مجتمع

طِفلٌ وَحَجَر .. مُرابِطَةٌ وَمُصحَف

مدونات

This post has already been read 18 times!

 

بعضُ المُدُن لا تقتصِرُ على دروبٍ وحجارة، بعضُ المُدُن تفوق شوارعها، تتعدّى جُدرانَ بُنْيَتِها.. بعضُ المُدُن تبنينا قبل أن نبنيها، تروي قصتنا قبل أن نرويها، تٌعيد إعمارَ ذواتنا قبل أن نُعيدَ نحن إعمارها..

كذلك هيَ القدس؛ أرضٌ تحلُّ بها البركة، موطنٌ ما كانَ في قلبٍ إلّا زانه، وما كانَ في حراكٍ إلّا نصره، وما كان في قضيةٍ إلّا نقّاها وصفاها.

كان العالم يضجُ بأخبارِه، وكانت الأقوامُ تنأى عن قضيتها، تكاد أن تستسلم لوجود الاحتلالِ وهيمنته، وكان الطفلُ في فلسطين يدرك أنّه يحيى في وطنٍ مُبارَك، والبركة إن حلّت في شيءٍ ضاعفَت عطاءه ومُخرجاته. كان العدو أمامه، والعالم كلّه مُتخلٍ عنه وعن قضيته، وهو طفلٌ يجلسُ في “جباليا”، لا تتسع كفّيه إلّا لبعضِ حجارة. مَسَكَ الطفلُ حجراً، فقذف به عدواً، فأحدَثَ في الأرض انتفاضة.

هذه هي القدس، تتعدّى محيطَ المكان حتى تجدها في غزة، تُحِلُّ هناك بركتها، وتجعل من الحجرِ سلاحاً يحرِّكُ أمة. قبل ثلاثين عاما من اليوم؛ في الثامن من كانون الأول من عام ألف وتسعمئةٍ وسبعٍ وثمانين، انطلقت انتفاضةُ الوطنِ الأولى، وكان مُحرِّكُها طفلٌ وحجارة.

تعلِّمك القدسُ ألّا تستصغر فِعلاً، ألّا تخاف، ألّا تتوانى عن عملٍ مهما كان. تُعلِّمُكَ القدس أنّه إن غدا الحجر سلاحاً، فقلمُكَ كذلك يغدو، ولسانك ومقامك. تعلِّمُكَ القدس أن تدعمَ كلّ مَن فيها، طفلاً أو شيخاً، صغيراً أو كبيراً.

تُحدِثُ الانتفاضة الأولى أثرها في ذاك الحين، ويتراجَعُ العدو مراحل وخطوات. ثمّ تمرُّ الأيام بأحداثها ومقاومتها، ويعودُ النّاس لمشاغلهم، وتعود الشعوب لتنأى عن القدس وقضيتها من جديد، فتقفُ مُرابطةٌ عند أبواب القدس، تعلِّم الناس دينهم وقرآنهم، وما إن يُدرك العدو خطرها حتى يبعدها، فتصبحُ المرابطةُ قائمةً من المبعدات، نساءً يفُقنَ الرجال إرادة، يقفنَ عند أبواب القدس يُريدُ العدو أن يبعدهن عنها، فيقربنَ هنَّ النّاس إليها.

 

“8/12 أشعلناها بايدينا، والعالم كلّه عم يتفرج علينا.. يا فلسطين لاجلك عالجمر مشينا، والنصر قرّب يا يُمّى وتعدينا”

 

مرابطةٌ عند أبواب القدس تحمِلُ في يدها مُصحفها، تلفِتُ أنظار العالم كلّه لخطرٍ يقتربُ من القدس، فتلقي القدس عليها بركتها، لتغدو المرابطةُ سلاحاً يقهرُ العدو ويُعيد إلينا بوصلةَ قضيتنا.

تعلِّمُكَ القدس كيف تكونُ مُرابطاً، كيف لا تُغريكَ خطابات المُطبّعين، كيفَ لا تستسلم يوماً لخطط التهويد. تعلِّمُكَ القدس كيفَ تنال مِن كتابِ الله قوتك، كيفَ تكون هذي الأرض عقيدك، كيف تورثُ الآيات يقيناً في قلبك.

 

“8/12 أشعلناها بايدينا، والعالم كلّه عم يتفرج علينا.. يا فلسطين لاجلك عالجمر مشينا، والنصر قرّب يا يُمّى وتعدينا”.. كانَت هذه كلمات نشيدٍ نرددهُ أطفالاً، نستذكرُ بهِ ما حدث في ذاكَ اليوم، ونحيي في أنفسنا وجودَ القدس الذي لا يغيب، نردّد في أنفسنا أسماء الشهداء كلّهم، وكأننا في ذكر أسمائهم نتلو عهداً بألّا نُضيعَ الإرث الذي تركوه. واليوم تتزامن الذكرى الثلاثون للانتفاضة الأولى مع اعتداءٍ جديد على القدس، ومع تصريحٍ آخرَ للتهويد. والأيام لا تتلاقَى عبثاً، بل هي قدرٌ من الله يخبرنا فيه أنّ هذه القضية لا تحلُّ إلّا بمقاومةٍ ورباط.

إنّ الحجر الذي قذفته يد الطفلِ، وإن المصحفَ في يدِ مرابطةٍ عند أبواب القدس، لأشدُّ بركةً من كلِّ مؤتمرٍ يسعى للتطبيع أو التسوية، ولأشدُ أثراً في صفوف العدو من كلِّ خطابٍ خائف، وكلِّ قلبٍ مُتردّد.

هذه القدس لا تُحصَرُ في مكانٍ أبداً، القدسُ اليوم في غزة، في أريحا، في عمّان، في كلِّ بقاع الأرض، في كلِّ قلبٍ ينبضُ مقاومةً ويقيناً بأنّ هذي الأرض له، وهذا الوطن حقه.

سلامٌ على طفلِ الانتفاضة الذي غدا اليوم شهيداً أو مُقاوماً، سلامٌ على مُرابطات القدس اللائي أحيينَ فينا الولاء، سلامٌ على كلِّ مَن افتدى الأرض وقاوم، سلامٌ على مَن أُسِرَ أو أوذيَ أو أبْعِد.. سلامٌ على كلِّ روحٍ مقدسيةٍ تبحث في موقعها عمَّا ترابط خلاله وتقاوم، مُدركةً أنَّ القدسَ مركزُ قضاياها، وأساسُ حضارتها.

الوسوم

نور أبو غوش

مدونة من الأردن،  تكتب في القضايا الاجتماعية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق