ثقافة

سردية فلسطين وإعادة تشكيل الهوية من خلال الفاجعة في “الطنطورية”

مبدعات: سلسلة رضوى عاشور

كثير من القراء عندما يمر على رواية الطنطورية لرضوى عاشور يقع فريسة الحياة، الحياة بمعناها اليومي، تفاصيلها الصغيرة، رائحة الخبز والقهوة، لون الزيت وملوحة الزيتون، أصوات البحر وأغاني العرس، ثوب الفلاحة وصوت الشيخ الكبير يحكي الحكاية. يتحدثون عن الإحساس بالألفة مع ما لا يعرفون عن كونهم كانوا جزءاً من الدقائق والثواني التي عاشها أصحاب القصة، ولكن الطنطورية في جوهرها سردية هوية، أو بالأحرى إعادة تشكيل الهوية بعيداً عن كل ما نعرف إلى كل ما نجهل، إنها هوية ليست قائمة على المكان بقدر ما هي قائمة على الزمان، وهي ليست قائمة على الأشياء المحسوسة بقدر ما هي قائمة على الذاكرة وما يمكنها ان تحتفظ به.

 

إن دراسات الذاكرة لم تعد تبحث فقط في سرديات الذاكرة، ولكن أيضاً في الطرق التي يتحول بها حدث ما إلى جزء من الذاكرة الجمعية، أي كيف يتحول مشهد مثل صورة المراسلة الصحفية التي خرجت تبكي من صبرا وشتيلة إلى جزء من الذاكرة الكبرى لجيل بأكمله؟ كيف تحول المفتاح إلى رمز للنكبة، وما يخصنا هنا تحديداً، هو كيف تحولت النكبة إلى جزء من هوية الفلسطيني والعربي في وقت ما.

 

إن الفاجعة أو Trauma هي تجربة استثنائية تؤدي إلى خلل في النفس يجعلها غير قادرة على أداء مهامها بصورة طبيعية، وهي تجربة لا يمكن وصفها بالكلمات unspeakable ولهذا فإنها تقبع في داخل النفس وتخرج على صورة أحلام أو نوبات هستيرية أو ردود فعل على المحفزات المرتبطة بتلك التجربة. أي بمعنى أبسط فإن الفاجعة تكمن في عدم قدرتنا على فهم الحدث الجسيم ولا التعبير عنه، وهذا الخرس الذي نصاب به هو ما يجعلها ذات أثر مدمر على نفسية الإنسان. تخطي الفاجعة لطالما نُظر له بأنه استعادة القدرة على “النطق” بالجرح، voicing the wound، أي تحويل الجرح المعنوي إلى لفظ مسموع ومن ثم يتم العمل على استعادة وحدة النفس التي دمرتها الفاجعة إلى أجزاء، فإن وحدة هذه النفس علامة على صحتها، بينما تعددها دليل انكسارها.

 

حتى وقت قريب كان يُنظر إلى أي نوع من أنواع التعامل مع الفاجعة على أنها جزء من النفس introjection، يبتلع الإنسان جرحه إلى الداخل بدلاً من أن يوجهه للخارج ويعبر عنه بالرثاء أو الحداد، أو يدخل في مرحلة غير منتهية من الحداد الذي لا يفضي إلى تجاوز التجربة الصادمة فيبقى حبيس الفاجعة إلى أجل غير مسمى. لكن الدراسات التي تهتم بالذاكرة والفاجعة بعد أن تنقلت بين الثقافات المختلفة وتجاوزت مرحلة التركيز اليوروأمريكي أصبحت تنظر إلى تجربة الفاجعة على أنها تجربة خاضعة بشكل كبير إلى الجغرافيا والثقافة والتاريخ، وليست قاعدة موحدة تنطبق على كل البشر.

 

لهذه فنحن إذا ما نظرنا إلى الطنطورية باعتبارها سردية للفاجعة فنحن أمام رواية يتم فيها تشكيل الهوية حول الفاجعة، وتوضح بشكل جلي استحالة تجاوزها خصوصاً دون وجود اعتراف بمدى تأثير هذه الفاجعة وتحقيق نوع من العدالة لأصحابها حتى بمجرد تقدير معاناتهم أو محاولة إيقافها. الهوية وتعريف النفس فيها ليست عملية سابقة التحديد ، بل هي حالة مستمرة من محاولة إيجاد مكان للنفس في سياقها العام لكما تغيرت الظروف والمعطيات، الثوابت هي فقط تلك التي نعتبرها جزءاً من التاريخ، أما الهوية الحالية فهي دائماً قابلة للإضافة بمرور الزمن.

