه هذه”.

وبذلك استرجعت الهوية العربية الإسلامية، القائمة على التوحيد إلى مدينة القدس والتي بدأت منذ عصر”ملكي صادق”، والكنعانيين العرب وصولا إلى العصر الحالي.

وقد سجل التاريخ، محطات بارزة من الحكم الإسلامي للقدس، منها الحكم الأموي والعباسي، أين ازدهرت المدينة وعرفت نهضة علمية و معمارية بارزة، إلى حين سقوطها في يد الصليبيين سنة 1099م.

 

القدس في الحكمين الأموي والعباسي

في الحقيقة، يرجع المؤرخون فترة حكم الدولتين الأموية والعباسية إلى العصر الإسلامي الأول، التي تعقب فتح بيت المقدس مباشرة، وقد شهدت هذه الفترة التي امتدت أكثر من عقدين، بناء أكثر المعالم الدينية بروزا وهي مسجد عمر ومسجد قبة الصخرة.

ففي سنة 691 ميلادية، قام عبد الملك بن مروان، ببناء مسجد قبة الصخرة في سنة 691م، وجعل لها قبة ذهبية كي تطغى على قبب الكنائس المنتشرة في القدس. وفي سنة 709 ميلادية،  قام ابنه الخليفة الوليد بن عبد الملك ببناء الجامع القبلي وهو الجامع الذي صلى فيه الفاروق رضي الله عنه.

وفي عهد العباسيين، عرف المسجد الأقصى عدة ترميمات، بعد الزلزال الذي ضرب بيت المقدس، سنة 130 هجرية وقد أعيد ترميمه من بيت مال المسلمين.

 

القدس، في يد الصلبيين

وقد شهدت المدينة، بعد هذه الفترة، حالة عدم استقرار سياسي، بسبب الصراعات العسكرية بين العباسيين والفاطميين والقرامطة والسلاجقة، التي حكمت القدس سنة 1071م، وهي سلالة تركية وواحدة من الدول الكبرى في تاريخ الإسلام.  وقد أدى هذا الصراع إلى سقوطها في يد الصليبيين، الذين عاثوا بالارض فسادا، بعد مضي 5 قرون من الحكم الإسلامي، إلى حين تمكن صلاح الدين الأيوبي من استرجاعها سنة 1187م بعد معركة حطين.

وذكرت المراجع التاريخية أنه بعد وفاة صلاح الدين الأيوبي، تعرضت القدس مرة أخرى للغزو الصليبي، الذي ظل حكمهم لمدة 11 عاما، إلى أن هزموا مجددا على يد نجم الدين الأيوبي سنة 1244م.

 

القدس من المماليك إلى الدولة العثمانية

سنة 1243 ميلادية، تعرضت مدينة القدس إلى الغزو المغولي، لكن ذلك لم يدم طويلا، إذ تمكن المماليك، وهي دولة إسلامية، قامت في مصر، من هزيمتهم في معركة عين جالوت سنة 1259م، وتم إلحاق القدس وفلسطين عامة إلى بقية المماليك التي تضم مصر والشام.

وفي حدود سنة 1616 ميلادي، أصبحت القدس مدينة تابعة للإمبراطورية العثمانية، بعد معركة مرج دابق، التي قادها السلطان سليم الأول. وقد تم في عهد السلطان سليمان القانوني بناء أسوار المدينة وقبة الصخرة وسنة 1880م، أنشأت متصرفية القدس وأزيل الحائط القديم للمدينة سنة 1889.  وقد ظلت مدينة القدس ترزح تحت الحكم العثماني، إلى حدود الحرب العالمية الأولى.

 

الانتداب البريطاني ووعد بلفور  

مثلت هذه الفترة نقطة تحول كبيرة في تاريخ القدس وتاريخ فلسطين، فمنذ سقوطها في يد المستعمر البريطاني، في التاسع من كانون الأول سنة 1917 م، أصبحت محطة يُسفّر ويُهجّر إليها، اليهود الذين كانوا في أوروبا شعبا بلا وطن.  وقد أعطى وعد بلفور 1917م، الشرعية لليهود بالاستيطان في فلسطين والقدس.  

 

 

الاستيطان الاسرائيلي

المستوطنات الاسرائيلية في فلسطين المحتلة

و بعد انتهاء الانتداب البريطاني 1948م، أعلن عن قيام دولة إسرائيل وعاصمتها القدس الغربية، في حين ظلت القدس الشرقية خاضعة للسيادة الأردنية، الى حين هزيمة يونيو 1967، التي نتج عنها ضم القدس بأكملها لسلطة الاحتلال الصهيوني.

 

 

حريق المسجد الأقصى 1969م

كان من بين المخطط الصهيوني، لا فقط افتكاك الأرض والممتلكات، بل كذلك طمس كل المعالم الاسلامية لمدينة القدس. وقد تجسد ذلك في حادثة حرق المسجد الأقصى في 21 أغسطس 1969م، حيث تروي التفاصيل أن متطرف أسترالي الجنسية “دينيس مايكل روهان”، قد اقتحم  المسجد الأقصى من باب الغوانمة، وقام بإضرام  النار في المصلى القبلي بالمسجد الأقصى،  الذي شهد تضررا كبيرا.

 

 

ولم تترك النيران شبرا من المسجد الأقصى الا التهمته، من ذلك واجهاته وسقفه وسجاده وزخارفه النادرة وكل محتوياته من المصاحف والأثاث، فضلا على  منبر المسجد التاريخي الذي أحضره صلاح الدين الأيوبي من مدينة حلب.

 

وقد ظل الصهاينة، في محاولاتهم البائسة للقضاء على المعالم الصارخة للحضارة الإسلامية، التي امتدت إلى القيام بحفريات حول وداخل المسجد الأقصى منذ سنة 1967، بحثا عن هيكل سليمان، الذي يعتقدون في وجوده هناك.  

 

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.