 

كانت الهوية الفلسطينية بعدُ لم تتشكل تحت علم الدولة القومية عندما حلت الفاجعة بأهلها، أي أن النكبة عطلت بصورة كبيرة مراحل تكون الهوية الوطنية بالصورة التقليدية التي اتخذت لنفسها مساراً في بقية الدول التي استقلت من الاستعمار، ولكنها في نفس الوقت وجدت لنفسها طريقاً مغايراً، طريقاً لا يقوم على نهاية المقاومة وبدء التمتع بنتائجها بل طريقاً يقوم على بداية الصراع من أجل البقاء، طريق يرى في المعاناة سبباً للمشاركة في المقاومة الجمعية، وفي الهزيمة دافعاً للوقوف في وجه من يحاول ترسيخها بصورة أو بأخرى لتكت نهاية وجود شعب قبل أن يبدأ “دولياً”.

 

وهنا يجب توضيح أن فكرة الدولة القومية هذه واحدة من أكثر المغالطات التي تستخدم في الجدل الذي يدور حول وجود فلسطين، باعتبار أن فلسطين لم تعلن استقلالها بل تم نقل سلطة الإقليم من الاحتلال البريطاني إلى الاحتلال الإسرائيلي ولهذا فإنه المقبول بالنسبة لمن يرون عدم وجود ما يسمى دولة فلسطين قبل نشأة الكيان المحتل أن يرددوا عبارات مثل: فلسطين لم توجد ذي بدء حتى يتم احتلالها، وخلاف ذلك. ينسى أو يتناسى أصحاب هذه الأقوال أن الأمم المتحدة التي اتخذت على عاتها مهمة الاعتراف بالدول لسبب ما تأسست سنة 1945، وأن الاحتلال البريطاني لفلسطين انتهى بإعلان إسرائيل سنة 1948، أي أن فلسطين “كدولة قومية حديثة” لم تكن في وضح يسمح لها بطلب الاعتراف الدولي لكونها واقعة تحت احتلال سلمها لخليفته. ثم إن الأمم والشعوب عاشت منذ الخليقة دون محددات الدول القومية وخرائطها المعروفة لنا الآن، كان هناك أقاليم وشعوب تجتمع على عادات وتقاليد ولغات، لم يمسك أحد بقلم وورقة ليقسمها إلا مع بدء مرحلة الاستعمار الأوربي للعالم والتي كانت تهدف لسهولة تقسيم تلك الأقاليم وثرواتها.

 

لذلك فإن الهوية الفلسطينية ليست هوية قومية بالدرجة الأولى، لأنها وجدت قبل ودون الدولة القومية، هي هوية شعبية كونتها الكتل البشرية التي سعت جاهدة لمقاومة تلك الادعاءات التي تهددها بالمحي، سواءً أكان ذلك من خلال التهجير، أو تزوير التاريخ، أو سرقة التراث الشعبي، وحتى نسبة الأطباق الشعبية لغير أصحابها! في الطنطورية نجد قصة طريفة لواقعة الثوب مثلاً والتي تشير إلى مثل هذه السرقات الثقافية.

 

وصال التي لم تسمح لرجل بأن يثني على ثويها ويشير إليه “بالإسرائيلي” فليس المهم جمال الثوب إن كان سيفقد قيمته، وقيمته يستمدها من ارتباطه “بفلسطين”، لهذا فإن الثوب الذي أضحى حائط سدّ تحول هو الآخر إلى جزء لا يتجزأ من نسجية فاجعة النكبة التي صارت جزءاً من الحياة اليومية، لم تتحول إلى صخرة متحجرة في نفس المتأثرين بها تثقلهم فتمنعهم من الحركة، بل باتت بالنسبة للكثيرين القوة الدافعة التي تحافظ على ذلك العامل المشترك الأكثر قوة من العلم والنشيد، إنها قوة النكبة المشتركة. تحكي رقية عن نساء المخيم اللواتي يتبادلن الروايات حول ما حدث، ثم تتبادلن العزائم، من ستضيف صاحبتها أولاً عندما يعودون إلى “البلاد”، وكيف تشارك كل منهن الأخريات في كشف سر المفاتيح المعلقة حول الرقاب ملاصقة للجسد. تقول رقية، بأن الحكاية تؤمنها.

 

والحكاية هنا ليست حكاية ترفيه وتسلية، إنها حكاية تفيد بأنك لست وحيداً في تلك التجربة التي أخرست صوتك لشهور، وغيبت من تحب، وسرقت كل ما تعرف.

 

لم تعد النكبة صدمة يجب تجاوزها، لقد حولتها القضية الفلسطينية إلى جزء من الذات التي لا توجد إلا بالتمسك بها، لم يعد الهدف التخلص منها، بل صار الهدف جعلها مركزة وواضحة وجلية بكل الطرق الممكنة، لقد أمست الفاجعة بما سببته من تشطي في نفس الفلسطيني والعربي والإنسان المنتمي إليها جزءاً فاعلاً متحركاً من هويته، وليست ثقباً أو كسراً ينبغي جبره وإغلاقه.

 

الوسوم

أحلام مصطفى

مُدونة وطالبة فلسطينية تحضّر لدرجة الدكتوراه بجامعة سيدني الأسترالية في مجال اللغة العربية وثقافاتها يركز عملها البحثي على كتابات الذاكرة والفاجعة في السياق مابعد الاستعماري

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.